الدّورة الأولى لأيّام قرطاج لفنون العرائس.. انتصار آخر لأحلام الآباء المؤسّسين

الدّورة الأولى لأيّام قرطاج لفنون العرائس.. انتصار آخر لأحلام الآباء المؤسّسين

782 مشاهدة
تنتظم أنشطة الدورة الأولى لأيام قرطاج لفنون المسرح على مدى الأسبوع الأخير لشهر سبتمبر 2018

 

علاقة غالبية التونسيين بفنّ المسرح كعلاقتهم بالكتاب والسينما وعدة فنون أخرى، علاقة مشوبة بالمزاجية والانطباعية وبعض الحذر، وذلك بالرغم من عراقة هذا الفنّ في تونس. فهم لا يذهبون للمسرح إلا لمامًا وفي مرات نادرة.

وفي قراءة نفسية لطبيعة هذه العلاقة، تحدث ذات مرّة الناقد المسرحي التونسي أحمد حاذق العرف أنّ المسرح هو فعل تعرية وكشف وحفر في الواقع الاجتماعي وشكل العلاقات الإنسانية، لكنّ التونسي يتجنب كل هذا ولا يريد الوقوف امام مرآة حقيقته من خلال فنّ المسرح ومواجهة قبحه وبشاعته والبحث في خبايا نفسه عن رواسب الجمال المهمل فيلتقطه ويحوله إلى سلوك يومي.

علاقة التونسيين بفن المسرح هي علاقة مشوبة بالمزاجية والانطباعية وبعض الحذر، وذلك بالرغم من عراقة هذا الفنّ في تونس

هذا في علاقته بالمسرح عمومًا فما بالك بتفريعة مسرح العرائس أو كما يسميه العرائسي التونسي الكبير عبد المجيد سعد بـ"مسرح الأحلام". فإلى حد قريب يعتقد أغلب التونسيين أن مسرح العرائس هو موجه للأطفال فقط في حين أنه مسرح موجه لجميع الشرائح والأعمار.

اقرأ/ي أيضًا: الفنان التونسي المغترب عبد المجيد بن سعد: يجوب سماءات مسرح الطفل وفي جيبه موجة

مساء السبت 22 سبتمبر/أيلول 2018 وفي حركة سيزيفية تتسم بالشجاعة، وضمن سعي تونس لا مبالية بطبيعة تلك العلاقة من أجل تكريس الفعل المسرحي وتأكيده كأب للفنون وكمغيّر للأحوال وكمؤرخ للحضارات، تم افتتاح تظاهرة أيام قرطاج لفنون العرائس والتي تتواصل إلى نهاية شهر سبتمبر/أيلول 2018.

يبدو أن قدر مسرح العرائس في تونس رهين إرادات صغيرة لمسرحيين أفذاذ آمنوا بعقيدة هذا الفن أو مسؤولين سياسيين لهم حساباتهم الخاصة. فعندما نعود إلى الذاكرة وتحديدًا إلى نهاية الستينيات والسبعينيات من القرن الماضي، نجد أن مجموعة من المسرحيين التونسيين منهم رشّاد المناعي ومحيي الدين بن عبد الله وحبيبة الجندوبي والمنصف بالحاج يحيى وحسن المؤذن وعبد الحق خمير والفاضل الجزيري ركبوا موجة فن العرائس وكانوا آباءً حقيقيين مؤسسين، فجربوا وأنتجوا بعض الأعمال الخالدة نذكر منها "خلق العالم" و"نمرود". وقد تًوج هذا المسار بتأسيس المركز الوطني لفنّ العرائس سنة 1993.

يوصف مسرح العرائس بأنه مسرح الأحلام

وذات هذا المسار لا يزال متواصلًا من خلال نفس الإرادات تقريًبا، وذلك بتأسيس أيام قرطاج لفنون العرائس من رحم نفس ذاك الإيمان الأول من مجموعة الجيل الثاني والثالث للعرائسيين التونسيين وبعض المخضرمين، تتقدمهم مديرة هذه الدورة الأولى العرائسية حبيبة الجندوبي. فقد هندست هذه المجموعة للتظاهرة رغبة في التأصيل ولمزيد تتويج المسار.

حاولت أيام قرطاج لفنون العرائس في يوم الافتتاح إعلاء صوتها بفيض من الأنشطة الشوارعية، انطلق بعضها بشارع الحبيب بورقيبة والبعض الآخر عمّر شارع محمد الخامس لتستقر جميعها أمام مدينة الثقافة، هذا الفضاء الحالومي الذي لم يتدرب التونسيون على دخوله الى حد الآن.

افتتاح أيام قرطاج لفنون العرائس في مدينة الثقافة (وزارة الثقافة)

وفي قراءة لما تم تقديمه في هذه الفضاءات المفتوحة، طغت الروح الكرنفالية كنوع من الجذب والاعلان ولإضفاء متع لونية على الحياة اليومية للتونسيين. أما داخل الحيّ الثقافي أو مدينة الثقافة، فقد فُسح المجال واسعًا للعائلة العرائسية التونسية والضيوف الأجانب القادمين من إيطاليا وبلجيكا ومصر ومالي وألبانيا وكوريا الجنوبية وفرنسا.

وبدا بذلك المركز الوطني لفنّ العرائس مبتهجًا، ومنفعلًا وضاجًا بالحركة والحياة العرائسية. معارض في كل مكان تروي المسيرة الخالدة لفن العرائس بتونس، وهذه العرائس تكاد أن تربّت على كتفك وتحادثك وتزيح عنك الشجن والتعب، كم هو جميل هذا العالم وكم هو فلسفي حينما يتخارج منّا ليقولنا، وليشفينا وأيضًا ليطهّرنا.

اقرأ/ي أيضًا: أول دورة لأيام قرطاج للفن المعاصر.. العائلة التشكيلية تنهض من تحت الرماد

احتضنت قاعة مسرح الجهات العرض الافتتاحي، وبعد الديباجات الرسمية، أبهج الفنان العرائسي عياد بن معاقل الحضور بوصلة "عازف الكمان"، وهي ماريونات تعزف وتتحرك بخفة فوق الركح وتلوّح للحضور وتحييهم.

كما واكب جمهور غفير مسرحية عرائسية للكبار من إيطاليا عنوانها "صوفيا أملديليو" قدمها المخرج فابيو أمودي. هذا العرض هو حكاية حلم، حلم الإنسان بعالم أفضل مليء بالموسيقى والرقص والإخاء والمحبة، لكن الواقع مزدحم بالشرور والأذية والقسوة. هذا هو محور المسرحية وقد نفذها مجموعة من الممثلين المقتدرين ممّن يحسنون تحريك العرائس وتطبيق الكوريغرافيا والتناغم مع إضاءة المسرحية التي بدت هي عنصر قوة هذا العمل المدروس.

من العرض الافتتاحي لأيام قرطاج لفنون العرائس

مسرح العرائس هو التفريعة الوحيدة من عالم المسرح الفسيح التي تسمح للمتفرج بالحلم وركوب جناح فراشة والارتحال إلى عوالم الفلسفة المرحة. جعلنا العرض الإيطالى نهتز بالموسيقى والرقص واللباس والإضاءة البارعة، لكنه أيضًا حملنا على شيء من التفكير ومساءلة النفس تجاه ما يحدث في محيطنا وبين جنباتنا.

أيام قرطاج لفنون العرائس متواصلة لمدة أسبوع كامل وستمنح متابعيها 33 عرضًا منها أربعة عروض للكبار و12 عرضًا لكل الشرائح و17 عرضًا للأطفال

أيام قرطاج لفنون العرائس متواصلة لمدة أسبوع كامل وستمنح متابعيها 33 عرضًا منها أربعة عروض للكبار و12 عرضًا لكل الشرائح و17 عرضًا للأطفال. كما ستكرمّ ثلاثة أقطاب من الجيل المؤسس لمسرح العرائس بتونس وهم الراحل المنصف بالحاج يحى وعبد الحق خمير وسمير بسباس.

إن هذا الحدث الثقافي الذي انبعث بميزانية شحيحة لا تتعدى الـ400 مائة ألف دينار رصدتها وزارة الشؤون الثقافية، نراه محفوفًا بل مغمورًا بمحبة وارفة الظلّال وجهد منحوت في صخرة التاريخ من قبل العائلة العرائسية التونسية. إذ يبدو أن المسار لم يكتمل ورحلة التضحيات الفردية لا تزالمستمرة.        

 

اقرأ/ي أيضًا:

النّحات حافظ المساهلي: السياسة الثّقافية في تونس لم تتغيّر وأنا أباغت جماليًا

الفنان التشكيلي لمجد النّوري: الحروفية أعادت الرّوح لسبّورات المدارس (حوار)