الصحافة التونسية في

الصحافة التونسية في "عصر ما بعد الحقيقة".. الهلع (3/1)

تمثل مرحلة الانتقال الديمقراطي سياقًا مناسبًا لكل أنواع حالات الهلع المعنوي والهوياتي (صورة توضيحية/Getty)

 

اختار قاموس "أوكسفورد" عام 2016 مصطلح "عصر ما بعد الحقيقة" (Post-Truth) كمصطلح السنة نظرًا لانتشاره الواسع في الخطاب السياسي والصحفي. ويعرّف القاموس "عصر ما بعد الحقيقة" بـ"سياق تتراجع فيه تأثير الوقائع الموضوعية لصالح المشاعر والأهواء والقناعات الشخصية، ففي عصر ما بعد الحقيقة تختار الناس ما تريد من الوقائع لتبني عليها قناعات وآراء". والمصطلح أطلقه الباحث رالف كييس (Ralph Keyes) في كتابه "عصر ما بعد الحقيقة: التضليل والخداع في الحياة المعاصرة" (The Post-Truth Era: Dishonesty and Deception in Contemporary Life).

يرتبط "عصر ما بعد الحقيقة" بتنامي الأخبار الكاذبة التي أصبحت تمثل مشغلًا أساسيًا في المجتمعات الديمقراطية باعتبارها عاملًا مفسدًا للحياة السياسية

ويرتبط "عصر ما بعد الحقيقة" بتنامي الأخبار الكاذبة والتضليل (Désinformation) التي أصبحت تمثل مشغلًا أساسيًا في المجتمعات الديمقراطية باعتبارها عاملًا مفسدًا للحياة السياسية بما أنها آلية لحملات التضليل والتلاعب بآراء الناس وبقدرتهم على إدراك الواقع وفهمه. ويحيل المصطلح في سياقه الأوروبي والأمريكي على قدرة بعض الفاعلين السياسيين أو الحركات الاجتماعية في مجالات بعينها على استدعاء "وقائع بديلة" (Alternative Facts) عن الوقائع المتداولة في الميديا التقليدية عن الحياة السياسية أو التي أثبتها العلم.

ففي الولايات المتحدة وأوروبا مثلًا، ثمة تيارات تسعى إلى التشكيك في نظريات بعينها على غرار كروية الأرض أو فوائد التلقيح. أما في السياسة، تعمل حركات اليمين المتطرف على إنتاج أخبار بديلة عن الأخبار التي تروجها الصحافة خاصة في مجال الأخبار المتعلقة بالمهاجرين. في هذا الإطار، تطورت ما يسمّى الأخبار البديلة (Re information) التي تتمثل في كوكبة من المواقع الإخبارية يديرها اليمين المتطرف وظيفتها إنتاج أخبار بديلة عن تلك التي تنتجها الصحافة.

اقرأ/ي أيضًا: "كيف سننتخب؟": كيف يمكن أن تؤثر الصحافة والميديا في الانتخابات المقبلة؟ (4/4)

الاستقطاب السياسي والصراع حول الوقائع

تساهم الميديا الاجتماعية في سياق تنامي الاستقطاب السياسي في تعزيز فكرة أن الميديا والصحافة مرتبطة بالمصالح الاقتصادية والسياسية وأنها لا تظهر إلا جزءًا ما من الواقع أو أنها تتستر عن أحداث ووقائع. ومن هذا المنظور، يحيل "عصر ما بعد الحقيقة" على تنامي الاعتقاد أيضا في أن هناك قوى خفية تحكم العالم.  

يختلف الباحثون في فهم ما يسمّى "نظرية المؤامرة" حتى أن البعض منهم يرفض هذا المصطلح الذي قد ينفي إمكانية المؤامرة بما أنها يمكن أن تكون ممكنة فعلًا، مفضلًا عليه مصطلح "الذهنية المؤامراتية" الذي يتمثل في طريقة دائمة في النظر إلى الأحداث على أنها لا تأتي صدفة بما أنها من تخطيط قوى خفية، ما يعني أن ما نراه من الأحداث ليس سوى مظهرًا خارجيًا لمخططات أو لقوى خفية لا نراها رغم وجودها الفعلي.

إن ظواهر التضليل (Désinformation) ونظرية المؤامرة والدعاية والإشاعات ليست جديدة ولكنها أخذت أبعادًا جديدة في سياق التنامي المزدوج للميديا الاجتماعية والاستقطاب الإيديولوجي والسياسي. يفسّر المفكر الأمريكي دافيد بلاكنهرون (David Blankenhorn) تنامي الاستقطاب السياسي في المجتمع الأمريكي بانقسام المجتمع نفسه حول القضايا الدينية والعرقية والإثنية والصراعات السياسية بين الديمقراطيين والجمهوريين والفصل الاجتماعي بين الفئات المختلفة وانعزال البعض في أحياء منسجمة عرقيًا واجتماعيًا. كما يشير إلى تراجع الصحافة الجيدة، صحافة التحقيق والتحري، لصالح صحافة الإثارة والمشهد إضافة إلى تأثير الميديا الاجتماعية التي تساهم في تعزيز انعزال الناس داخل فضاءات لا يقبلون فيها التنوع فيتحول الآخر المختلف إلى كائن خطير.

شهدت تونس ظاهرة الاستقطاب السياسي والإيديولوجي منذ الثورة في سياق النقاش حول الدستور الذي تحول إلى صراع سياسي بين "الحداثيين" و"المحافظين الإسلاميين"

شهدت تونس بدورها ظاهرة الاستقطاب السياسي والإيديولوجي منذ الثورة في سياق النقاش حول الدستور الذي تحول إلى صراع سياسي بين "الحداثيين" من جهة أولى و"المحافظين الإسلاميين" من جهة ثانية: معسكران متضادان ومتعارضان يرفضان بعضهم البعض، يرى كل واحد منهما الآخر كخطر على البلاد وعلى هويتها وتاريخها ومصالحها ومستقبلها وحاجزًا يجب التخلص منه لأنه لا يعبّر عن أصالة البلاد أي عن تونس.

في هذا السياق، ازدهرت في الفيسبوك الخطابات التي تقسم التونسيين إلي معسكرين لا يقبلان يبعضهما البعض. وتحوّل الاستقطاب إلى مشهد يومي في البرامج الحوارية في القنوات التلفزيونية وفي البرلمان حيث يتخاصم السياسيون (خاصة في المجلس الوطني التأسيسي) وفي الفيسبوك حيث يتبادل بعض التونسيين الشتائم الأيديولوجية والسياسية. هكذا أتاح الاستقطاب السياسي كل مظاهر "عصر ما بعد الحقيقة": الأخبار الكاذبة وانخراط بعض التونسيين في حملات التضليل واختلاق الوقائع البديلة والتشكيك فيما تنشره الميديا أو المؤسسات الرسمية وازدهار الذهنية المؤامراتية لدى قطاعات لا بأس لها من التونسيين.

اقرأ/ي أيضًا: "كيف سننتخب؟": كيف يهدّد الفيسبوك مسار انتخابات 2019 في تونس؟ (4/3)

 يمكن أن  نرسم ملمح "عصر ما بعد الحقيقة" في تونس على النحو التالي: يعيش بعض التونسيين في بيئات ذهنية تجعلهم يؤمنون بأحداث ما وقعت فعلًا رغم أن الميديا لم تبثها ورغم غياب الدلائل الموضوعية عن وجودها أو أنهم ينتقون بعض الوقائع (بالتهويل أو التهوين) لدعم رؤيتهم للأحداث. مثال القول إن "تونس تعوم فوق أبار نفطية هائلة" وأن الحكومة تخفي ذلك عن التونسيين، وأنه يوجد "برنامج سري لإعادة الإرهابيين إلى تونس"، وتوجد "شخصيات خفية تتحكم في الساحة السياسية"، و"قوى دولية تصنع الإرهاب عندما تريد فتضغط على الزر عندما تشاء"، عدا عن الحديث عن مخططات خفية "لأسلمة البلاد" أو في المقابل "عصابة عملاء وخونة صنعهم المستعمر لاستغلال تونس بالوكالة..."، هكذا يقوم الاعتقاد في الحقائق-الوقائع البديلة على انتقاء الأخبار والمعطيات التي تتناسب مع التوجه الإيديولوجي والتي تسمح للفرد في عالم منسجم من الحقائق التي لا يرقى إليها الشك.

الهلع محرك الحقائق البديلة

ترتبط إذًا "الأخبار الكاذبة" و"والوقائع البديلة" بظاهرة أعمق، فهي ليست لهوًا أو تعبيرات للجموع غير العقلانية. طوّر باحثان فرنسيان هما ريجيم ميريان (Régis Meyran) ولورنس دو كوك (Laurence de Cock) مفهوم "الهلع الهوياتي" (La panique identitaire) الذي يدفع بجماعة اجتماعية ما إلى الشعور الحاد بأن هويتهم (المتخيّلة) تتعرض إلى أخطار عظيمة فيصيح الآخرون الذي يمثلون هذا الخطر موضع اشمئزاز (تمامًا كما ينظر البعض من الحداثيين إلى الإسلاميين والعكس كذلك صحيح) وحاجزًا أمام  استمرار الهوية الأصلية والحقيقية.

وينتج عن هذا الهلع الهوياتي ما يسميه الباحثان "المونولوج الهوياتي" (Le monologue  identitaire). وقد استمد الباحثان هذا المفهوم من مفهوم آخر طوره الباحث الأمريكي ستانلي كوهين (Stanley Cohen) وهو "الهلع المعنوي" (Moral panic) أي انشغال الناس أو جماعة اجتماعية بقضية ما تدفع إلى النظر إلى جماعة اجتماعية أخرى أو إلى سلوكها باعتباره مصدر خطر على المجتمع وعلى قيمه، وعدوًا محضًا وشرًا خالصًا ويتم تضخيم هذا الخطر فتنشأ حالة من الهلع تنتاب الناس.

طوّر باحثان فرنسيان مفهوم الهلع الهوياتي الذي يدفع بجماعة اجتماعية ما إلى الشعور الحاد بأن هويتهم المتخيّلة تتعرض إلى أخطار عظيمة فيصبح الآخرون المختلفون موضع اشمئزاز

هكذا تتحول أحداث بعينها محلّية إلى مؤشر على أخطار عظيمة تتهدد تونس وهويتها أو يتم تأويلها على هذا النحو على غرار قضية الطفل الذي قبّل زميلته في المعهد أو قضية  الشاب التونسي المهاجر الذي مسكته الشرطة مع صديقة له في سيارة. "يشتعل الفايسبوك"، كما تقول الصحافة، بمثل هذه القضايا التي تنتقل إلى المواقع الإخبارية و إلى البرامج الحوارية على وجه الخصوص حيث يعمل المعلقون على تحويل القضية إلى "مشكل عام" أو "قضية رأي عام" يستدعي كل أنواع المشاعر كالخوف والغضب والحنق والسخط ثم يتراجع الاهتمام بالمشكل إلى حين ظهور مشكل آخر يشغل الناس بالطريقة ذاتها.

تتحول أحيانًا هذه الأحداث إلى مواجهات رمزية بين فريقين، يرى الأول أن تونس تحولت إلى "سجن كبير تحكمه دكتاتورية الأخلاق" في حين يرى فريق آخر "أن الأخلاق العامة مهددة" وأن البلاد مهددة بانهيار أخلاقي، بل تنظر الفئتان إلى بعضهما البعض أحيانًا باعتبار الطرف المقابل امتدادًا لقوى خارجية: امتداد للفرنكوفونية وفرنسا والغرب "المتآمر على البلاد" أو امتداد للوهابية والظلامية.

كيف تساهم الميديا في حالات الهلع الهوياتي والمعنوي؟

تساهم الميديا في تغذية حالة الهلع المعنوي والهوياتي لأنها تقوم بتنظيم مواجهات مثيرة ومشهدية بين فريقين متضادين متصارعين أو أنها تستعيد ما يتداول في الميديا الاجتماعية من صراعات أو أحداث. في هذا الإطار، تتحدث الباحثة الفرنسية ديفينا فراو ميغس (Divina Frau Meigs) عن حالات فزع خاصة بالميديا تسميها "الهلع الإعلامي" (Les paniques médiatiques).

اقرأ/ي أيضًا: "كيف سننتخب؟": استطلاعات الرأي.. مرآة "الرأي العام" أو آلية لصناعته؟ (4/2)

وتمثل مرحلة الانتقال الديمقراطي سياقًا مناسبًا لكل أنواع حالات الهلع المعنوي والهوياتي خاصة المرتبط بالميديا. وقد لاحظنا منذ الأيام الأولى لسقوط النظام السابق تواتر هذه الحالات من الهلع التي تعاظمت بتنامي الأحداث الإرهابية والأزمة الاقتصادية والاجتماعية (شبح إفلاس الدولة وعدم خلاص الأجور) والصراعات حول الدستور والجدل حول الميراث والحريات أو بنقص المواد الغذائية وبإضرابات قطاع المحروقات.  

فالانتقال الديمقراطي هو حالة استثنائية تتميز باندثار النظام السياسي ومؤسساته، مرحلة تتسم بالمجهول وبالشعور العميق لدى فئات مختلفة من المجتمع بالخطر المرتبط بالتغيير: الخطر على الهوية والإسلام، والخطر من إعادة النظر في مكاسب المرأة والحريات الفردية، وخطر "النقابيين على المدرسة العمومية"، وحالات الاغتصاب، وانتشار المخدرات وهجرة الكفاءات إلخ. وينشأ عن هذه الحالات الشعور بالفوضى العارمة في البرلمان، والملاعب، والطرقات، والمستشفيات إلخ.

تمثل مرحلة الانتقال الديمقراطي سياقًا مناسبًا لكل أنواع حالات الهلع المعنوي والهوياتي خاصة المرتبط بالميديا

لكن الهلع لا ينشأ فقط بطريقة "عفوية" كتعبير عن حالة القلق بل يمكن أن يغذيه أيضًا السياسيون. ولعلّ أحسن مثال على الاستثمار في الهلع ما قام به نائب في البرلمان في شهر ديسمبر/كانون الأول 2018 عندنا أعلن أن شهر جانفي/كانون الثاني، الذي يعرف منذ السبعينيات احتجاجات شعبية، سيكون شهر الفوضى العارمة عندما تنتشر "أعمال العنف والتخريب والعصيان... دم يسيل ثم فوضى عارمة، منظومة تهتزّ ثم نظام يسقط... هذا ما تخطط له الغرف المظلمة".

يستخدم هنا الهلع كوسيلة لدى مستعملها من أجل تعبئة الناس عبر تجنيد الصحافة الشغوفة بمثل هذه التصريحات والتي تتحول دون دراية إلى آلية أساسية في استراتيجية نشر الهلع. تقوم الميديا بإعادة نشر مثل هذه المضامين وتنقل تصريحات السياسيين أو تكذيب المؤسسات الرسمية، دون أن تقوم الصحافة بالتحري فيها حتّى يحصل التونسيون على معرفة أصيلة وذات مصداقية تسمح للتونسيين بالتأكد من الوقائع، ثم يلف النسيان القضية لكن ذلك يساهم في تعزيز إحساس الناس بـ"الفوضى العارمة".

قلصّ، في الأثناء، تراجع الاستقطاب السياسي، بعد التوافق بين ما يسمّى الحداثيين والإسلاميين، من حالات "الهلع الهوياتي" حول الإسلام والهوية والحريات ومكاسب المرأة (رغم بعض الأحداث التي تبين أن هذا "الهلع الهوياتي" لا يزال كامنًا على غرار الخبر الكاذب المتصل بوقفة احتجاجية لمجموعة من النساء تطالب بتعدد الزوجات) وذلك لصالح تنامي "الهلع المعنوي" المرتبط بقضايا اجتماعية ولعل أهمها حالات الاغتصاب.

ينتشر الهلع المعنوي كالوباء بسبب ما يتيحه الفيسبوك من إمكانات التعبير وتقاسم المضامين، وتوجد قضايا بعينها تساهم في تعزيز هذا الهلع على غرار اغتصاب عجوز في مدينة القيروان فيشعر الناس أن حالة ما كارثية بصدد التشكل.

وتمثل قضية الشيخ المسن المتهم باغتصاب فتاة في مدينة منوبة حالة نموذجية لمكانة المشاعر في تشكيل العلاقة بفهم الأحداث. تتواتر أخبار عن القضية في الفيسبوك وفي الصحافة في الوقت ذاته تقريبًا، فنقرأ في الصحف عن حادثة اغتصاب طفلة الـ10 سنوات من قبل كهل بمنطقة واد الليل من ولاية منوبة ليلة رأس السنة الميلادية ما يلقي صدمة لدى الرأي العام التونسي الذي يطالب بـ"إعدام الجاني حماية للطفولة من هؤلاء المجرمين".

قلصّ تراجع الاستقطاب السياسي من حالات "الهلع الهوياتي" حول الإسلام والهوية والحريات ومكاسب المرأة وذلك لصالح تنامي "الهلع المعنوي" المرتبط بقضايا اجتماعية ولعل أهمها الاغتصاب

تتواتر الأخبار ويتحول مستخدمو الفيسبوك إلى محققين يبحثون في تاريخ الرجل المتهم بالاغتصاب وينقبون في صفحته على الفيبسبوك ويحللون شخصيته وتناقضاته. تُنشر صورته في مجموعات عديدة في الفيسبوك وتثير تعليقات عنيفة بعضها طالب بقتله، في حين يصفه آخرون بـ"الحيوان والخنزير". بعد أيام، يتم القبض على "المجرم الحقيقي" بعد أن تحول المشتبه فيه الأول إلى "عدو المجتمع" بامتياز تمامًا كالعديد من الشخصيات الأخرى السياسية على وجه الخصوص التي تختزل الشر لدى قطاعات من التونسيين فيصبحون موضوعًا لمشاعر السخط والغضب والاشمئزاز وموضوعًا يتمثلون من خلاله الأحداث على غرار القيادي النقابي الذي تحول عند بعض التونسيين إلى "شر محض بالنسبة إلى التعليم" أو بشرى بالحاج حميدة التي تصبح رمز "الاعتداء على القرآن". هكذا يُستبدل النقاش في الوقائع بنزاع المشاعر المنفلتة حول الشخصيات (المنصف المرزوقي، بشرى بن حاج حميدة، سهام بن سدرين، راشد الغنوشي إلخ).

 وفي هذا الإطار، ترتبط حالة الهلع بطبيعة النظام الديمقراطي نفسه لأن الدولة في المجتمع السلطوي تسيطر على الميديا التقليدية وتمارس الرقابة على الميديا الاجتماعية ولا تسمح بظهور السرديات المنافسة للسردية الرسمية أي بمعنى آخر للحقيقة التي تروجها على أنها التأويل الوحيد الممكن للأحداث والوقائع.

أمّا في المجتمع التونسي التي فقدت فيه السلطة السياسية القدرة على فرض سردية واحدة للوقائع والأحداث، وبسبب الميديا الاجتماعية وحالة الاستقطاب الإيديولوجي والسياسي، أصبح التونسيون لا يختلفون فقط في تأويل الأحداث بل يختلفون أيضًا حول توصيف الوقائع نفسها، أي بمعنى آخر فإن كل فرد أو كل فئة اجتماعية أو إيديولوجية يمكن أن ينظر إلى العالم وفق السردية الخاصة به ويعبر عنها بواسطة مشاعر متنوعة يعبر عنها بلا كابح وتتحول سرديات الآخرين بل الوقائع الموضوعية أيضا إلى هراء (Bullshit).

وليس هذا التحول خاصًا بالمجتمع التونسي بل هو يخص كل المجتمعات الديمقراطية التي تراجع فيها وفق الباحث السويسري سيباستيان دياقاز(Sebastian Dieguez) التمييز بين ما هو حقيقي وبين ما هو كاذب ومزيف بل أيضًا تنامت اللامبالاة إزاء مبدأ الحقيقة ذاته.

 

اقرأ/ي أيضًا:

الأخبار الكاذبة Fake News.. خطر يهدّد انتخابات 2019

في أزمة الصحافة التونسية أو احتضارها..