10-ديسمبر-2018

افتتاح فعاليات المهرجان بعرض المسرحية الفلسطينية "مروح ع فلسطين"

لم يكن ميلاد أيّام قرطاج المسرحيّة، التي تحتفي تونس هذه السنة بمرور 35 سنة على تأسيسها، هينًا وطبيعيًا ضمن سياق سياسي واجتماعي مشوب بالتوتر حينها، إذ كان الشعب التونسي على عتبات انتفاضة الخبز، فيما كان الصراع في أروقة الحكم على خلافة الرئيس الحبيب بورقيبة على أشدّه وضاريًا في بعض الأحيان.

لم تكن الثقافة زمن تأسيس أيام قرطاج المسرحية من الهواجس الأساسية للسياسيين، ولم يكن آنذاك وزير الثقافة البشير بن سلامة يقف على أرض صلبة وثابتة، فوجهه ونظارته على شبه واضح بالزعيم الراحل صالح بن يوسف ما جعل بورقيبة لا يحبذه ولا يريد الالتقاء به، وهو ما أكّده الوزير الأول الراحل محمد مزالي في مذكراته.

تأسست أيام قرطاج المسرحية سنة 1983 في سياق سياسي واجتماعي مضطرب وقد طرحت أسئلة حول دور المسرح في التغيير وصناعة الذوق

لكن انبعثت هذه التظاهرة الثقافية على يد مسرحيين تونسيين عتاة يتقدمهم الراحل المنصف السويسي الذي يعتبر الأب الروحي لهذا المهرجان، انبعثت على يد روّاد يؤمنون بأن المسرح هو نحت في صخرة الحقيقة، واستنبات للذات من وعورة الحياة وشدّتها.

وُلدت أيام قرطاج المسرحية بذلك سنة 1983 تحت شمس حارقة بلا إجماع حول جدوى حضورها وبلا سند رسمي منذ البداية، وقد طرحت أسئلة حارقة حول دور فن المسرح في التغيير الاجتماعي، والتنمية وصناعة الذوق، لكن يبدو أن هذه الأسئلة ظلت عالقة إلى الآن رغم سريان الزمن.

اقرأ/ي أيضًا: ستقدم أكثر من 150 عملًا.. تفاصيل الدورة 20 لأيام قرطاج المسرحية

مثّل هذا الحدث الثقافي الطارئ على الساحة الثقافية في الثمانينيات بمثابة المظلة التي تجمعت تحتها الأسرة المسرحية التونسية وخاصة رموز الفرقة المسرحية بالكاف، وفرقة مسرح الجنوب بقفصة، وفرقة بلدية تونس وفرقة المغرب العربي، و"المسرح الجديد" فيما بعد.

وقد التفت حولها النخب الثقافية التونسية إيمانًا منها بأنّ المسرح هو فنّ يشبه المعول الذي يقلّب في الأرض البور، هي أرض المجتمع فيغير من لونها ورائحتها وشكلها. والمسرح كما تفهمه هذه النخب هو فعل فلسفي وفكري وجمالي يحاور الوجود ويفهمنا معنى الحياة وجدواها، لذلك جاءت أيام قرطاج المسرحية على شاكلة مغايرة لبقية المهرجانات العربية والإفريقية، فتحولت إلى مفردة ثقافية بسمات تونسية.

 انبعثت أيام قرطاج المسرحية على يد مسرحيين تونسيين عتاة يتقدمهم الراحل المنصف السويسي الذي يعتبر الأب الروحي لهذا المهرجان

احتضن شارع الحبيب بورقيبة السبت 7 ديسمبر/كانون الأول 2018 فعاليات حفل الافتتاح، كانت السماء ترذّ رذاذًا متقطعًا، وكانت الحركة تشي بالحدث: موسيقى، وكرنفاليات صغيرة، وخيام تبذر قصص فعل المسرح بين المارة.

وللمرة الأولى احتضنت قاعة الأوبرا، كبرى قاعات مدينة الثقافة، حفل افتتاح الدورة العشرين لأيام قرطاج المسرحية، ولأول مرة أيضًا ومنذ ما يقارب الأربعة عقود تنطفئ أضواء المسرح البلدي بالعاصمة تونس ولا يحتضن حفل الافتتاح كما جرت العادة، وكان قد ساهم هذا المسرح المعلم لأكثر من قرن في الحركة المسرحية التونسية.

"أحب المسرح" وسؤال الجهات الذي ظل بلا إجابة

كان شباب نوادي المسرح، على مدرجات بوابة المدينة، في أبهى زينته وأزهى لباسه في استقبال الجمهور والضيوف، كان لمعان العيون أعتى من الأضواء الزاهية على أسوار المدينة.

أما ساحة المسارح بمدينة الثقافة، فكانت فناءً لسرد قصة المسرح داخل أزمنة المهرجان منذ تأسيسه إلى اليوم بطريقة "الفداوي" (الحكواتي) أمّنها المخرج المسرحي عبد الواحد مبروك بعنوان "أحب المسرح". كانت عملية حكي تتخللها لوحات كوريغرافية رمزية يمتزج فيها الغناء بالعزف والرقص ولعبة الأقنعة، وقد شارك فيها 77 عنصرًا.

من عروض افتتاح أيام قرطاج المسرحية

قدم هذا الجزء من الافتتاح من جهة الساحلين، من ولاية المنستير، وهو يترجم بشكل من الأشكال مدى انفتاح المهرجان على الجهات، وهي قصة محل اختلاف ونقاش أبى الانتهاء، لأن هذه التظاهرة لم يقع حسمها قانونيًا. وظل سؤال الجهات مفتوحًا، وبقيت الإجابات رهينة تصورات الهيئات المديرة المتعاقبة والحال أن الجهات الداخلية التونسية كانت ولازالت معينًا لا ينضب للحركة المسرحية ولأيام قرطاج المسرحية نفسها.

اقرأ/ي أيضًا: علي بن عياد.. أسطورة المسرح التونسي

المسرحي رؤوف بن عمر: نجحنا حيث فشل أهل السياسة

رفعت أيام قرطاج المسرحية في دورتها العشرين شعار "استنطاق ذاكرة المهرجان". وضمن هذا السياق التّذكري، أعادنا حفل الافتتاح إلى لحظات خالدة من تاريخ المهرجان ومن تاريخ المسرح التونسي وإلى رجال المسرح الذين رحلوا وما رحلوا، ومنهم أحمد معاوية، وحاتم بالرابح، والمنصف الازعر، وخديجة السويسي، وفتحي النغموشي، وخديجة بن عرفة.

لكن تبقى مداخلة الفنان القدير رؤوف بن عمر هي الأعمق بحديثه عن طفولته، وعن تعلقه بالمسرح وانضمامه لفرقة بلدية تونس، ونجومية أب المسرح التونسي علي بن عيّاد. وقد أشار بن عمر بطريقة ذكية لعلاقة المسرح بالسياسة وخاصة عند تأسيس فرقة مسرح المغرب العربي التي جاءت تفاعلًا مع تأسيس إتحاد دول المغرب العربي، حيث قال: "نجحنا حيث فشل أهل السياسة".

المسرحي رؤوف بن عمر

عرض "مروح ع فلسطين": الكوميديا السوداء

اختارت الدورة العشرون الاحتفاء بالمسرح الفلسطيني باعتباره مسرحًا اختار نهج المقاومة والنضال عن حق شعب مسلوب منذ عشرات السنين، وكذلك الاحتفاء بالمسرح البوركيني الذي يمثل العمق الإفريقي حيث الخصوصيات الثقافية التي مازالت تحافظ على نقائها.

أيام قرطاج المسرحية تحتفي بالمسرح الفلسطيني والمسرح البوركيني كضيفيْ شرف في الدورة العشرين

وقُدّم، ضمن هذا الإطار الاحتفائي، عرض مسرحية "مروح ع فلسطين" التي صاغها الفنان نبيل الراعي وهي من إنتاج "مسرح الحرية" الفلسطيني حيث يلعب الأدوار الرئيسية ستة ممثلين على مساحة صغيرة لا تتجاوز الثلاثة أمتار في إشارة رمزية لتقلص مساحة الأراضي الفلسطينية التي تتآكل يومًا بعد يوم جراء الاستيطان الإسرائيلي.

تعرض المسرحية بأسلوب ساخر يشبه الكوميديا السوداء قصة شاب فلسطيني اسمه جاد المولود بالولايات المتحدة الامريكية، الذي قرر زيارة وطنه الأم فلسطين. يكتشف جاد حقيقة أخرى غير الحقيقة المروجة في التلفزيون، يكتشف الجدار العازل، والحواجز، وزحمة المخيمات، والأخطار الاجتماعية المتعددة المحدقة بالفلسطينيين. إذ تثير المسرحية في المتفرج ضحكًا ممزوجًا بالألم والمأساوية حول القضية الفلسطينية.

بدا حفل افتتاح أيام قرطاج المسرحية، بالنهاية وبكل مكوناته، انفجاريًا غير مترابط ومزدحم بعض الشيء، حتى أن المساحة الشعرية الفلسطينية المبرمجة في خاتمة الحفل والتي صاغها الشاعرين مريد وتميم البرغوثي تمّت تقريبًا بدون جمهور.

عرض "مروح ع فلسطين" في افتتاح أيام قرطاج المسرحية

 

اقرأ/ي أيضًا:

الفنان التونسي المغترب عبد المجيد بن سعد: يجوب سماءات مسرح الطفل وفي جيبه موجة

الدّورة الأولى لأيّام قرطاج لفنون العرائس.. انتصار آخر لأحلام الآباء المؤسّسين