15-ديسمبر-2018

احتضنت دار الثقافة المغاربية ابن خلدون من 10 إلى 15 ديسمبر 2018 أيام قرطاج المسرحية السجنية (رمزي العياري/ الترا تونس)

وحده الفيلسوف الفرنسي "ميشال فوكو" في كتابه "المراقبة والمعاقبة: ولادة السجن" من أنار سبيلنا فكريًا وفلسفيًا بخصوص "المؤسسة السجنية" باعتبارها مؤسسة مجتمعية رادعة، تنهض بأدوار وقائية لصالح الأغلبية. فهو ينتقدها ويفكك حضورها وسلوكها الختالي.

يقول فوكو في هذا الصدد في "المراقبة والمعاقبة" إن "التبدّي الأكثر خفّة للسجن هو استخدامه لسلطة العقل إذ بها يتحقق إخضاع الأجساد من خلال السيطرة على العقول واستعمال القواعد القانونية التي تقدم تعريفًا للجرائم  والأخطاء وتحدد سلّم العقوبات والمكلفين من الهرم البيروقراطي بتنفيذ تلك العقوبات، لكن مع تغوّل السلطة يصبح جسد المخطئ لا يكفي لردعه وهزيمته بالكامل بل يجب تحطيمه تحطيمًا جسديًا ونفسيًا وشعوريًا كي يتحقق هذا الرابط بين مفهومي المراقبة والمعاقبة".

احتضنت دار الثقافة المغاربية ابن خلدون من 10 إلى 15 ديسمبر 2018 أيام قرطاج المسرحية السجنية وهي عروض مسرحية أعدها المساجين وقدموها

لقد استحضرتُ " فوكو " وأنا أهمّ بالكتابة عن "أيام قرطاج المسرحية السجنية " التي احتضنتها دار الثقافة المغاربية ابن خلدون من 10 الى 15 ديسمبر/ كانون الأول 2018، في إطار فعاليات الدورة 20 لمهرجان أيّام قرطاج المسرحية والتي تقام بالشراكة مع الإدارة العامة للسجون والإصلاح التابعة لوزارة العدل، حيث تابع جمهور الأيام وخاصة أهالي المساجين الذين حضروا بكثافة خمسة عروض مسرحية تمّ إنتاجها بأشهر السجون التونسية. وهذه المسرحيات هي "الدّبو" من سجن برج الرومي ببنزرت و" داموس 34 " من سجن الهوارب بالقيروان و"البرباشة " من سجن المهدية و" الرّجة " من سجن قفصة و" ذئب الشمال " من مركز إصلاح الأطفال الجانحين بسيدي الهاني بسوسة. وقد وصل عدد الممثلين في جميع المسرحيات المذكورة إلى 40 ممثلًا سجينًا.

اقرأ/ي أيضًا: ستقدم أكثر من 150 عملًا.. تفاصيل الدورة 20 لأيام قرطاج المسرحية

"الترا تونس" قصد دار الثقافة ابن خلدون والتقى سجناء حرّرهم المسرح ومشرفين من إدارة السجون امتنعوا جميعهم عن الإدلاء ببعض الآراء بخصوص الحدث. كما تابعنا مسرحية "الرجة" التي قدمها نزلاء سجن قفصة وسط إجراءات أمنية مشددة وهو عمل انتقد من خلاله نزلاء السجن كثرة الجرائم وتفشيها في المجتمع وأوعزوا ذلك إلى التهميش والإهمال الذي تتعرض له بعض الفئات من المجتمع وخاصة سكان المناطق الشعبية والقرى البعيدة حيث تغيب الدولة تمامًا.

 اجتهد نزلاء السجن قدر الإمكان حتى يقدّموا عرضًا بمواصفات مسرحية وخاصة في مستوى الحضور والانتشار الرّكحي للممثلين

كما أرسلت المسرحية السجنية بعض الرسائل لعل أهمّها الدعوة إلى ضرورة تأهيل المجرمين عند دخولهم السجن حتى لا يعيدوا الكرّة مرة أخرى.

لقد اجتهد نزلاء السجن قدر الإمكان حتى يقدّموا عرضًا بمواصفات مسرحية وخاصة في مستوى الحضور والانتشار الرّكحي للممثلين والاجتهاد في مستوى النص الذي انطلق من قصص السجن. وتفطن السجناء لكثرة الجرائم وتنوعها وخطورة تفشيها في المجتمع. وفي اعتقادي هذا هو دور الفن وخاصة المسرح باعتباره فنًّا حيًا لصيقًا بالإنسان يساعده حدّ الشفاء وهذا ما يحدث في السجون التونسية من خلال الشراكة القائمة بين الإدارة العامة للسجون والإصلاح وأيام قرطاج المسرحية، إذ انطلقت التجربة منذ الدورة 19 بمسرحية "لوجيعة" التي قدمها نزلاء سجن برج الرومي ونالت استحسان المتابعين.

هذا ومن المزمع أن تتطور هذه الشراكة وتذهب إلى توقيع اتفاقية تعاون بين الادارة العامة للسجون والإصلاح والإدارة العامة للفنون الدرامية بوزارة الشؤون الثقافية وأيام قرطاج المسرحية خلال جانفي 2019 وتنصّ أساسًا على بعث شبكة نوادي للمسرح بمختلف الوحدات السجنية والإصلاحيات يشرف عليها ويتابعها مسرحيون محترفون ومن ثمّة تعرض هذه النوادي منتوجها المسرحي ضمن الدورات القادمة لأيام قرطاج المسرحية.

إن ما يحدث في المجتمع السّجني التونسي من إرساء لمنظومة من الأنشطة الثقافية وعلى رأسها المسرح باعتباره فعلًا فنيًّا مباشرًا يحفر في الذات ويغيرها ثم يحررها من نفسها ويمكن تنزيله في إطار استراتيجيات إعادة تأهيل السجين حتى لا يعود. وربّما في إطار إعادة تأهيل المؤسسة السجنية نفسها والتي كانت موصوفة في الحقب السابقة بقبضتها الحديدية وغلظتها وانتهاكها لحقوق الإنسان، لكنها بعد الثورة أرادت أن تخفّف من تلك الأوصاف وأن تتجدد بفضل ما أتاحه التونسيون لأنفسهم من حريات وتكريس للديمقراطية، ففتحت زنازينها للمنظمات الحقوقية التونسية والدولية وفسحت المجال للسجناء المحرومين من حريتهم ضد إرادتهم باستعادتها بالقوة في انتظار استعادتها بالفعل.

 

اقرأ/ي أيضًا:

افتتاح أيّام قرطاج المسرحية: أسئلة عالقة لم تطلها أضواء الخشبة

مسرحية "تقاسيم على الحياة".. "تشيكوف" يلاعبنا ويحملنا إلى ذواتنا المهشمة