معركة طبلبة 23 جانفي 1952.. حين وقع المحتلّ في كمائن القرية الثائرة

معركة طبلبة 23 جانفي 1952.. حين وقع المحتلّ في كمائن القرية الثائرة

معركة طبلبة أسست للمقاومة الشعبية التي لا تحتكم للتخطيط المركزي

 

لم تكن معركة طبلبة بتاريخ 23 جانفي/كانون الثاني 1952 مجرد معركة يخوضها التونسيون في مواجهة المستعمر الفرنسي، فلم تكن الجبال موطن القرية الساحلية ولا الأدغال والبراري حاضنتها، بل كانت معركة بطولة وشراسة بين المساكن والأنهج.

طبلبة هي قرية ساحلية تمتد على أرض منبسطة تقع على مشارف سوسة شمالًا والمهدية جنوبًا، وهي قرية فلاحية على مشارف المتوسط تعرف منذ القدم بامتهان سكانها صيد السمك، إذ يمثل البحر مورد الرزق الرئيسي لسكانها.

قرية آمنة تؤمن بقيمة العمل، وكانت نشيطة اقتصاديًا واجتماعيًا وسياسيًا، ولها محطات بارزة في تاريخ تونس سواء من خلال رجال علم ودين انتشروا في كامل البلاد أو من خلال نشطاء سياسيين عملوا على إذكاء روح المقاومة وشاركوا في النشاط السياسي والمسلح صلب الحركة الوطنية.

 معركة طبلبة بتاريخ 23 جانفي 1952 قادها أبناء بلدة طبلبة الساحلية باستعمال كمائن صيد الأسماك ضد جنود الاحتلال الفرنسي

عشية 23 جانفي/كانون الثاني 1952 وفي حدود الساعة الثانية مساءً، انتشر نحو 150 مقاومًا ومن ورائهم كافة شباب البلدة ونسائها على امتداد كيلومتر من مدخل القرية من جهة المكنين إلى عمق البلدة. واتخذ الثوار أماكنهم في خطين متوازيين منتظرين رتلًا من عربات الجندرمة القادمين للقرية، وقد تمركز الثوار فوق الأسطح والمنازل والمستودعات وخلف "الطوابي" (أشجار التين الشوكي)، وقد شمل يومها الإضراب العام كافة مرافق القرية من دكاكين ومحلات تجارية ومدارس.

تزوّد أبناء طبلبة بأسلحة تقليدية بسيطة من بنادق ومسدسات ورشاشات، غير أنهم استعملوا في معركتهم هذه ما يسمى بـ "العصبان" وهو نوع من الديناميت يستعمله البحارة في صيد الأسماك.

صورة تجسد خطة المقاومين في طبلبة لاستهداف الجنود الفرنسيين

اقرأ/ي أيضًا: الذكرى الـ60 لاستشهاد مصباح الجربوع.. حمل السلاح ضد المحتل قبل الاستقلال وبعده

شهادات تاريخية

أدلى أحد المقاومين بطبلبة، وهو حبيب بالغالي، بشهادة في إحدى الصحف التونسية حول المعركة وقال: "فكرنا بأن نقوم بعملية نوعية في مدينتنا، وأن نضرب الجنود الفرنسيين بالمولوتوف لكن عدلنا عن ذلك معتبرين أن هذه الوسيلة لا تعطي أكلها فانتبهنا إلى أن البحارة كانوا يصطادون السمك بالديناميت فطلبنا منهم كمية منها وكنا نسميه آنذاك بالعصبان ولكنهم رفضوا أول وهلة، ثم طالبوني بالمال بصفتي أمين مال الشبيبة الدستورية وكانت الأموال متوفرة لديّ فأحضرنا 25 كلغ من المتفرقعات. وكنا نبقيها في ورشة محمد المروعي شهر "الحقازي" ووافق على صنع الذخيرة".

ويقول المقاوم علي بلغيث أصيل طبلبة في شهادة أخرى نشرتها جريدة الشروق: "أطلت طائرات العدو فحلقت طويلًا بسماء البلدة باعثة صفيرًا مزعجًا، ثم أطلت ست عشرة عربة مقلة جنودًا من اللفيف الأجنبي ودخلت البلدة أربعة تمشي رويدًا وما كاد الفوج الأول يصل وسط البلدة حتى بدأ طلق النار فانهال الرصاص على البلدة، فردّ الثوار على النار بالمثل وألقوا بقنابل ذات فتائل مشتعلة فانفجرت محدثة دويًا هائلًا زلزل الأرض زلزاًلا عنيفًا تخال البلدة دمرت تدميرًا".

مراسلة من الإقامة العامة لفرنسا في تونس حول معركة طبلبة

ويضيف: "توالى القصف وتكرر رمي القنابل وحمي الوطيس، الرصاص ينصبّ من كل جانب والقذائف تهبط كالصواعق واكفهر الجو وانتشر الدخان واشتعلت النيران هنا وهناك وظل الرصاص يصبّ كالمطر، وأصبح الثوار وقد زاد عددهم... لا يفكرون في الاتقاء أو الاحتماء يرمون بلا مبالاة في ثبات ومهارة وهناك أفراد من الشبيبة في سرعة يمدون الذخيرة المكدسة داخل بعض المستودعات الموصدة يخرجها لهم مسؤولون عنها من نوافذ وفوهات خلفية لاصقة بالسقوف وتواصل القتال فاستشهد بعض الرجال والنساء وعلا التكبير والتهليل والزغردة واختلط أزيز الرصاص بدوي القنابل وصياح البعض".

ويواصل المقاوم في سرد شهادته التاريخية: "ازداد الثوار حماسًا واندفع إلى الميدان أربعة شبان فرموا قذائفهم، أصاب الأول ثلاثة جنود سقطوا مكانهم وأصاب الثاني عربة فاحترقت وقتل الثالث قبل أن يتمكن من الرمي وأصاب الرابع اللاسلكي فصار دخانا فانقطع اتصال المهاجمين بمن كان يرشدهم ففتر الرمي وهدأ القتال بعد أن دام نحو الساعتين فجمع العدو خسائره.. وقفل راجعًا ولاذ الثوار بالفرار".

كمين بمصائد الأسماك

لم تكن هذه المعركة مقدّر لها إلا أن تحدث في ذاك التاريخ بالذات لأن المقاومين قد استعدوا لمواجهة ما منذ خطاب الحبيب بورقيبة في 9 جانفي/كانون الثاني 1952 بالمنستير والذي جيش فيه المقاومة المسلحة، غير أن الابتكار الذي أحدثه أهالي طبلبة هو خوض معركة داخل مناطق العمران وبطريقة الكمائن عبر مصائد الأسماك.

اقر/ي أيضًا: الجرائم الفرنسية ضدّ التونسيين والثأر غير المنسي

تآلفت الخبرات من أجل خطة عسكرية غير تقليدية للإيقاع بالغاصب المستعمر، وهكذا حدثت مواجهة تلقائية بوسائل مستمدة من بنية المجتمع المحلي ورواسبه الثقافية.

ارتقى في معركة طبلبة، يوم 23 جانفي/كانون الثاني 1952، 8 شهداء من أبناء القرية من بينهم امرأتان، وهم عامر بن عبد السلام بيوض، وآمنة بنت علي إبراهيم، ومحبوبة بن سالم بالسوسية، وعثمان بن أحمد بالسوسية، وعمر بن عبد الكريم بن محمد بيوض، ومحمد بن عبد القادر المستيري، وأحمد بن فرج بن مصطفى التركي وشبيل بن محمد بن حسن نوير.

وقد تحدثت أنباء عن مقتل عدد من الجنود الفرنسيين غير أن تكتم السلطات الاستعمارية عن العدد الأصلي حجب حقيقة خسائرهم إلى اليوم في حين تحدثت إذاعة "هنا لندن" آنذاك عن 8 قتلى في صفوف الجنود الفرنسيين.

أسماء شهداء معركة طبلبة على لوحة رخامية

دور طلائعي للمرأة المقاومة

لم يقتصر دور المرأة في معركة طبلبة على الإسناد فحسب بل كان يتصدر المعركة، هي معركة القرية وليست معركة الجبل فكانت المرأة تغذي الحماسة عند الرجال وتوفر السند اللوجستي قبل المعركة وتقدمت عند خطوط المواجهة الأولى فتعرضت مباشرة إلى رصاص العدو على غرار الشهيدتين آمنة ومحبوبة.

وقد نظم فيهما الشاعر جيلاني البدوي قصيدًا ناشدًا:

أماه حتى الثمالة روينا مرابعها          في ذلك اليوم حتى استوصل الورم

يناير يا أماه يختال في شوارعنا ينساب في "السفرة" مثل الصبح ويبتسم

وآمنة ملاك تزغرد في حضنه             في نخوة الأبطال لا زلّت بهم قدم

"صوالة" تلقاه محبوبة التي هبت             ولم تصرخ "ألا أواه معتصم"

ولم تتوقف معاناة المرأة المقاومة في حدود يوم المعركة بل امتدت بعد ذلك عبر شن المستعمر الفرنسي حملة تنكيل ضارية في اليومين المواليين للمعركة، حينما اتخذ النساء رهينة لجبر أزواجهن وأبنائهن على الاعتراف، وترهيبهن باقتيادهن إلى المحتشدات لتسليط المزيد من الضغط النفسي عليهن وعلى أهاليهن.

عادل بالكحلة يخصص كتابًا حول بطولات المعركة

يقول الجامعي والباحث في علم الاجتماع عادل بالكحلة في كتابه "التحولات النّحلية في الاجتماع المحلي التونسي الحديث-حالة محلّة طبلبة" إن ما وقع في 23 جانفي/كانون الثاني 1952 بطبلبة "ليس أحداثًا أو حادثة، أو مجرد معركة كما يشاع، أي ليس وقائع متناثرة. إنها حركة اجتماعية لها إبداعيتها التاريخية، بل إن مداها يتجاوز إطارها الجغرافي ليصل المدى القطري".

كما تحدث بالكحلة في ذات الكتاب عن الاستفزازات التي قام بها الجنود الفرنسيون يوم 18 جانفي/كانون الثاني بالبلدة، إذ قال إنهم دخلوا المقاهي وتحرشوا بالمواطنين العزل عن طريق دراجاتهم ذات المحرّك وكلابهم وكلماتهم، وهو ما كان كفيلًا بإثارة الحماسة الوطنية في نفوس أكثرية أهل البلدة.

وأضاف الجامعي المختص في علم الاجتماع، محلًلًا قيادة المعركة، بقوله: "إنها قيادة شابة، إذ لا يتجاوز معدل الأعمار فيها الخامسة والثلاثين، وهي تتكون من تركيبة بين هيئة الشعبة وهيئة الشبيبة الدستورية وجنود سابقين بالجيش الفرنسي، ورغم عدم تمرسها بأمر حرب الشوارع، فلقد أثبتت أنها تمتلك ذكاء قتاليًا لا يستهان به".

ووصف المقاوم عبد السلام شبل بأنه من النموذج القيادي التعاوني إذ سمح له انتماؤه المبكر لمنظمة "الهلال الأسود" وانتماؤه السري للحزب الدستوري القديم وصوت الطالب الزيتوني بأن تكون مشاركته في إعداد خطة المعركة مشاركة رئيسية.

أعد المقاومون كمينًا مستلهمًا من الكمائن السمكية المستعملة في صيد الأسماك

كما أكاد بالكحلة في تحليله للكمين بأنه مستلهم من الكمائن السمكية، وقد اُستلهمت الخطة من بعض أساليب الصيد البحري وخاصة "الدَّمَّاسَة"و"الدْرِينَة" و"التَّحْلِيقْ" و"الكِيسْ" والدليل على ذلك أن الكمين العسكري يكون بجناح واحد، في حين أن كمين 23 جانفي بجناحين، فهو محاك لكمائن "الدَّماسَة" و"الدْرِينة" و "التَّحْليقْ" و "الكِيس" إذ يتميز كل واحد منها بجناحين قبل وقوع السمك في "الشْكَارَة" التي نَظِيرها في الحادثة هو منعرج "السُّفْرَة" بوسط البلدة.

وأشار أن بعض المساهمين في وضع الخطة هم بحّارة معروفون بممارستهم لأساليب الصيد هذه علاوة على تمرسهم بالاستعمال المهني لـ" العُصْبَانْ" التي يعرفه بأنه "المفرقعات المحلية الصنع حسب الاصطلاح الحركي تعميةً على المستعمر وعيونه المحلّيين".

ويخلص عادل بالكحلة بأنه نتيجة لدور البحارة في المعركة، فقد نالهم النصيب الأوفر من الانتقام الاستعماري لأنهم أصحاب السلاح الأنجع في الواقعة، أي "العُصْبَان"، إذ وقع الاحتفاظ بهم في المحتشد يومًا إضافيًا.

أسست، بالنهاية، معركة قرية طبلبة، القرية المتمردة، للمقاومة الشعبية التي لا تحتكم للتخطيط المركزي، وقد وضعت حجر الزاوية نحو تحقيق الاستقلال الذاتي لاحقًا، كما فضحت الجرائم الاستعمارية في مواجهة الثورة التونسية التي عمت البلاد طلبًا للاستقلال.

روضة شهداء معركة طبلبة

 

اقرأ/ي أيضًا:

علي الزليطني.. قصة أحد مناضلي الاستقلال المنسيين

كيف كانت بنزرت قاعدة عسكرية "نووية"؟