08-مايو-2019

عولة رمضان هو تقليد متجذر في المجتمع التونسي (Getty)

 

"عولة رمضان" تقليد متجذّر تستقبل به العائلات التونسية شهر الصيام، وهو من العادات الراسخة في المجتمع التونسي والغاية منها توفير احتياجات المرأة في المطبخ من توابل وحبوب ودقيق وحتى الأواني التي تجدّدها ربّات البيوت كل سنة في نفس الموعد.

وقبل حلول شهر رمضان، تعكف بعض النساء التونسيات على إعداد "العولة" متعفّفات عمّا تعرضه المغازات والمساحات التجارية الكبرى من المواد التي يمكن أن يصنعنها بأنفسهن في المنزل.

"عولة رمضان" هي من العادات الراسخة في المجتمع التونسي والغاية منها توفير احتياجات المرأة في المطبخ من توابل وحبوب ودقيق وغيرها

وعولة رمضان تشمل في مرحلة أولى "الشربة" سواء كانت مستخرجة من سنابل القمح أو الشعير، و"الكسكسي"، و"البسيسة"، والتوابل، و"الهريسة العربي"، والثوم، والنعنع والمخللات.

وفيما تنكبّ بعض النساء على إعداد "العولة" بأنفسهن، تعوّل أخريات على نساء جعلن من هذا التقليد مصدرًا لرزقهن، إذ تعرضنها على النساء اللواتي يبحثن عن المنتوجات المنزلية بمقابل مادي.

وإن كانت النساء اللاتي يعددن "العولة" بمقابل يسوّقن لأنفسهن من خلال محلات بيع المواد الغذائية أو عبر توصيات بعض النساء اللاتي اشترين منتوجاتهن، فإنّهن اليوم يستعملن وسائل التواصل الاجتماعي أيضًا لعرض منتوجاتهن.

تسويق منتجات "العولة" عبر مواقع التواصل الاجتماعي

 

عادة قديمة

تقبل بعض النساء على شراء "العولة" جاهزة حفاظًا على هذه العادة المتجذّرة ذلك أنّهن لا يستطعن تحضيرها بأنفسهن لأسباب مختلفة من بينها ضيق الوقت أو الجهل بكيفية تحضيرها.

آسيا الخالدي، عاملة بشركة لبيع الأثاث، هي من بين النساء اللاتي دأبن على عادة "التعويل" أيامًا قبل رمضان بالاستعانة بامرأة تحضرها إلى منزلها في السنوات الأخيرة، لتعدّ لها ما تيسّر من "الشربة" و"البسيسة" والتوابل، وفق حديثها لـ"ألترا تونس".

تقبل بعض النساء على شراء "العولة" جاهزة حفاظًا على هذه العادة ذلك أنّهن لا يستطعن تحضيرها بأنفسهن لأسباب مختلفة

اقرأ/ي أيضًا: المهن الموسمية في رمضان.. باب رزق

وتضيف: "كانت أمي في السابق تعدّ عولة رمضان ولكن بعد وفاتها وحفاظًا على هذه العادة أستعين بامرأة مشهود لها بالإتقان، ومن خلال ما تعدّ أستحضر حركة أمي في المنزل واهتمامها بصغائر التفاصيل".

وتشير إلى أنّها ستظل تحافظ على هذه العادة ما بقيت حيّة لأنّها ترى فيها امتدادًا لما كانت تقوم به والدتها، كما أن رائحة المنتوجات المنزلية تحيلها إلى زمن جميل وذكريات لا تُنسى على حدّ تعبيرها.

ومن بين العادات الأخرى التي تحافظ عليها آسيا الخالدي، اقتناء أوان فخارية قبيل شهر رمضان وهي الأخرى عادة ورثتها عن أمّها وتقول إنها ستورّثها لابنتها لأنّ التجديد يضفي روحًا جديدة على طاولة الإفطار، وفق قولها.

فوائد صحية واقتصادية

رغم تقدّمها في السن، لا تزال خيرة المرايحي تحضّر "العولة" استعدادًا لشهر رمضان، وتعدّ منها كميات كبيرة توزّعها على أبنائها وبناتها الذين يتشاركون في اقتناء المستلزمات، وفق حديثها لـ"ألترا تونس". وتقول الخالة خيرة إنّ عولتها تشمل "الكسكسي"، والشربة، و" البسيسة"، والقهوة، والفلفل الأسود، والهريسة، والطماطم المجففة، والفلفل الأحمر، والكركم، والتابل، والثوم، والنعنع، والإكليل، والزعتر مشيرة إلى أنّ بهو منزلها يتحوّل إلى فضاء لتجفيف "العولة".

تشمل "عولة رمضان" إعداد التوابل والحبوب والدقيق وتجديد الأواني

 

وتؤكّد محدّثتنا أن "العولة" التي تصنعها بيديها لا يضاهيها طعم آخر بشهادة كل من تذوّقها، وأنّها تجمع بين الرائحة الزكية والطعم اللذيذ كما أنّها صحيّة وخالية من المواد الإضافية التي قد تكون مضرّة بالصحة، على حدّ تعبيرها.

اقرأ/ي أيضًا: البريك.. الشمس التي لا تغيب عن مائدة رمضان

وتلاحظ أيضًا أنّ إعداد مستلزمات المطبخ منزلياً فيه فوائد اقتصادية، إذ أنّ تحضيرها وإن كان ينطوي على تعب جسدي فإنّه أقل تكلفة من اقتناء هذه المواد بصفة يومية في شهر الصيام.

وتشير إلى أنّها ورثت هذه العادة من أمّها التي ورثتها بدورها عن جدّتها وأنّها وأخواتها لم تنقطعن عنها منذ أن استقرين في بيوتهن، ولكن الجيل التالي وبحكم التطور المعيشي وخروج المرأة إلى العمل لم يعد يولي هذه العادة الكثير من الاهتمام، على حد تعبيرها.

حنين إلى الماضي

من جهته يرى الباحث في علم الاجتماع ممدوح عز الدين أنّ المناسبات الدينية والاجتماعية المتكرّرة لها طقوسها الخاصة التي تميّزها، ومن بينها "العولة" وتغيير الأواني حسب المناسبة.

ويضيف عز الدين، في تصريح لـ"ألترا تونس"، أن كل حدث مناسبتي يرتبط بتحضيرات خاصة، مشيرًا إلى أنّ الممارسة المتعلّقة بـ"عولة رمضان" ماضية نحو التقلّص وأنها أصبحت تندرج في خانة الحنين إلى الماضي، طبقًا لحديثه.

ممدوح عز الدين (باحث في علم الاجتماع): "عولة رمضان" ماضية نحو التقلّص وأصبحت تندرج في خانة الحنين إلى الماضي

ويعتبر محدّثنا أنّ الاستعدادات التي تسبق شهر رمضان من "عولة" وتغيير للأواني ليست ظاهرة بقدر ماهي حالات فردية تنتشر خاصة في العائلات التي يغلب عليها الطابع التقليدي، وفق قوله.

ويشير في سياق متّصل إلى أن الممارسات الاجتماعية ووضع المرأة والثقافة تغيّرت اليوم إذ لم تعد الثقافة التقليدية مهيمنة، بل هناك ما يسمّى بالتعايش المتغاير الذي يجمع بين الثقافتين التقليدية والحديثة دون هيمنة إحداهما على الأخرى على حدّ تعبيره.

 

اقرأ/ي أيضًا:

"رائحة رمضان".. كيف تستعدّ المدينة العتيقة بسوسة للشهر؟

وإذا "بوطبيلة" سئل.. بأي ذنب وئد؟