يوسف الصديق: لا عقاب في القرآن للمثلية.. ولا شيء اسمه الشريعة (حوار– 1/2)

يوسف الصديق: لا عقاب في القرآن للمثلية.. ولا شيء اسمه الشريعة (حوار– 1/2)

4431 مشاهدة
المفكر والباحث في الأنثروبولوجيا يوسف الصديق (الترا تونس)

أثارت لجنة الحرية الفردية والمساواة جدلًا كبيرًا بعد أن نشرت تقريرها النهائي وفتحت الباب أمام نقاش مجتمعي يتعلّق بالحقوق والحريات الفردية والمساواة التامة بين المرأة والرجل وكافة أفراد المجتمع. هذا النقاش المجتمعي لن يقتصر على تقرير لجنة الحريات بل من شأنه أن يطرح قضايا محورية تهمّ تحديث المجتمع وإقرار المساواة التامة بين كافة المواطنين. ولكنه سيطال أيضًا مواضيع يعتبرها كثيرون من المقدسات ويرون في تعديلها أو إلغائها مساسًا بالدين.

وفي هذا الإطار، كان لـ"الترا تونس" حوار مع المفكر والباحث في الأنثروبولوجيا يوسف الصديق، الذي انتقد تقرير لجنة الحريات الفردية وشدد على ضرورة إعادة قراءة القرآن قراءة مبنية على الإنسان.

اقرأ/ي أيضًا: من بينها إلغاء تجريم المثلية: أهم ما جاء في تقرير لجنة الحريات الفردية

يوسف الصديق لـ"الترا تونس": الدين الإسلامي لا يقوم على التشريع

  • تعيش تونس مؤخرًا على وقع جدل الدين والرياضة خصوصًا بعد الفيديو الذي تمّ تداوله وهو يظهر مدرب المنتخب الوطني وأعضاء الفريق يقرؤون الفاتحة وأدعية قبل مباراتهم ضد المنتخب الانكليزي. كيف تابعت هذا الجدل؟

أنا ضدّ هذا الجدل خاصة أني أشكو منه كثيرًا. على سبيل المثال خلال سير العادية أولئك الأشخاص الذين يقاطعونك وأنت بصدد بناء مخطط فكري في محادثة أو في حوار تلفزي وتقول "محمد" دون ذكر "صلى الله عليه وسلم" أو الله دون قول "عز وجلّ" ويهاجمونك. على طرفي الجدل أن يبتعدوا عن هذه الأمور. أولًا بالنسبة للأشخاص الذين يطالبون بالتدين المعلن كفى نكرانًا لطاقة المولى الذي يؤمنون به وقدرته في الاستماع للسريرة. من قال إني لم أقل سرًا "صلى الله عليه وسلم" بعد محمد وإني عندما قلت الله لم اذكر في داخلي سبحانه وتعالى. هم يطالبون أن أُسمعهم هم. أما بالنسبة للآخرين الذين يوازنون بين الخطط العملية وبناء مشروع وقراءة القرآن ويلومون الآخرين فهم يطرحون المشكل الخطأ. إذا كان من معدات المنتخب الوطني وأسلحته النفسية قراءة الفاتحة فليكن، وبالنسبة إلي لا يمكن للأشخاص أن يمدوا أيديهم للفاتحة دون أن يكونوا صادقين وأن يقرؤوها بصدق لأن الموقف يحتم اجتماعيًا أن نقرأ الفاتحة مع الناس. بالنسبة للطرفين هذا الطرح خاطئ وليتركوا من يريد أن يقرأ الفاتحة قبل أن يدخل الملعب. ما الذي يغضبك وما الذي يمنعه هو من إعداد خطته. وبالنسبة للبقية أنا لست مجبرًا على إسماع ما أقرأ للناس كي يقولوا إني منسجم مع الإيمان ومع المجتمع. ولا أعتبر أن هذا الجدل مجد.

  • من المؤكد أنك اطلعت على التقرير النهائي للجنة الحريات الفردية والمساواة. هل تعتبر أنه كان في مستوى الانتظارات أم أنه كان مهادنًا؟

لدي ملاحظتان. أولًا الدين الإسلامي لا يقوم على التشريع وهذه مفارقة. نشدد على أن الممارسة الدينية الإسلامية في المنظومة الجمعية لا تقوم على التشريع فكلمة تشريع بمعنى قانون لا توجد في القرآن ولا مرة واحدة. في القرآن هناك مجموعة صغيرة من القوانين التي أعتقد وأجزم أنه ملازمة للعصر الذي نشأت فيه كقطع يد السارق وجلد الزانية ومسألة الإرث والمفاضلة في مسألة الشهادة إذ لا بدّ أن تضاعف المرأة حتى توازي الرجل– علمًا وأن كلمة مفاضلة خاطئة -، كلّها قوانين ناشئة في ذلك العصر وقابلة لانفتاح الدين الإسلامي لأن الدين في الإسلام يعني القانون وشهادتي على ذلك ما جاء في سورة يوسف "ليس ذلك في دين الملك" أي ليس هذا في قانون الملك. القرآن يقول عن يوم الحساب يوم الدين أي يعني الحكم على المرء بالجيد أو بالسيء. القانون ملاصق للمجتمع الذي انبثق فيه أما الذي يبنى عليه القرآن كممارسة علائقية بين الناس ليس التشريع وإنما المعروف، مثلًا "أمسكوهن بمعروف" أو "آتوهن أجورهن بمعروف" أو "فأداء إليه بمعروف" في دية الإعدام. المعروف تعريفًا هو الذي كان قيمة قبل الإسلام وإلا لما كان معروفًا. هناك حديث نبوي إن صحّ يقول "من كان أكرمكم قبل الإسلام فهو أكرمكم بعده". أي أن من كان يظلم ولا يحقق العدالة ولا يقيم القيم الصالحة قبل الإسلام سيبقى كما هو بعد الإسلام. المعروف هو ما يتغيّر بتغيّر الموجود فعلى سبيل المثال "أمسكوهن بمعروف وطلقوهن بمعروف" ليست موجودة اليوم في تونس ولا بدّ من محاكمة للطلاق. والمعروف سابقًا هو أن تتخذ 4 زوجات وهذا لم يعد معروفًا في تونس بل أصبح أمرًا مرفضًا ومنكرًا. لا بد من التشديد على أن المعروف يتغيّر بتغيّر الزمن والقرآن لم يمنعك من أن تطوّر المعروف. كذلك المعروف كان أن تعطي صدقة للرقاب – بمعنى عبيد – ولكن بات من المنكر أن يكون لك رقاب. هناك انفتاح في مفهوم المعروف وكلّ عصر له معروفه ومنكره. كم من أمر نقرأه في القرآن كان معروفًا وأصبح منكرًا في كثير من المجتمعات من بينها المجتمع التونسي.

يوسف الصديق لـ"الترا تونس": كان من الأحرى إلغاء عقاب المثلية الجنسية

وبالنسبة للعناصر التي تضمنها تقرير اللجنة، كنت قلت للباجي قائد السبسي عندما قابلته أن لا يجزأ القانون. وحسب ما سمعت فإن اللجنة تقترح فيما يخص المساواة في الإرث أن يتمّ الإبقاء على حرية الأب خلال حياته في اختيار أن يعتمد في تقسيم تركته على "للذكر مثل حظ الأنثيين" إن أراد. أنا قلت له القانون لا يتجزأ ويجب أن يكون له بعد إطلاق وحذرته من ثنائية الوضع القانوني. القانون مطلق بالنسبة للجميع. تصوّري مثلًا لو أنه في قانون منع تعدد الزوجات الإبقاء على إمكانية الزواج من امرأة ثانية إذا كانت الأولى لا تنجب أو مريضة. الكثيرون طرحوا هذه الفكرة في العديد من المجتمعات والعديد من المدونات الموجودة اليوم. هلاك الشعوب في ثنائية قانون ما. ولذا هذا اللوم الأول وهذا ما أشرت إليه قبل أن يُمدّ التقرير إلى رئيس الدولة. لا بد إما من الإبقاء على الأمور كما هي عليه كما فعل الحبيب بورقيبة وهو رئيس دولة الذي ينجح في إنفاذ المساواة في الإرث والدفاع عنها وفرضها كما فرض إلغاء تعدد الزوجات. اترك القانون كما هو أو غيّره لإقرار مساواة تامة بين الأنثى والذكر في قضية الميراث. هذا هو اللوم الاستراتيجي الهيلكي الأول.

أما اللوم الثاني فأتصور أنه من العيب في قضية المثلية الجنسية أن تدعو إلى إلغاء عقوبة السجن وتعويضها بعقوبة مالية. سمعت من كان يبرّر هذا الاقتراح وكان يتحدث عن حساسية المسلمين. أي حساسية للمسلمين؟ نحن نسمع من يدعو إلى إعادة تعدد الزوجات والرجوع إلى القوامة على المرأة قوامة نهائية وذلك في المساجد والمقاهي وفي كلّ مكان. لا يمكن الحديث عن حساسية الأغلبية المسلمة على العكس. عندما تكون هناك أغلبية ساحقة فهي التي يجب أن تراعي الأقلية الصغرى.

المثلية الجنسية لا يخصها عقاب أبدًا في القرآن بل هناك لوم في آية "تتخذون الرجال شهوة دون النساء"، مجرد لوم بمعنى لم تقومون بذلك، وهو لوم غير مصرّح بعقوبة معه بل هناك لطف في مخاطبة المثليين إذ قال سيدنا لوط "هاهن بناتي هن أطهر لكم" ولم يقل إن الله سوف يعاقبهم.

ما ننساه في التعامل مع ديننا هو أن هناك أمورًا تخص المولى عز وجلّ. هناك أمور يجب أن تتخذ فيها إجراءات قانونية بأبعادك وقدراتك الإنسانية سواء كنت قاضيًا أو أبًا أو أمًا. وهناك أمور تغيب عنا نحن بمفعول إنسانيتنا وهي من مشمولات عالم الغيب والشهادة. ونحن نخلط بين الأمرين ونتصور أن المثلية أمر مخيف يجب المعاقبة عليه وإذا هونّا من العقاب نجعله خطية مالية مع الإبقاء على صبغة العقاب. أنا أعتقد أن هذا "مسكنة" وعيب.

اقرأ/ي أيضًا: يسرا فراوس: يجب تحرير الجسد بتونس وهذا موقفنا من أحكام الشريعة الخاصة بالنساء

يوسف الصديق لـ"الترا تونس": تم تفسير القرآن بقراءة ذكورية مطلقة

  • هل كان من الأجدى إلغاء عقوبة المثلية الجنسية؟

نعم كان من الأحرى إلغاء العقاب تمامًا على أساس أنه لم يورد عقاب دنيوي موجود ومصرّح به في النصّ المؤسس. وإذا كان هناك نصّ مؤسس واضح فيجب الرجوع إلى الظروف الاجتماعية التي انبثق فيها. فمثلًا لم يكن هناك سابقًا سجن لتسليط العقاب على السارق ففرض قطع يده.

  • إذن تعتبر أن تقرير لجنة الحريات الفردية والمساواة مخيّب للآمال؟

أعتبره محتشمًا جدًا وخجولًا. والخجول يعطي الحجة "للهجمة الكبيرة" رغم أنه لم يتمّ إصدار توصياته في قوانين بعد. بينما الوضوح هو أن تقول إنني أشرّع لمجتمع في القرن الواحد والعشرين وهذا المجتمع يربطني في داخله بأفكار جديدة ووضعيات جديدة والكرة الأرضية التي لها قوانين قمت بالتوقيع عليه وتلزمني. يجب أن لا أنظر إلى يوم الحساب لأن يوم الحساب لست أنا المفوض للنظر فيه بل هو من ينظر في النوايات ويعرف السرائر هو من يقوم بذلك. أنا إنسان لدي معطيات متأكد من صحتها، معطيات حديثة موضوعية وقابلة للدرس ولذا أبني عليه تشريعي ولا أبنيه على غيبيات. لا يمكن أن أبني التشريع على الغيبيات. فالغيبيات الوحيدة أو ما يربطني بالدين الإسلامي الذي أعتز به وأعتز بكون المجتمع التونسي معتزًا به، هو التوحيد فقط إذ لا أعتقد أن هناك إله مطر وإله شجر وإله خصب ولكن هناك إله شامل. وهذا ما جاء به موسى والإنجيل ومحمد خاتم الأنبياء. بالنسبة لبقية الأمور ما وصل إليه فهمي المتواضع لهذا الكتاب المنزل فهي تتصرّف حسب الزمن والمقاصد والمصالح الإنسانية فالله لم يقل اعبدني ضدّ نفسك.

  • ولكن هناك شرائح واسعة من المجتمع التونسي ترفض توصيات ومقترحات تقرير لجنة الحريات الفردية والمساواة بتعلّة أنها مخالفة للشريعة الإسلامية؟

لا يوجد شيء اسمه الشريعة الإسلامية. الشريعة الإسلامية بُنيت منذ 1000 سنة على معطيات وعلوم صحيحة بقطع النظر عن العلوم الإنسانية ولكن الزمن قد تجاوزها. فهي بنيت في القرن السابع ميلادي عندما كان هناك عبيد ولم يكن هناك ملك غير منقول. وكانت الأملاك منقولة فالإنسان إذا كان فقيرًا يمتلك بعض الماشية وبعض الإبل والأثاث وإن كان غنيًا فيمتلك الحرير والذهب والماس وغيره. كل هذه الأموال كانت في غالبها منقولة لذلك أوصى الدين، الذي أحدث ثورة إذ كانت الأنثى تورّث فأصبحت ترث وجعلها شخصًا قانونيًا ومعلمًا قانونيًا، ولكن هذا المعلم القانوني كان عندما يتزوج في أغلب الأحيان يذهب إلى أراض وقبائل أخرى. فمثلًا في بيت به أخ وأخت هذه الأخيرة ستتزوج وتذهب إلى قبيلة أخرىو وإذا أخذت النصف فذلك سيفقر قبيلتها لذلك رأى المشرّع في ذلك الوقت أنه من الحكمة أن تأخذ نصف نصيب الذكر وعندما تأتي فتاة من قبيلة أخرى تحضر معها النصف فتحدث الموازنة والمعادلة بين المجتمعات ولا تفقر تلك القبيلة أو تلك. هذا كان آنذاك أم اليوم الأموال أصبحت غير منقولة فلا يضير أن تأخذ الفتاة نصف بناية الأفريكا مثلًا لأن هذه البناية لن تفقر العاصمة التونسية عندما تتزوج هذه الفتاة وتذهب إلى مصر أو الجزائر.

بالنسبة للشاهدة الأمر نفسه. عندما تقرأين آية الدين  في سورة البقرة التي تقول "فإن لم تجدوا رجلين فرجل وامرأتان". الجميع وكامل الفقه وكافة البشر يعتقدون أن فيها تنقيصًا في قيمة المرأة إذ لتعويض شاهد ذكر لا بد من امرأتين باعتبار أن المرأة ضعيفة وربما تخطئ أو تفقد الذاكرة والعقل  ربما "تضلّ إحداهما" ولذلك تذكرها الأخرى، وهذا أمر خاطئ. كلمة "ضلّ" في اللغة العربية إلى اليوم لها معنيان، وهي تعني إما ضلّ أي فقد عقله أو ذاكرته أو ضلّ أي ضاع ولم يتم العثور عليه. وهذا المعنى الأخير هو الذي أبعد وأزيح وأقصي من التفكير بينما الكلمة عادية في الجاهلية والإسلام واليوم. واختير المعنى الذي يهين المرأة ويضعفها ويرى عقلها فاسدًا. أما كلمة "تذكّر" فالمقصود بها عندما أرى فلانة فهي تذكرني بالأخرى التي شهدت معها أي أن كلاهما كانتا شاهدتين على الدين الشفاهي. والمقصد من إحضار شاهدتين هو إمكانية أن تتزوج إحداهما وتذهب إلى مكان لا نعرفه فنقول ضلّت. هناك مغالطة في فهم القرآن بما له من معجم ما يزال قائمًا إلى حدّ اليوم.

  • بمعنى أنه تمّ تفسير القرآن بقراءة ذكورية بعض الشيء؟

بل ذكورية مطلقة. فهل يمكن أن يقول الله أن المرأة ضلّت لأن الأنثى ضعيفة ويمكن أن تنسى؟ ما معنى هذا؟ هناك فتيات لديهم ذاكرة تفوق ذاكرة الذكور بـ50 ألف مرة. ما معنى ضلّت؟ وكيف تكون ضالة وناقصة عقل ويُطلب منها أن تشهد على دين لتذكرها بعد ذلك الأخرى؟ حتى هذه الواقعة لا يمكن أن يقبلها العقل وهناك العديد من الأمثلة المشابهة في القرآن.

لا أعتقد أن التشاريع الدنيوية يجب أن تُستمدّ من القرآن. فالقرآن لم يذكر الشرع سوى مرتين، في مرة قال "لكلّ جعلنا شرعة ومنهاجًا"، والشرع هنا طريقة في الحياة والمنهاج أسلوب في الحياة. أما المرة الثانية فتوجه خلالها إلى النبي محمد بوصفه نبيًا بعد بني إسرائيل بقوله "ثم أقمناك على شريعة من الحق فاتبعها" ولا علاقة لكلمة شرع هنا بالقانون والمقصود بها أنك رسول ختمت النبوة، ولا توجد أي كلمة مشتقة من شرع وتشريع في القرآن باستثناء المرتين المذكورتين.

 

اقرأ/ي أيضًا:

تقرير لجنة الحريات الفردية والمساواة.. إشكالية الدين والدولة المدنية

لجنة الحريات: تقريرنا ثوريّ ولا يمس من العقيدة.. والمعارضون يردّون: بل هو فتنة