ماهو مآل تقارير هيئات الرقابة المالية والإدارية؟

ماهو مآل تقارير هيئات الرقابة المالية والإدارية؟

تقارير الهيئات كشفت إهدارًا للمال العام (فتحي بلعيد/أ.ف.ب)

 

أصدرت دائرة المحاسبات تقريرها الحادي والثلاثين نهاية ديسمبر/كانون الأول 2018، وقد شملت المهمة الرقابية ثلاثة أبواب هي البرامج العمومية والأنشطة القطاعية، ومصالح الدّولة والمؤسّسات والمنشآت العمومية والجمعيات، وكذلك مصالح الدولة على المستوى الجهوي والجماعات المحلية.

وقد أثار التقرير حالة من الجدل في وسائل الإعلام ومواقع التواصل الاجتماعي لما تضمنه من إخلالات كبيرة وإهدار للمال العام خاصة في المؤسسات العمومية.

وقد سلمت الدائرة التقرير إلى الرؤساء الثلاث غير أن المثير للغرابة هو غياب أي رد حكومي رسمي على هذا التقرير، وقبلها على تقارير هيئات الرقابة المالية، رغم حجم التجاوزات الكبيرة المسجلة. ما يدفعنا إلى السؤال حول مصير تقارير هيئات الرقابة وكيف يتم التعامل مع الإخلالات وعمليات الفساد المرصودة ضمنها.

أثار تقرير دائرة المحاسبات حالة من الجدل في وسائل الإعلام ومواقع التواصل لما تضمنه من إخلالات كبيرة وإهدار للمال العام

عديدة هي الهيئات واللجان التي تعمل على إرساء الحوكمة الرشيدة وحسن التصرف في المال العام ومكافحة الفساد، وتختم هذه الهياكل أشغالها دوريًا بتقارير سنوية حول مجال تدخلها المناط بعهدتها، تقع إحالتها إلى الجهات المعنية.

والهيئات الرقابية لها أبعاد وقائية وزجرية بالأساس باعتبار أن الرقابة تعتبر أبرز الركائز الضامنة لحسن التصرف والمحافظة على المال العام، وهي رقابة موجهة نحو الأجهزة والهياكل العمومية من إدارات ومؤسسات وجماعات محلية.

اقرأ/ي أيضًا: تقارير الهيئات الرقابية في تونس.. أي مصير؟

وفضلًا عن دائرة المحاسبات ذات الطبيعة المزدوجة كهيكل قضائي ورقابي في آن واحد، توجد ثلاث هيئات رقابية أخرى وهي على التوالي هيئة الرقابة العامة للمصالح العمومية، وهيئة الرقابة العامة للمالية وهيئة الرقابة العامة لأملاك الدولة والشؤون العقارية عدا عن التفقديات الوزارية التي تمارس رقابتها على إدارات الوزارات والمؤسسات التي تحت إشرافها بالإضافة لهياكل التدقيق الداخلي داخل المؤسسات والمنشأت العمومية.

للتنسيق بين هذه الهيئات ومتابعة تقاريرها، بُعثت الهيئة العليا للرقابة المالية والإدراية التي تتولى تأمين ومتابعة تنفيذ التوصيات المضمنة بتقارير التفقد وهياكل الرقابة وتقديم مقترحات بخصوص إجراءات تلافي الاخلالات.

يؤكد كمال العيادي، رئيس الهيئة العليا للرقابة المالية والإدارية، في تصريح لـ"الترا تونس" أن دائرة المحاسبات كهيئة رقابية لها الحق في إحالة بعض الملفات إلى القضاء مباشرة دون الرجوع إلى أي جهة إذا ثبت وجود إخلالات ترتقي لشبهة فساد، في حين أن هياكل الرقابة العامة التابعة لرئاسة الحكومة ووزارة المالية ووزارة أملاك الدولة لا يمكن لها إحالة الاخلالات التي ترتقي إلى شبهات فساد إلى القضاء على اعتبار أن الإحالة من مهام وزارة الإشراف.

كمال العيادي (رئيس الهيئة العليا للرقابة المالية والإدارية): دائرة المحاسبات لها الحق في إحالة بعض الملفات إلى القضاء مباشرة دون الرجوع إلى أي جهة

وقد رصدت الهيئة العليا للراقبة العليا المالية والإدارية ما يقارب 4039 إخلالًا خلال البحث في 108 تقريرًا رقابيًا، وهي تعالج هذه الاخلالات في شكل توصيات كما تتابع ما تم إصلاحه منها. ويخبرنا كمال العيادي أنه تم إصلاح أكثر من 60 بالمائة من الإخلالات المسجلة.

وكانت تقارير الهيئات الرقابية ممنوعة من النشر زمن الاستبداد ما يحجب قيمة أعمالها، ليتغير الحال بعد الثورة لتصبح التقارير منشورة للعموم، وقد أصبحت الاخلالات المرصودة مكشوفة وهي تشمل عمومًا عدة محاور منها التلاعب بالصفقات العمومية والانتدابات وسوء التصرف في المال العام إجمالًا مع ضعف تجاوب المؤسسات المعنية في معالجتها.

نبيل عبد اللطيف، الرئيس الشرفي لهيئة الخبراء المحاسبين، يقول إن التجاذبات السياسية بعد صدور تقرير دائرة المحاسبات غير مقبولة، ويوضح في حوار لـ"ألترا تونس" أن دائرة المحاسبات ترصد الاخلال ثم تراسل المؤسسة المعنية من أجل التوضيح، وعندما لا يكون الرد مقنعًا تضمّن الدائرة في التقرير الاخلال ورد المؤسسة عليه وهو مستوى عالي من الشفافية حسب توصيفه.

وبخصوص إقالة المسؤولين المتعلقة بهم شبهات فساد، يؤكد عبد اللطيف أن هذه القرارات سياسية بامتياز وتعود إلى رئيس الحكومة.

وتتضمن تقارير الهيئات الرقابية إلى جانب الإخلالات التي ترتقي إلى شبهات فساد، أخطاء التصرف التي تحيلها دائرة المحاسبات إلى دائرة الزجر المالي، فيما تحيلها بقية الهيئات الرقابية إلى إلى سلطة الاشراف ومنها إلى القضاء.

نبيل عبد اللطيف (الرئيس الشرفي لهيئة الخبراء المحاسبين): التجاذبات السياسية بعد صدور تقرير دائرة المحاسبات غير مقبولة

أما بالنسبة للإخلالات الأخرى، يقول كمال العيادي، رئيس الهيئة العليا للرقابة المالية والإدارية، في حديثه معنا: "نحن نتابع عن كثب التقارير التي تصلنا، فنترجم الإخلالات التي تحتويها في شكل توصيات ونبدأ مساعي الإصلاح مباشرة مع المتصرف العمومي".

ويشير أنه تطبيقًا لهذه الاستراتيجية، تمكنت الهيئة العليا للرقابة المالية والإدراية من القيام بمسح شامل لتقارير السنوات الخمس الأخيرة المتعلقة بعدد من الوزارات أهمها وزارة البيئة، ووزارة التجهيز والإسكان.

في الأثناء وعلى ضوء ما تضمنه من إخلالات، أحدث التقرير الأخير لدائرة المحاسبات رجة في الأوساط الإدارية التونسية ودفع بالمتصرف العمومي إلى التفاعل مع الهيئات الرقابية وفق تأكيد محدثنا كمال العيادي.

 يُشار إلى أنه حسب تقرير لصندوق النقد الدولي، فإن كلفة اللاحوكمة هي ضعف كلفة الفساد، وهو ما يدفع إلى مزيد تنظيم عمل الهيئات الرقابية ودعمها ماليًا ولوجيستيًا مع تركيز استراتيجية واضحة للحوكمة وإصلاح الإخلالات وتفاديها.

 

اقرأ/ي أيضًا:

تقرير دائرة المحاسبات: 10 خروقات خطيرة في مستشفى عزيزة عثمانة

10 حقائق وتجاوزات في التصرف في أسطول "الخطوط التونسية"