يستنشقون

يستنشقون "الموت".. هل مواطنو عقارب مواطنون من الدرجة الثانية؟

أضرار بيئية وصحية خطيرة بسبب "الإرهاب البيئي" في عقارب (صورة تقريبية/فتحي ناصري/أ.ف.ب)

 

أثار الحريق الذي جدّ مؤخّرًا بالمصّب الجهوي للفضلات بعقارب الواقعة في ولاية صفاقس جدل التلوث الذي يؤرّق المتساكنين من جديد، في الوقت الذي يحذّر فيه ناشطون في المجتمع المدني من الانعكاسات الخطيرة على صحّة الإنسان وعلى البيئة.

وكان حريق ضخم قد اندلع مساء الأربعاء 7 أوت/أغسطس 2019 بأكوام القمامة الموجودة في المصب الجهوي للنفايات في محمية "القنة" بعقارب، مما تسبب في انتشار دخان كثيف محمّل بروائح كريهة، أزعجت المتساكنين حتّى أنّ بعضهم واجه مشاكل في التنفّس.

اقرأ/ي أيضًا: ماهي انعكاسات حريق مصب برج شاكير على الإنسان والبيئة؟

وقفة احتجاجية ضد "الإرهاب البيئي"

في اليوم الموالي لاندلاع الحريق بمصبّ الفضلات، نفّذ نشطاء بالمجتمع المدني وعدد من متساكني عقارب وقفة احتجاجية أمام قصر البلدية، تنديدًا بـ"الإرهاب البيئي" الذي ترزح المنطقة تحت عبئه، وفق ما أفاد به عضو حملة "مانيش مصب" ثامر بن خالد لـ"ألترا تونس".

ومثّل الحريق الذي اندلع بالمصبّ القطرة التي أفاضت الكأس بعد أن أضر بصحّة الأطفال وكبار السن وتسبب لهم في صعوبة في التنفّس وصلت أحيانًا حدّ الاختناق، وفق ذات المصدر.

وقفة احتجاجية تنديدًا بـ"الإرهاب البيئي" في مدينة عقارب

 

وحضر الوقفة الاحتجاجية نشطاء من حملة "مانيش مصب" ومن الجمعية الوطنية للبيئة والتنمية ومتساكنون من بينهم نساء وأطفال، دون أن يتواصل معهم أي مسؤول من البلدية، مع العلم وأنّ جمعية الوطنية للتنمية والبيئة كانت قد وجّهت في وقت سابق مكتوبًا لرئيس البلدية لتبيان موقفه من "الإرهاب البيئي" بقي إلى اليوم بلا ردّ.

وقد طالب المحتجون السلطات المحلية والجهوية بالضغط على الوكالة الوطنية للتصرف في النفايات لاحترام الحكم القضائي الصادر عن محكمة الناحية بعقارب والذي يقر بالغلق الفوري للمصب.

حكم قضائي بغلق المصب

كانت قد أذنت محكمة الناحية بعقارب من ولاية صفاقس، في 11 جويلية/ تموز الماضي بالوقف الفوري لاستعمال مصب "القنة" لتجميع الفضلات نظرًا للأخطار التي يمثلها على صحة المواطنين وحقهم في التمتع ببيئة سليمة حسب ما تنص عليه أحكام الدستور، وفق نص الحكم.

وأذنت المحكمة في حكمها الموجّه إلى كل من وزارة الشؤون المحليّة والبيئة وشركة المناولة المكلفة بنقل الفضلات "سيغور" والوكالة الوطنية للتصرف في النفايات والديوان الوطني للتطهير بإزالة الفضلات التي وقع تجميعها بمصب "القنة" الواقع في عقارب في أجل ستة أشهر من تاريخ إصدار الإذن، وفق ما أفادت به القاضية أحلام قوبعة في تصريح لوكالة تونس افريقيا للأنباء (الوكالة الرسمية).

الحكم القضائي الصادر عن قاضي الناحية بعقارب

 

وأوضحت القاضية قوبعة، أن القرار اُتخذ بناءً على إذن على عريضة تقدم بها قرابة 200 ساكن بعقارب الى المحكمة وطالبوا فيها بغلق المصب، موضّحة أن العريضة كانت مرفقة بملف يتضمن تقريرًا حول الوضعية البيئية السيئة الناجمة عن المصب كان صدر حديثًا عن وزارة البيئة.

واعتبرت، أن معطيات الملف تؤكد أن الهواء يحتوي على نسب تلوث مبالغ فيها تفوق المؤشرات المسموح بها ويمكن أن تهدد سلامة المواطنين، كما يشكل هذا المصب، وفق قولها، مصدرًا للحشرات السامة ولا سيما الأفاعي والعقارب التي تهدد بدورها سلامة المتساكنين.

ويعتبر هذا القرار القضائي سابقة في القضاء التونسي، إذ ينصف المواطنين استنادًا على حقهم الدستوري في بيئة سليمة، مع العلم وأن الديوان الوطني للتطهير قد اعترض على الحكم ومن المنتظر أن تنظر المحكمة فيه يوم 26 أوت/أغسطس الجاري.

يذكر أن الفصل 45 من الدستور ينص على أن "الدولة تضمن الحق في بيئة سليمة ومتوازنة والمساهمة في سلامة المناخ كما على الدولة توفير الوسائل الكفيلة بالقضاء على التلوث البيئي".

اقرأ/ي أيضًأ: أطنان من النفايات الخطرة في مياه تونس.. ما قبل الكارثة!

حملة "مانيش مصب" تفضح "الإرهاب البيئي"

منذ سنتين، أعلن شباب جهة عقارب ومجموعة من نشطاء المجتمع المدني عن انطلاق حملة "مانيش مصب" التي ترنو إلى التخلّص نهائيًا من كل مصادر التلوث بالمدينة خاصة وأن المتساكنين يستنشقون "الموت" كل يوم.

وطالبت الحملة، وفق بيان انطلاقها، بفتح تحقيق جدي حول مصادر التلوث بمعتمدية عقارب التي مسّت الهواء والتربة والمائدة المائية، ومحاسبة المتسبّبين فيه إلى جانب غلق المصب الجهوي للفضلات نهائيًا ونقله من المحمية الطبيعة بالقنّة. وطالبت أيضًا بإلزام مصانع تكرير الفيتورة بإنشاء مصبات خاصة تحترم المعايير الوطنية والدوليّة في السلامة البيئية وتركيب فلاتر هوائية تحد من انبعاث الروائح بالإضافة إلى نقل مصبات المرجين من المعتمدية.

أعلن شباب جهة عقارب ومجموعة من نشطاء المجتمع المدني عن انطلاق حملة "مانيش مصب" التي ترنو إلى التخلّص نهائيًا من كل مصادر التلوث بالمدينة

ودعت إلى مصبات الفضلات الوقتية بالمدينة وتجديد وإعادة تهيئة قنوات الصرف الصحي في كامل المدينة وإلزام كل مصانع المنطقة الصناعية بالمساهمة والتدخل في تحسين الوضع البيئي والصحي في معتمدية عقار.

في سياق متّصل، قال عضو حملة "مانيش مصب" ثامر بن خالد، إنّها كانت نتاجًا للتلوث البيئي الذي بات مؤرقًا في ظل صمت السلطات المعنية، الأمر الذي أصبح يشكّل خطرًا على سلامة المواطنين والموارد الطبيعية للجهة.

طالبت حملة "مانيش مصب" بفتح تحقيق جدي حول مصادر التلوث بمعتمدية عقارب

 

وأشار بن خالد، في تصريح لـ"ألترا تونس"، إلى أن تقرير الاختبارات البيئية وقياس التلوث بالمنطقة التي قام بها المخبر المتنقل التابع للوكالة الوطنية لحماية البيئة والمحيط تشمل أرقامًا مفزعة، على حدّ تعبيره.

ولفت إلى أنّ حملة "مانيش مصب" نظّمت تحرّكات لتوعية متساكني منطقة عقارب خاصة وأنهم يتذمرون من الروائح الكريهة ولا يعلمون أنها تحتوي على غازات سامة على غرار النيترات و"CH4" و"H2S"، على حدّ قوله.

صحّة المواطنين في خطر

وعن انعكاسات التلوّث على صحة المواطنين في عقارب، قال محدّثنا إنّه تسبب في حالات وفيات وإصابات بالسرطان والتليف الكبدي وتشوّهات جينية وحالات ضيق تنفس وحساسية على مستوى العين، مشيرًا إلى أنّ عددًا منهم تحرّكوا للتنديد بالأضرار التي لحقتهم، على حدّ تعبيره.

وأشار إلى أنّ معالجة النفايات بطريقة بدائية تعود بالضرر على المواطنين خاصة وأنّه يبعد حوالي كيلومتر عن أقرب نقطة سكانية إليه، وفق قوله.

وأضاف أنه نظرًا لتدمير الوسط البيئي، بدأت تنساب الزواحف في محمية "القنة" نحو التجمعات السكنية "ولذلك يبلغنا بين الفينة والأخرى تعرض شخص الى لدغة" طبقًا لحديثه، مشيرًا إلى وفاة طفلين بلدغة ثعبان وإصابة امرأتين بتشوهات مكان اللدغة.

تجاوزات بالجملة

وإلى جانب مصّب الفضلات "القنة"، الذي أسهم في تدمير المحمية وعاد بالضرر على المواطنين وتسبب في تلوث التربة عبر عصارة الفضلات، هناك تدمير ممنهج ومسكوت عنه لمحمية "القنة" من خلال ضخ مياه الصرف الصحي فيها، وفق ما أفاد به ثامر بن خالد.

ثامر بن خالد (حملة "مانيش مصب"): نشطاء في المجتمع المدني تعرّضوا إلى تهديدات حينما كشفوا عن التجاوزات التي تضر بالمواطنين والبيئة في عقارب

اقرأ/ي أيضًا: المنطقة الرطبة بطينة.. بشاعة الصناعة وإجرام اللامسؤولية

وأشار بن خالد إلى أنّ ديوان التطهير يستغل آبارًا تاريخية لتجميع المياه المستعملة إلى جانبه اعتماده حلولًا ترقيعية في مجابهة احتجاج المواطنين على الروائح التي تسبّبها مياه الصرف الصحي، من خلال تجميعه في مصبّ على شكل بحيرة، الأمر الذي تسبب في انتشار الباعوض، وفق تعبيره.

ولفت إلى أنّ مصانع التكرير هي الأخرى تسهم في تلوث البيئة في عقارب من خلال المياه الملوثة والمواد السامة التي تخلّقها وتضرّ بالمائدة المائية، مؤكّدًا أن ناشطين في المجتمع المدني تعرّضوا إلى تهديدات حينما كشفوا عن التجاوزات التي تضر بالمواطنين والبيئة في عقارب، وفق قوله.

مواطنون على شفا اليأس!

في حديثه مع "ألترا تونس"، قال وحيد بلحاج، وهو مواطن أصيل عقارب ويسكن على بعد كيلومترين من مصبّ الفضلات بمحمية "القنة"، إنّ "الوضع كارثي ولا يحتمل وسك انبعاث روائح كريهة من المصب".

وأضاف أن متساكني عقارب يستنشقون رائحة الموت يوميًا ويعيشون كابوسًا جراء تكاثر الزواحف وكثرة الباعوض، وانبعاث روائح مزعجة تسبب الحساسية وصعوبة في التنفّس.

وحيد بلحاج (مواطن من عقارب): متساكنون في المدينة أصبحوا يفكرون في بيع منازلهم ومغادرة المنطقة أمام صمت السلط

وأشار إلى أنّ عددًا من جيرانه يعانون من التليف الكبدي جراء التلوّث، مشيرًا إلى أنّ عددًا من متساكني المنطقة أصبحوا يفكرون في بيع منازلهم ومغادرة المنطقة أمام صمت السلط، وفق قوله.

ووجّه محدّثنا نداء استغاثة إلى المجتمع المدني والسلطة المحلية والجهوية والحكومة لإيجاد حل لمعضلة التلوّث في عقارب خاصة وأن حالة من التذمر تسري في صفوف المواطنين، على حدّ تعبيره.

أين السلطة المحلّية من ملفّ التلوّث؟

للحديث عن الإجراءات التي اتخذتها بلدية عقارب للحدّ من أزمة التلوّث في المنطقة، تواصل "ألترا تونس" مع رئيسها فؤاد بن لشهب الذي أكّد أن المشاكل البيئية الأساسية تتمثّل في مصب النفايات في "القنة" ومياه الصرف الصحي ومصب "المراعنية" العشوائي ومصب المرجين "القرنة".

أضرار بيئية وصحية بسبب التلوث في عقارب

 

وقال بن لشهب "نحن واعون بمشاكل التلوّث في الجهة ومتعاطفون مع الأهالي لأنّننا منهم ونعايش نفس الوضع يوميًا"، مشيرًا إلى أنّ بلدية عقارب سعت إلى ايجاد حلول لهذه المشاكل.

وأفاد أن لصب النفايات بالقنة هو مصب جهوي مراقب مُحدث من المحمية تحت تصرف الوكالة الوطنية للتصرف في النفايات موضحًا أنه ليس تحت تصرف البلدية، وأضاف "راسلنا الوكالة عديد المرات للتدخل من أجل تفادي الروائح وكانت في كل مرة تقوم بإجراءات الردم".

ولفت إلى أن المصب في أيامه الأخيرة إذ بلغت الفضلات آخر خانة، في انتظار إحداث مصب جديد بعيدًا عن منطقة عقارب لم يتحدد مكانه رسميًا، وفق قوله.

وفيما يتعلّق بمشكل مياه الصرف الصحي، قال محدّثنا إن بلدية عقارب وجّهت مراسلات إلى الديوان الوطني للتطهير ودعته إلى تثمين ومعالجة هذه المياه، مشيرًا إلى أن البلدية تدخّلت أيضًا بالمداواة وقامت بمعاينات ميدانية حضرها اتحاد الفلاحين بهدف تثمين المياه واستعمالها في السقي بعد معالجتها، على حدّ تعبيره.

فؤاد بن لشعب (رئيس بلدية عقارب): ثقافة تثمين النفايات غائبة لأنها تتطلب تمويلا كبيرًا في حين أنّها يمكن أن تدر عائدات مالية مع تحويلها

وعن مصب "المرجين" المعروف باسم "القرنة"، أشار بن لشعب إلى أنه تابع لوكالة حماية المحيط بصفاقس وتتصرف فيه شركة خدمات المعاصر، وقد تمت مراسلتهم لاتخاذ الاجراءات اللازمة لحماية البيئة، مع العلم أنه لم ترد تشكيات على البلدية في هذا الخصوص، وفق قوله.

وبالنسبة لمصب "المراعنية" عشوائي، قال إن البلدية أصدرت فيه قرار غلق عدد 267 بتاريخ 13 مارس/آذار 2019 وأحالته على المصالح الأمنية لتحديد موعد للتنفيذ، لافتًا إلى غياب ثقافة تثمين النفايات لأنها تتطلب تمويلا كبيرًا في حين أنّها يمكن أن تدر عائدات مالية مع تحويلها، وفق قوله.

ولئن أكّد رئيس بلدية عقارب سعي السلطة المحلية الى إيجاد حلول للمشاكل البيئية، فإن المواطنين في عقارب مازالوا يستشقون رائحة "الموت" في انتظر حلول جذرية من السلط المعنية، ويبقى السؤال هل مواطنوعقارب مواطنون من الدرجة الثانية حتى تحاصرهم تلوينات التلوث من كل صوب؟

 

اقرأ/ي أيضًا:

مياه صرف صحي وملوثات مصانع وتسربات نفطية.. كارثة تلوث شواطئ تونس

"المد الأحمر" في تونس .. الأسباب والانعكاسات