هكذا تحدّث جرحى ملحمة بنقردان وأهالي شهدائها مع

هكذا تحدّث جرحى ملحمة بنقردان وأهالي شهدائها مع "الترا تونس"

تطالب عائلات الشهداء وجرحى ملحمة بنقردان بتنفيذ الوعود وتحقيق التنمية في الجهة (صورة أرشيفية/فتحي بلعيد/أ.ف.ب)

 

تشكيلات أمنية وعسكرية كبيرة على امتداد الطريق المؤدّية إلى مقبرة الشهداء ببنقردان، تلك المقبرة التي وارى ثراها أجساد شهداء ملحمة بنقردان التي جرت أحداثها في السابع من مارس/آذار من عام 2016.

وقبل بلوغ باب المقبرة، يتوجّب عليك تحسّس الطريق إليه من بين عديد السيارات الأمنية والعسكرية المرابطة على الطريق من الجانبين، وما إن تبلغ سكن الشهداء حتّى يطالعك ذوي شهداء الملحمة وحتّى الجرحى هنا أيضًا رغم صعوبة تنقّل البعض إلى المكان.

أحيت بنقردان الذكرى الثالثة لملحمة المدينة في مواجهة عناصر تنظيم "داعش" الذين حاولوا احتلال المدينة في مارس 2016

هي الذكرى الثالثة لملحمة أعقبت حدثًا إرهابيًا ليس كغيره من الأحداث التي عايشتها تونس في السنوات الأخيرة، فالأمر هنا يتعلّق بمحاولة احتلال بنقردان من قبل الإرهابيين وإعلانها "إمارة"، ذكرى تلاحم أجساد المواطنيين من أعوان ديوانة وأمنيين وعسكريين ومدنيين لدحر خطر داهم.

وأنت تقف أمام الجرحى الذين يحمل كل منهم علامة حبه لأرضه ووطنه على جسده، وأهالي الشهداء الذين قدّموا قطعا من أرواحهم فداء للوطن، تعود بك الذاكرة ثلاث سنوات إلى الوراء، إلى ذلك اليوم الذي واجه فيه أهالي بن قردان بنسائهم ورجالهم وشيبهم وشبابها أعداء الحياة بصدور عارية لكنّها عامرة بحب تونس.

اقرأ/ي أيضًا: بنقردان.. حصن تونس وقلعة الصمود

 ورغم التهميش الذي تعاني منه الجهة، وقسوة الأوضاع في بنقردان، إلا أنّ أبطال الملحمة قدموا إلى مقبرة الشهداء لإحياء ذكرى كسرهم لعظام "داعش" على أعتاب حلمهم بتكوين "إمارة" لهم في أرض قال عنها مبروك الموفّق والد سارة الموفّق أصغر شهداء ملحمة 7 مارس "وطني قبل بطني وبلادي قبل أولادي".

في حديثه لـ"الترا تونس"، يقول مبروك الموفق إنه رغم مرور ثلاث سنوات على الملحمة، مازالت بنقردان لا تنال من نصيبها في التنمية غير الوعود، مشيرًا إلى أنّ المصدر الوحيد للرزق في جهتهم هو معبر رأس جدير الذي تتواتر عملية غلقه في الآونة الأخيرة، وفق تأكيده.

يشتكي أهالي شهداء ملحمة بنقردان وجرحاها من استمرار التهميش (يسرى الشيخاوي/الترا تونس)

وهو يحاول أن يسيطر على نبرة الحزن في صوته، يؤكّد أنه لا يطلب شيئًا لنفسه إنّما يريد التنمية للجهة وتشغيل الشباب العاطل عن العمل وتعبيد الطرقات، وهي نفس مطالب بقية عائلات الشهداء.

ومحدّثنا الذي روى دم ابنته الأرض، في واقعة لن تمحى من الذاكرة، لا يريد من الدولة شيئًا إلا أن تسرّع في تدشين المركّب الرياضي الذي سيحمل اسم ابنته الشهيدة.

مبروك الموفق (والد الشهيدة سارة الموفق): لا أطلب شيئًا لنفسي إنّما أريد التنمية للجهة وتشغيل الشباب العاطل عن العمل

وغير بعيد عن والد الشهيدة، تقف حنان مليان أخت الشهيد محمد مليان، وأنت تتفحّص نظراتها لا يمكن أن تميز بين الفخر والوجع، وهو الأمر الذي يترجمه حديثها أيضًا إذ تقول إن أهالي الشهداء يحيون للسنة الثالثة على التوالي ذكرى 7 مارس ولكن كلما مرت سنة إلا وخفتت تلك "الروح الساخنة" التي تميز هذا اليوم، وفق قولها.

اقرأ/ي أيضًا: هوامش تونس.. جحيم التهريب ولا جنة الدولة

تشير حنان، وهي تحاول أن تكبح جماح بعض الدموع المترقرقة في عينيها، إلى أنّ هذا اليوم يتجه نحو أن يكون يومًا عاديًا لا يوما خسرت فيه بنقردان رجالها معتبرة أن الوضع في الجهة لم يتحسّن بعد هذه الحادثة وأن الدولة لم تول لها الاهتمام اللازم.

وبشيء من الحرقة تضيف قائلًة: "كانوا سيعلنون 7 مارس يومًا وطنيًا ولكنهم اكتفوا بإعلانه يومًا محليًا"، لافتة إلى أن وجع أهالي أبطال الملحمة يتجدّد مع كل مارس ويزداد كل سنة مع بقاء التهميش على حاله، على حدّ تعبيرها.

والدة الشهيدة وأخت الشهيد وأرملة الشهيد، كلهم أجمعوا على ضرورة قطع الدولة مع تهميش الجهة. إذ تقول بسمة الجويلي أرملة الشهيد محمود التايب ورئيسة جمعية أسر الشهداء والجرحى بملحمة 7 مارس ببنقردان، إنّ كل أهالي المدينة يشعرون بالأسى لوضع الجهة على المستوى الاقتصادي والاجتماعي.

حنان مليان (أخت الشهيد محمد مليان): وجع أهالي أبطال الملحمة يتجدّد مع كل مارس ويزداد كل سنة مع بقاء التهميش على حاله

وهي تداعب شعر ابنتها، تضيف بالقول: "بنقردان في نظرنا أم الدنيا لأنها قدمت خيرة رجالها لتقف في وجه الدواعش ولكنها اليوم تكافؤ بمستشفى لا يتوفر على المقاييس التي تضمن حق المواطن في الصحة والحياة"، متابعة "الدولة لم توفّر لنا أي شيء في مستوى تضحيات أهالينا وحتى معبر راس الجدير الذي يعد مصدر عيش للكثيرين مغلق".

وفي مقبرة الشهداء، يقف الجرحى الذين التحمت دماؤهم بدماء الشهداء، أحدهم يدعى عبد الرحمان أفقدته إصابة على المستوى الأحبال الصوتية القدرة على النطق ولم يستعده بصورة غير طبيعية إلا بعد سلسلة من العمليات مازالت متواصلة، وفق قوله. وآخر يدعى المهدي ثابت أصيب على مستوى يديه اليسرى مما تسبب له في شلل 3 أصابع الأمر الذي أقعده عن العمل بعد أن كان يعمل حلاقًا طبقًا لحديثه.

يطالب جرحى ملحمة بنقردان بالتنمية في الجهة وتوفير شغل قار (يسرى الشيخاوي/الترا تونس)

قرأ/ي أيضًا: في ذكراها الثالثة: عودة على أبرز تفاصيل ملحمة بنقردان

ومن جرحى الملحمة أيضًا عبد السلام كرديمين ومحمد المحمودي وهادي الايشيهب وفاطمة المحمود  ومصباح خلق الله وطارق القطيري ومباركة المطيار الذين لم يثنهم وجع الإصابات عن التنقل لمقبرة الشهداء لتذكير الدولة بحقهم عليها.

وهو يحاول أن لا يفقد توازنه، يرتكز مصباح خلف الله على عكازه الطبي ويروي لنا تفاصيلًا عن إصابته التي تلقاها على على أعلى ساقه اليمنى ما سبب له شللًا نصفيًا، مشيرًا إلى أنّه العائل الوحيد لأسرة تتكون من 6 أفراد.

وبخصوص تفاعل السلطات مع الجرحى، يقول محدّثنا إن الجرحى تلقوا تعويضات تتراوح بين 5 و10 آلاف دينار، لافتًا إلى أنّه من غير المعقول أن يوفر هذا المبلغ عيشًا كريمًا لأسرة طيلة 3 سنوات، على حد تعبيره.

مصباح خلف الله (أحد جرحى ملحمة بنقردان): بنقردان قدمت شهداء وجرحى ولكن الدولة تخلت عنهم

وهو يواصل التشبث بعكازه، يضيف: "من حق أطفالنا على الدولة الرعاية، وبنقردان قدمت شهداء وجرحى ولكن الدولة تخلت عنهم، نستنا الدولة ومن حقنا عليها أن تولينا الاهتمام".

ويؤكّد طارق القديري، أحد جرحى الملحمة، أن ذوي الشهداء والجرحى حضروا بأنفسهم اليوم إلى مقبرة الشهداء لإحياء ذكرى الملحمة من ناحية، ولمطالبة الدولة بحق الجرحى في جراية أو شغل قار من ناحية أخرى.

وهو يشير إلى إصابته على مستوى اليد، يقول محدّثنا إن هذه الإصابة أقعدته عن العمل بعد أن كان يعمل في مجال السياقة وحتى التعويض الذي قدمته الدولة للجرحى نفذ، معتبرًا أن توفير مواطن شغل لـ9 جرحى ليس بطلب تعجيزي للدولة، طبقًا لقوله.

طارق القديري (أحد جرحى ملحمة بنقردان): توفير مواطن شغل لـ9 جرحى ليس بطلب تعجيزي للدولة

وعلى وجه الجريحة مباركة المطيار، اجتمعت كل أمارات الأسى والحزن، وهي تحدّثنا عن إصابتها في بطنها وعدم قدرتها على العمل إثرها، والحال أنها العائل الوحيد لأختها وأمها المقعدة.

وهي تحاول أن تجمع شتات ابتسامة بعثرتها الخصاصة، تشير إلى أنّها تقدمت الى السلطات للحصول على ترخيص لامتلاك سيارة أجرة أو مقهى لكنها لم تتلق أي رد، مضيفة "أنا اليوم لم أعد أقوى على العمل ووضعي الاجتماعي متدهور في انتظار إعانة من الدولة بتوفير مصدر رزق قار".

 

اقرأ/ي أيضًا:

مدن الحدود الجنوبيّة لتونس: الإقصاء والعقاب (1/2)

مدن الحدود الجنوبيّة لتونس: الإقصاء والعقاب (2/2)