05-ديسمبر-2016

الرئيس التونسي المخلوع بن علي (Getty)

مقال رأي 

 

في فعاليات المؤتمر الدولي للاستثمار "تونس 2020" الذي انعقد قبل أيام، أو في الخطاب الرسمي عمومًا بخصوص تهيئة المناخ المناسب للاستثمار وللنهوض الاقتصادي، يصرّ الفاعلون السياسيون باسم الدولة في تونس مؤخرًا على الترويج لفكرة "تونس عائدة"، وذلك كما عبر عنها الوسم "Tunisia is Back" الذي استعمله وزراء تونسيون بكثافة خلال الفترة الأخيرة.

فكرة العودة لتونس "زمان" لا تفترض كرونولوجيًا إلا العودة لتونس قبل الثورة. وإن كان يتجه القول ردّا، بأن المقصود هو العودة للمناخ الاقتصادي تحت عنوان واسع هو الاستقرار، وذلك دون معنى المناخ السياسي، فالوسم المنتشر قد أخطأ هدفه مجددًا وذلك على فرض أن من يصرّون على الترويج لـ"تونس عائدة"، أو على الأقل أغلبهم، لا يقصدون حنينًا للماضي برمّته دون تمييز على الأقل.

المشكل الحقيقي في هذا الوسم كذلك أن جزءًا كبيرًا ممّن يردّدونه يعتقدون ببساطة أن مشكلة نظام بن علي تتعلق بتضييقه على الحقوق والحريات، بهدف السيطرة على السلطة والاستبداد باسمها، غير أنهم لا يعيبون على هذا النظام منواله الاقتصادي وفساده الذي ضرب الاقتصاد.

حكومات بن علي كانت تقوم برامجها على خطط خماسية، فعدم كفاءة البيروقراطية الحاكمة كان العامل الأكثر إشكالًا في قطاع الأعمال

هذا الاعتقاد تؤمن به عديد الشخصيات التي لم يكن لها في السابق موقف "معلن" على الأقل من نظام بن علي، والتي كانت مرتبطة بشبكات المصالح الاقتصادية لهذا النظام، وهذا الصنف من الشخصيات هو الذي يسيطر اليوم عمومًا على الحكومة.

 

 

كان نظام بن علي نظامًا بوليسيًا مافيوزيًا بامتياز، فلم يكن صدفة أن يهتف التونسيون في أول احتجاجات الثورة في كانون الأول/ديسمبر 2010 شعار "التشغيل استحقاق يا عصابة السراق". وهو ما يكشف عن محورية ملف مكافحة الفساد الذي جعل حاشية بن علي تتمتع بامتيازات اقتصادية على حساب بقية رجال الأعمال.

وربما الملفات التي تم كشفها بعد الثورة في هذا الجانب بينت كيف تعامل نظام بن علي مع مقدّرات الشعب التونسي كعصابة ناهبة، ولذلك لم تكن الأزمة الاقتصادية الحالية إلا نتيجة طبيعية للتركة الثقيلة للنظام السابق.

كشف تقرير أصدره البنك الدولي بعد الثورة بأن الأوضاع الاقتصادية ازدادت سوءًا منذ زمن بن علي مع استفادة فئة مقربة من نظامه من التحرر الاقتصادي بسيطرتها على عمليات الخصخصة في ميادين مختلفة كالعقارات ووسائل الاعلام والبنوك والنقل.

وأوضح هذا التقرير بأن حكومات بن علي كانت تقوم برامجها على خطط خماسية حسب البرامج الانتخابية له، وبالتالي فإن عدم كفاءة البيروقراطية الحاكمة كان العامل الأكثر إشكالًا في قطاع الأعمال. كما عانى النظام المصرفي نتيجة تعيين أعضاء مجلس إدارات البنوك، على أساس ولائهم السياسي فيما كانت تخضع قرارات الإقراض للتدخل السياسي.

 

 

 

هذه بضع مؤشرات تؤكد أن المناخ الاستثماري لم يكن صحيًا في زمن بن علي، بل كان منفرًا للاستثمار المباشر وغير المباشر وخاصة الاستثمار الأجنبي. ولذلك فشل نظام بن علي نفسه في جلب رؤوس أموال كبرى.

المناخ الاستثماري لم يكن صحيًا في زمن بن علي، بل كان منفرًا للاستثمار المباشر وغير المباشر وخاصة الاستثمار الأجنبي

ففي هذا الجانب، كشف سفير تونس لدى دولة قطر أحمد القديدي بعيد الثورة أن فساد حاشية المخلوع بن علي حرم تونس من استثمار قطري تبلغ قيمته 6.3 مليارات دولار بسبب طلب أحد مستشاريه لرشوة بقيمة 700 مليون دولار من المستثمرين القطريين شرطًا لإتمام تنفيذ المشروع المتمثل في مصفاة للنفط جنوبي البلاد. وربما ما خُفي أعظم.

يحتاج الاستثمار في أي قطاع وفي أي بلد لبيئة صحية وهي جملة من الشروط الموضوعية الضرورية من بينها الاستقرار السياسي وهو ما لم يكن متوفرًا في نظام استبدادي ثار ضده الشعب بالنهاية. كما يحتاج لمناخ محفز لرؤوس الأموال عبر الشفافية المالية والنزاهة واستقلالية القضاء الذي يحتكم إليه المستثمر حين النزاعات.

ولذلك، كان يجب أن يكون شعار الندوة الدولية للاستثمار هو "تونس الجديدة" أو "تونس قادمة" بعيدًا عن فكرة "العودة" التي هي في الواقع عامل منفر لا محفز للاستثمار خاصة بالنسبة للمستثمرين الأجانب الذين ما زالوا ينظرون بحذر للمناخ السياسي والاقتصادي في تونس.

 

  • المقالات المنشورة في هذا القسم تُعبر عن رأي كاتبها فقط ولا تعبّر بالضرورة عن رأي "ألترا صوت"