مكثر.. هل تبقى المعالم الأثرية شاهدة على حضارات مرت من هنا؟

مكثر.. هل تبقى المعالم الأثرية شاهدة على حضارات مرت من هنا؟

معالم تاريخية مُهملة ومخزون تراثي غير مثمّن (رجاء غرسة/ألترا تونس)

 

في مكثر حوالي 162 كم غرب العاصمة تونس، لا يزال "قوس باب العين"، و"قوس طراجان" وبقية المعالم الأثرية ومنها بلاط المدينة "مكتريم" أو "مكتريس" شاهدة على حضارات مرّت عبر التاريخ من هنا.

بدأت سلسلة الحضارات منذ العهد النوميدي، 200 سنة قبل الميلاد، حينما ازدهرت حضارتهم في شتى المجالات خاصة في عهد الملك ماسينيسا وأحفاده حتى سنة 46 قبل الميلاد تاريخ قدوم الرومان إلى مدينة. وقد اُكتشف الموقع الأثري أوائل القرن التاسع عشر باكتشاف معبد "اتور مسكار" (Hator Miskar) ثم اُستأنفت أعمال البحث للكشف عن بقية المعالم الظاهرة سنة 1960.  

ولكن تشكو المدينة اليوم الإهمال وانعدام أعمال الترميم والصيانة، كما تكررت محاولات السّرقة والتوسع العمراني على حساب المعالم التاريخية داخلها.

 تشكو آثار مكثر الإهمال وانعدام أعمال الترميم والصيانة كما تكررت محاولات السّرقة والتوسع العمراني في المدينة على حساب المعالم التاريخية

بالدخول عبر بوابة الموقع الأثري، وبدءً بالمتحف، نجد عشرات من القطع الأثرية وتماثيل ولوحة فسيفسائية مبهمة وحجارة أتى الزمن عليها فأذهب بعضًا منها كتب عليها أسماء ثمانية عشر موقعًا. وهذه المواقع هي معبد أوتور مسكار، ومسرح روماني، والساحة العمومية، وقوس ندر الامبراطور ترايانوس، والحي البيزنطي، ومنازل رومانية، وكنيسة مسيحية، والحمامات العمومية، والساحة العمومية النوميدية، ومعبد ذو دهليز، ومبنى غير معيّن، ومقر اجتماع الشبيبة، ومعلم خاص لدفع الأداءات، ومدافن جلمودية، وحمامات رومانية عبر طريق مبلّط محفورة تحته تجاويف مجهولة. وهنا "قوس النصر في الساحة تحته يحتفل القادة بانتصاراتهم في معاركهم"، هكذا حدّثنا أستاذ مادة التاريخ في نفس المكان قبل نحو تسعة عشر عامًا خلال رحلة تعليمية للموقع.

تنعدم أعمال الصيانة والترميم في الموقع الأثري بمكثر (رجاء غرسة/ألترا تونس)

 

اقرأ/ي أيضًا: جولة في رحاب تستور وعين تونقة ودقة: حينما تبوح حجارة المكان بأسرار التاريخ

وقد غطّت زهور الربيع تضاريس الموقع غير المستوية وتناثرت أعمدة وحجارة مصقولة وأخرى مفتتة بعضها يحمل نقوشًا، في حين لم تحافظ بعض المعالم إلا على أجزاء من أسسها لا يتجاوز ارتفاعها نصف المتر. وليس في الموقع بطاقات إرشادات واضحة عن المعالم وتاريخها ورمزيتها.

أقرّ رئيس بلدية مكثر الشادلي اللواتي في حديثه لـ"الترا تونس" بتجاهل مطالب المدينة في كل ما يتعلق بالمعالم الأثرية والمحافظة على هذا المخزون، مشيرًا الى عدم رد السلط الجهوية على المراسلات المتعلقة بإحداث متحف وطني وإحداث معهد عالي لعلوم الأثار ومهن التراث.

الشاذلي اللواتي (رئيس بلدية مكثر): لم تتجاوب السلط الجهوية مع المراسلات المتعلقة بإحداث متحف وطني وإحداث معهد عالي لعلوم الأثار ومهن التراث

ومنذ سنة 2011 بلغت المراسلات الموجهة من منظمات المجتمع المدني المحلي بالمدينة 21 مراسلة من أجل الحق في الإنصاف ورد الاعتبار. وكانت قد قدمت جمعيات محلية بطلب سنة 2016 لاعتبار مدينة مكثر "منطقة ضحية" وطالبت بحقها في التنمية وفي حماية مخزونها الأثري.

وأشار رئيس البلدية إلى التناقض فيما يخص تحجير الترخيص للبناءات أو تهيئة مواقع عمومية بدعوى أنها تحتوي على أثار من جهة، وعدم القيام بالحفريات الضرورية ونقل القطع الأثرية المحتملة إلى المتحف من جهة أخرى، وهو ما يكبل كل محاولات التهذيب والتهيئة على حدّ قوله.

دعوة لتثمين المعالم الأثرية في مكثر والقيام بحفريات لاستكشاف المعالم غير الظاهرة (رجاء غرسة/ألترا تونس)

 

وحول المعالم الأثرية بالمدينة، قال محدثنا إنه من جملة 40 هكتارًا داخل سور الموقع الأثري، لم يتم الكشف إلا عن جزء صغير منها فقط مبينًا أنه يتم استغلال حوالي ثلث ما يوجد من الموقع من معالم داعيًا إلى ضرورة تثمين هذه المعالم لخدمة التنمية في الجهة.

وأرجع ما تعانيه المعالم الأثرية من إهمال إلى عدم توفر المختصين والاعتماد على عملة عاديين لا يعيرون الاهتمام لما يوجد داخل الموقع، مفيدًا أنه خلال سنوات 2011 و2012 و2013 تعمد بعض العمّال تأجيره مرعًى للأغنام.

وفي السياق ذاته، أفاد أحد المتحدثين، رفض الكشف عن اسمه، لـ "الترا تونس" أنه يوجد إشكال بين الإدارة والباحثين وغياب للتواصل، مؤكدًا اعتماد المشرفين على الموقع على العملة العاديين عوض المختصين، ومشيرًا إلى تغوّل الباحث وتغليبه لمصالح شخصية ضيقة واعتماده على حظائر ظرفية، على حدّ قوله.

حفريات دقيقة مكلفة وآثار غير مكتشفة

اقترن اسم شاكر المولهي بعلم الحفريات، إذ دأب هذا الشاب منذ سنة 2015 على توثيق بين 35 و40 ألف صورة للمعالم الأثرية بهدف التعريف بها وحفظ ذاكرتها حال تأثرها بالمؤثرات المناخية، وفق حديثه لـ"الترا تونس".

 

اقرأ/ي أيضًا: "الماجل الأزرق" و"خزان السُّفرة".. معالم مائية تاريخية تصارع من أجل البقاء

وأكد محدثنا أن هذا القطاع يشكو من عدة نقائص رغم قيمته التاريخية وخصائصه الأثرية، مشيرًا بالخصوص لانخفاض ميزانية وزارة الثقافة التي لا تكفي للقيام بأعمال الحفريات المطلوبة في الموقع. وأضاف، في هذا الجانب، أن حوالي ثلاثة أرباع المعالم التاريخية مازالت مطمورة تحت الأرض، مشيرًا إلى وجود مؤشرات على وجود معالم لم تكتشف بعد وهو ما يتطلب يد عاملة مختصة ومواد أولية مكلفة وتقنيات يدوية دقيقة.

وتشكو المدينة تعدّيًا جائرًا للبشر على المخزون الأثري من خلال النبش العشوائي وسرقة الأثار حيث تمت سرقة 3 قطع من المتحف سنة 2006، بحسب ما أفاد أحد محدثينا.

كما اختفت قطعتان أثريتان على شكل رأس أسد كانت تزين منتزه "سانية المهندس" الفضاء الذي تمت تهيئته ضمن مشروع التنمية الحضرية المندمجة 1997-2001 بقيمة 150 ألف دينار، وهو فضاء مقابل الموقع الأثري في مدخل المدينة تم تحويل وجهته لتختفي القطع الأثرية.

شاكر المولهي (مهتم بآثار مكثر): حوالي ثلاثة أرباع المعالم التاريخية في مكثر مازالت مطمورة تحت الأرض ويجب توفير يد عاملة مختصة وتقنيات يدوية دقيقة لاكتشاف الآثار

وفي شهر أكتوبر/تشرين الأول 2018، ألقت دورية تابعة للإدارة الفرعية لمكافحة الإجرام للحرس الوطني القبض على أربعة اشخاص في منزل في مكثر كانوا يتحوزون مخطوطة باللغة العبرية تتكون من تسع صفحات من الجلد متآكلة وملتصقة بخيط متمثل في أمعاء دابة مجففة واستعمل جلدها في كتابة المخطوطة التي عثر في غلافها الخارجي على نجمة داوود وشمعدان.

وفي سياق متصل، أشار رئيس جمعية "مكتريس للعمل الجماعي" قيس بن أحمد إلى اختفاء رأس ثعبان من متاهة بالموقع الأثري لها بعد تاريخي ورمزي منبهًا مما يهدد المعالم التاريخي في المدينة من توسع عمراني وتلوث.

وكان قد أعطى وزير الثقافة محمد زين العابدين ومن الموقع الأثري بمكثر إشارة انطلاق الدورة الثامنة والعشرين لشهر التراث الذي انطلق يوم 18 أفريل/نيسان 2019. وقد أكد أن سليانة تحتوي على أكثر من 1800 موقعًا أثريًا مشيرًا إلى ضرورة فسح المجال للعلوم والحفريات التي يقوم بها المعهد الوطني للتراث للاهتمام بها في هذه الجهة التي تعتبر من أهم المناطق التي تتوفر على المخزون الذاكري والتراثي. وقد غنم الموقع الأثري من هذه الزيارة خارطة حديثة لتقديم الموقع تتكوّن من 23 معلمًا وجذاذة تعريفية لكل معلم.

ويقدّر متابعون أن إبرام اتفاقيات التعاون مع جامعات أجنبية على غرار ما هو معمول به في مواقع تونسية أثرية أخرى يمثل حلًا ناجعًا من أجل تثمين المخزون الأثري للجهة وتجاوز إشكال ضعف الميزانية وانعدام الموارد وتمكين المدينة من لعب دورها الاقتصادي والحضاري والثقافي.

 

اقرأ/ي أيضًا:

رباط المنستير.. حصن دفاع ومزار عبادة وبوابة علم

آثار تونس.. معالم تختزل التاريخ وتعاني التهميش