"أيام قرطاج".. نحو ابتذال التسمية

853 مشاهدة
حضور جماهيري خلال الدورة 28 من أيام قرطاج السينمائية (فتحي بلعيد/ أ ف ب)

تسمية التظاهرات الثقافية الكبرى في العديد من بلدان العالم ليست اعتباطية أو متروكة للصدفة بل المسألة مدروسة وتراعى فيها الجوانب الحضارية الثقافية والسياسية والتجارية والفنية والسياحية. ويتم الترويج لها والإعلاء من شأنها، وفي ذلك فوائد عديدة تجنيها المجتمعات. وهناك تسميات شهيرة أصبحت بمثابة الأيقونات لبلدانها بل وواجهات رئيسية لثقافة ذاك المجتمع وغيره، فتظاهرة مثل "مهرجان كان السينمائي" باتت علامة فارقة في الثقافة الفرنسية وعنوانًا من عناوين فرنسا السياحية، أيضًا "مهرجان القاهرة السينمائي" هو الآخر من واجهات الثقافة المصرية،  "كرنفال ريودي جانيرو" بالبرازيل، "مهرجان أصيلة الثقافي" بالمغرب، "مهرجان القولدن قلوب أو الكرة الذهبية" بالولايات المتحدة الأمريكية، "مهرجان المربد الشعري" بالعراق.. كلها تسميات لتظاهرات كبيرة ورئيسية وواجهاتية، تعرّف ببلدانها وتبعث حركية ثقافية وفنية واقتصادية تنتعش من خلالها السياحة وبعض الاختصاصات التجارية.

ما حدث هو التناسل المدهش والغريب لتسمية أيام قرطاج السينمائية حيث تلتها تسمية " أيام قرطاج المسرحية " والموسيقية والشعرية..


عرض موسيقي على هامش الدورة 19 لأيام قرطاج المسرحية (فيسبوك)

أمجد التسميات تلاحقها التشقيقات

ونحن في تونس اخترنا لأنفسنا منذ سنة 1966 تسمية لحدث ثقافي هام باتت أمجد التسميات وهي " أيام قرطاج السينمائية ". هذه التسمية الأنيقة والرنّانة والبسيطة كزهرة برّية والمستلهمة من عمق التاريخ التونسي، شقّت الآفاق كأبرز حدث ثقافي تعيشه تونس وبات وجهة بارزة لكبار الفنانين والمثقفين العرب والأفارقة ومن العالم.

هذا الحدث هو واجهتنا الثقافية الأولى خاصة وأنه يدافع على حرية التفكير والرأي بواسطة جمالية الصورة السينمائية. هذا الحدث، هذه التسمية المهمة، عرّفت بتونس وبإرثها الثقافي وبكتّابها وفنانيها وتاريخها. لكن ما حدث هو التناسل المدهش والغريب لهذه التسمية حيث تلتها تسمية  "أيام قرطاج المسرحية" وأصبحت هي المنافس الأول للتسمية الأولى وخطفت من بريقها وألقها خاصة وأنها تأتي بالتداول مع "أيام قرطاج السينمائية" منذ بداية ثمانينيات القرن الماضي لتصبح موعدًا سنويًا بعد الثورة. وبدا التفريط تباعًا في مركزة التسمية من قبل وزارة الثقافة دونما تمحيص أو تفكير أو تدبّر بأن التسمية الأم ستبهت صورتها وتفسح جزءًا من صدارتها لصالح تظاهرات أخرى، فولدت تظاهرة " أيام قرطاج الموسيقية " وهي في الحقيقة تسمية بديلة لمهرجان الموسيقى التونسية، وآخرها " أيام قرطاج الشعرية "، وهي في اعتقادي تظاهرة هامة ورئيسية في المشهد الثقافي التونسي والعربي. لكنها ابتذلت التسمية الأولى، التسمية الأم.

اقرأ/ي أيضًا: مهرجان "أيام القصيد الذهبي".. الذهب للشعر لا للشعراء

الندوة الصحفية للإعلان عن أيام قرطاج الشعرية منذ أيام (فيسبوك)

فهذا التشقيق و التنويع ـ حتى وإن كان عفويًا وخال من القصدية ـ  أدّى إلى تعدد الصور في ذهن المتلقي التونسي وغيره فتتزاحم التسميات لديه إلى حد اللّخبطة. لقد كان حريًّا بوزارة الثقافة أن تدرس هذه التسميات وتطرحها للحوار والنقاش وثمة الاختيار بين أهل الذكر وأهل الاختصاص لا أن تفرط إلى حدّ الابتذال في تسمية ذهبية وهي " أيّام قرطاج".

جعلنا من  تسمية "أيام قرطاج" غطاء نمطته كلما رمنا بعث تظاهرة جديدة

هذا التركيز على تسمية بعينها لا نجد له شبيهًا في ثقافات أخرى إذ كل حدث أو تظاهرة ثقافية لها خصوصياتها التي تجعل منها عنوانًا لا يستقيم مع غيرها، إلا في تونس جعلنا من تلك التسمية غطاء نمطته كلما رمنا بعث تظاهرة جديدة، فتسمية "أيام قرطاج الشعرية" فيها نوع من الارتجال وسوء التقدير.

لقد كان من الممكن إطلاق تسمية جديدة، فيها علاقة بالهويّة الثقافية التونسية، خاصة أن تونس هي أرض شعر وجدير بها هذا الحدث.

 

اقرأ/ي أيضًا:

"أيام قرطاج".. مسرح حقوق الإنسان

أيام قرطاج السينمائية قريبًا.. بعد عربي، حضور تونسي وانفتاح على سينما الجنوب