جولة في

جولة في "الجلاز".. ذاكرة الوطن للنسيان

7724 مشاهدة
الدولة التونسية مطالبة بالاهتمام أكثر بمقبرة الجلاز أين جزء واسع من تاريخها

وأنا أتقدم نحو مقبرة الجلاز (مقبرة الحاضرة ثم العاصمة تونس) قادمًا من باب عليوة (أحد أبواب مدينة تونس العتيقة) ومن زحمة الأسواق وباعة الرصيف والمقاهي المزدحمة، وقفت في مكان مهيب عاش أهم حدث نضالي أقدم عليه التونسيون تجاه المستعمر الفرنسي، إنها أحداث الجلاز التي جدت نهاية الأسبوع الأول من شهر نوفمبر/ تشرين الثاني 1911.

في هذا المكان أين أقف، تجمهر أكثر من ثلاثة آلاف تونسي في ذلك اليوم المشهود للدفاع عن مقبرتهم القديمة، مقبرة الجلاز التي أرادت فرنسا تحويل صبغتها العقارية من "حبس" (أوقاف) إلى ملكية فرنسية حتى يتسنى لها اقتطاع جزء منها لمد السكة الحديدية وتوسيع الطرقات. في ذاك اليوم أراد فريق هندسي فرنسي رسم حدود المقبرة وكان محميًا بالجندرمة والجيش. لكن أبناء الشعب التونسي دافع عن مقبرته باستماتة، دافعوا عن هويتهم وتاريخهم، دافعوا عن شيخهم أبي الحسن الشاذلي، مؤسس الطريقة الشاذلية، وعاشق القهوة ("وراس ها شاذلية".. كناية عن القهوة، وتلك قصة أخرى نرويها مرة أخرى) والذي ينام في أعلى المقبرة قريبًا من السماء. في المكان حيث أقف سالت دماء تونسية دفاعًا عن الأرض. نعم لقد انتصر التونسيون على فرنسا في أحداث الجلاز.

هذه الملحمة والتي تشبه في هيبتها ورمزيتها ومعانيها ثورة 14 جانفي/ كانون الثاني 2011، لم تخلّد بالشكل المطلوب ولم ترو فصولها للأجيال ولم يغص المؤرخون في ثنايا القصة ولم تذهب السينما إلى عمق الملحمة لتحوّلها إلى فنّ وحتى النص المدرسي لم يقدّم القصة طازجة بل بسطها للتلاميذ بجفاف واختصار ورداءة. فذهب توهّج الحكاية بمرور الأيام.

مقبرة الجلاز أو "الزلاج" حسب اللهجة التونسية، تعود إلى العهد الحفصي ونسبت إلى الشيخ "محمد بن عمر بن تاج الدين الجلاز"

تقدمت نحو المقبرة وفي البال أغنية، إنها أغنية تخلّد ملحمة الجلاز:

"برّه و إيجا ما تردّ أخبار

على الجرجار

يا عالم الأسرار، صبري لله

بعينينا أحنا شفنا.. وأحنا صحنا .. يامة ضربوني.. خلوني نبكي بالغصة ..

يا عالم الأسرار صبري لله... "

اقرأ/ي أيضًا: مقالة في"طبع المزموم".. أو عندما تخوض الموسيقى معركة التحرر

هذه الأغنية عمرها أكثر من مائة سنة وقد قيلت على لسان حال أمّ المنوبي الخضراوي المكنى بـ "الجرجار"، الذي أعدم صحبة رفيقه الشاذلي بن عمر القطاري في ساحة باب سعدون (أحد اشهر أبواب المدينة العتيقة بالعاصمة تونس) فجر يوم 24 أكتوبر/تشرين الأول 1912 بعد سنة من حوادث الجلاز.

لقد كان ذلك اليوم قاسيًا وأسودًا على التونسيين إذ لأول مرة يقوم المستعمر بتلك "المشهدية" المرعبة وذاك الاستعراض للقوة: مقصلة جلبت خصيصًا من الجزائر وإعدام مواطنين في ساحة عامة بحضور الأهالي. كان الجرجار من الأبطال الذين استبسلوا في الدفاع عن المقبرة وشرف الأجداد الذين ينامون داخلها. والدة الجرجار حضرت إعدام ابنها والأغنية تصف لوعتها وألمها وانكسار قلبها " بره و إيجا ما تردّ أخبار .. على الجرجار.. يا عالم الأسرار صبري لله" .

مقبرة الجلاز أو "الزلاج" حسب اللهجة التونسية اليومية تعود إلى العهد الحفصي ونسبت إلى الشيخ " محمد بن عمر بن تاج الدين الجلاز"، وهو من أتباع أبي الحسن الشاذلي. وتقع المقبرة على سفح جبل التوبة المطل على العاصمة تونس في منظر بديع وخلاب، حتى أن الرسام التونسي اليهودي"بيار بوشارل"، والذي عاش بتونس في القرن الثامن عشر، كان يزور المقبرة ويصعد الجبل ويزور المقام. كما كان مفتونًا بهذا المكان وله رسومات رائعة تخلّد حاضرة تونس (قبل تسمية العاصمة) في تلك الفترة وهي مرجع تاريخي اليوم للباحثين.

اقرأ/ي أيضًا: حمامات تونس.. متنفّس أجساد الفقراء

في الجلاز تكتمل فلسفة الوجود: الحياة ـ الحب ـ الموت

دخلت المكان التاريخي المهيب. وما إن تبدأ في الرحلة وتتجول ببصرك في تلك الأمواج البيضاء من القبور وتضع يدك على قبر عمره قرن ونيف حتى تكتمل في ذهنك فلسفة الوجود بأضلاعه الثلاثة: الحب والموت والحياة. هذه الأضلاع التي يتحدث عنها الفيلسوف الروسي "مايكل باختين" في كتابه "جماليات الإبداع اللفظي" ويعتقد أنها العناصر الأساسية المخترقة لكافة السرديات الكبرى من ملاحم وأساطير وأديان عبر كل الأزمان.

هنا في " الجلاز " يرقد أربعة ملايين من التونسيين ومسلمين من جنسيات أخرى، القبور متناضدة في فوضى بيضاء لكنها جميلة، ومراقد شيوخ الشاذلية مبنية بقباب وبعضها في أبهة حسب مقامات الشيوخ والأتباع. أمّا التّرب فهي متعددة الأشكال والألوان وذلك حسب الطبقة الاجتماعية للعائلة.

في الجلاز تاريخ الموت التونسي: "البلديّة"، السلالات التركية والشركسيّة، ذوو الأصول المشرقية، الأندلسيون، المشاهير من فنانين ومفكرين وشيوخ العلم وغيرهم

هنا تاريخ الموت التونسي: العائلات العريقة أو ما يعرف بـ "البلديّة"، السلالات التركية والشركسيّة، ذوو الأصول المشرقية، الأندلسيون، المشاهير من أدباء وفنانين ومطربين ومفكرين وكتّاب وشيوخ العلم وشعراء. أين نجدهم في هذه الزحمة؟ كلما توغلنا إلا وفهمنا طبيعة المكان. إذ يوجد رجال تبدو عليهم الشدة يعملون بالمقبرة التاريخية لا تفهم إن كانوا رسميين (يتبعون بلدية العاصمة) أو هم من الفتوّات الذين يسيطرون بالقوة على أجزاء من المقبرة بحثًا عن رزق ممنوح من الزوّار.

"الترا تونس" تحدث إلى بعضهم وتطوّع "حافظ " ليكون دليلي في هذه الرحلة.

قبر علي بلهوان وعبد العزيز الثعالبي مهملان

قبر الزعيم علي بلهوان قائد حوادث 9 أفريل 1938 نسف بالكامل

لقد كان يعرف المكان شبرًا شبرًا. أشار في البداية إلى مرقد الزعيم "علي بلهوان"  (1909 ـ 1958)، أحد رموز الحركة الوطنية وقائد أحداث 9 أفريل/ نيسان 1938 الشهيرة التي طالب فيها التونسيون فرنسا ببرلمان تونسي.

لقد كان مدفن عائلة بلهوان في وضع لا يليق بالرجل ومسيرته ووطنيته. البوابة مكسرة والقبور مهشمة والأتربة والنفايات تغمر كل شيء.

قبر الشيخ سالم بوحاجب مفتي الديار وصديق المصلح خير الدين باشا بالكاد تعرفه

وعلى مقربة وقفنا على تربة الشيخ سالم بوحاجب (1827 ـ 1924 ) الذي كان مساعدًا للمصلح خير الدين التونسي ومفتيًا للديار التونسية ومدرّسًا بجامع الزيتونة. سالم بوحاجب كان رجلًا جريئًا في شروحه الدينية وخطبه المنبرية وكان الناس يتدافعون أيام الجمعة للصلاة وراءه والاستماع إليه واستشارته في أمور الدنيا والدين.

كان من المجددين في كل شيء وكتاباته ومحاضراته شاهد على ذلك. قبر شيخنا مهمل بالكامل وتغمره الحشائش لسنوات عديدة وشاهد قبره يكاد يطمس وبالكاد يقرأ. وحتى قبر ابنه خليل بوحاجب (1863 ـ 1942) الذي كان وزيرًا أكبر لمحمد الحبيب باي وقبل ذلك وزيرًا للقلم وشيخًا لمدينة تونس، في وضعية مزرية أيضًا.

تربة آل بن عاشور بديع الشعر، أعذبه مصقول على رخامات قبري الشيخين لكن هذا لا يكفي

حملنا دليلنا إلى جهة أخرى من المقبرة وتوقفنا على تربة آل بن عاشور، عائلة العلم ونور المعرفة. العائلة عريقة وذات أصول أندلسية.

كانت التربة لائقة ومحترمة بعض الشيء، لكنها عناية لا ترقى لمقام الشيخين الجليلين وعائلاتهم، محمد الطاهر بن عاشور (1879 ـ 1973) صاحب التفسير الشهير للقرآن الكريم "التحرير والتنوير" وابنه محمد الفاضل بن عاشور (1909 ـ 1970) المدرس بالزيتونة والقاضي والناشط بالجمعيات والنقابي فهو أول رئيس شرفي للاتحاد العام التونسي للشغل في مؤتمره الأول المنعقد بقاعة الخلدونية بالعاصمة. لقد كانت تربة تنقصها الصيانة.

الشيخ الثعالبي يرقد وحيدًا مهملًا تحت أشجار "الكالتوس"

وهناك، صعودًا إلى قمة جبل التوبة وخلف مقام "الشيخ سيدي الماضي" يرقد وحيدًا بين أشجار "الكالتوس"  الشيخ والزعيم التونسي عبد العزيز الثعالبي (1876 ـ 1944)، وهو السياسي والقومي والمناضل الشرس ضد الاستعمار الفرنسي وأحد مؤسسي الحزب الحر الدستوري التونسي سنة 1920، وصاحب كتاب "تونس الشهيدة".

وقد أسرّ دليلي في هذه الجولة أن القبر تعرّض للإهمال طيلة الفترة البورقيبية عمدًا ورمّم مرة واحدة في الفترة النوفمبرية. قبر الشيخ الثعالبي سقط فوقه غصن شجرة كبير ويغمره منذ سنوات في مشهد مسيء لتاريخ البلد.

يقول دليلنا في الرحلة أن قبر الثعالبي تعرض للإهمال عمدًا زمن بورقيبة ورمّم مرة واحدة في الفترة النوفمبرية

اتكأ دليلي حافظ على تربة "آل القصّار" و قال لي "سأسلمك لزميلي لأننا على حدود منطقته". تكفّل بي "رضا" دليلي الجديد وهو شاب كثير الحديث سريع الخطوة. قال لي "نحن نعيش مع الموتى.. وأعرفهم ويعرفونني". أجبته "دلّني على أصدقائي من الكتاب والمفكرين".

مربع الشهداء هو المنطقة الوحيدة التي يحميها الجيش الوطني (فيسبوك)

اقرأ/ي أيضًا: تونس العتيقة.. محط الرحال في شهر رمضان

الأستاذ صالح القرمادي.. القبر المنسي

توقف مباشرة وأشار إلى رخامة كتب عليها اسم صالح القرمادي. تقدمت نحو مرقد الأستاذ الجليل وعالم اللسانيات بكلية الآداب والعلوم الانسانية والاجتماعية بتونس (1933 ـ 1982). القرمادي كان قريبًا من الطلبة وكان جامعيًا منفتحًا على الساحة الثقافية ومترجمًا فذًا. وقد ساهم في الستينيات مع الأستاذين توفيق بكار والمنجي الشملي في إصدار مجلة التجديد. وله كتاب شعري شهير بعنوان " اللحمة الحية " إلى جانب كتب أخرى. قبر الأستاذ صالح القرمادي في عداد القبور المنسية.

كما أصر الدليل أن يرينا قبر الشيخ عبد الرحمان الحفيان، المدرس بالمعهد العالي للشريعة، وهو إمام خطيب وقد عرف بدروسه الدينية في إذاعة الزيتونة للقرآن الكريم. ويروي صاحبنا أن صخر الماطري صهر الرئيس المخلوع زين العابدين بن علي هو من قام بتأبينه. واعترضنا خلال الجولة قبر الإذاعي والمسرحي عبد المجيد بوديدح الذي كان يقدّم الأخبار في الإذاعة التونسية بالعاميّة والبلاغات المحلية. وهو من جماعة "تحت السور" ومن القبور المنسية أيضًا.

شيخ الشيوخ "خميّس الترنان" صديق البارون ديرلنجي وحيدًا في عراء النسيان

سألت دليلي الجديد عن مراقد وترب الفنانين والموسيقيين. فقادني إلى مكان متراص ومزدحم بالقبور. وقفنا على قبر الشيخ خميس الترنان ( 1894 ـ 1964 )، العازف الشهير على آلة العود والمطرب ذائع الصيت بمقهى المرابط بالمدينة العتيقة وصديق البارون ديرلنجي (بارون ألماني أقام في تونس مهتم بالموسيقي العربية والمالوف وقصره يقع في منطقة سيدي بوسعيد ويُعرف حاليًا بالنجمة الزهراء). وقد سافرا معًا لحضور مؤتمر الموسيقي العربية بالقاهرة سنة 1932.

وإلى جانبه ترقد الفنانة الكبيرة صاحبة الصوت الشجي القوي صليحة واسمها الحقيقي صلّوحة (1914 ـ 1958). وتنام إلى جانبها ابنتها بالتبنّي عروسية والمعروفة باسم "شبيلة راشد" (1933 ـ 2008 )، وهي أيضًا من أقدر الأصوات التونسية وكانت رمزًا من رموز الرشيدية (وهو معهد للموسيقى تأسس سنة 1934 لإحياء وتطوير الموسيقى التونسية وخاصة المالوف). ومن أشهر أغانيها "إذا تغيب علي ّ يا ولفتي".

وغير بعيد حملني دليلي إلى مرقد الفنان الكبير الهادي الجويني ( 1909 ـ 1990 ). تذكّرت أغانيه الخالدة على غرار "تحت الياسمينة في الليل " و"تبعني نبنيو دنيا زينة" و" لاموني اللى غارو مني" و دور العتاب الذي أنجزه خلال رحلته إلى سوريا. تربته مسيّجة ومعتنى بها ونظيفة بعض الشيء. وذكر دليلنا أن عائلته هي من تقوم بذلك دوريًا.

الدولة مطالبة برد الاعتبار للعديد من الأسماء والشخصيات (فيسبوك)

مربع الشهداء مرقد كبار الزعماء والسياسيين تحت حماية الجيش الوطني

وأخيرًا انتهت رحلتنا بزيارة مربع الشهداء، وهو المنطقة الوحيدة المحروسة والمحميّة من قبل عناصر قارة من الجيش الوطني. المربع مخصص لرجال الدولة وزعماء الحركة الوطنيّة والمناضلين نذكر منهم رؤساء حكومات بورقيبة من أمثال الباهي الأدغم والهادي نويرة ومن الزعماء مثل الهادي شاكر ومحمد شنيق والطاهر الحداد وشكري بلعيد ومحمد البراهمي وغيرهم.

بقدر سحر الجولة التي قام بها "الترا تونس" في ذاكرة الوطن بالوقوف على المقامات الأبدية للرجالات والرموز والمناضلين والفنانين والأدباء. ورغم الانبهار بزخم الحكايات وبقدر متعة الارتحال في التاريخ، إلا أن الأسف الشديد يطفو على ذاك السحر وتلك المتعة نظرًا للوضعية المزرية والكارثية التي عليها مقامات الرجال والإهمال التام إلى حد النسيان. ذاكرة الشعب وذاكرة هذه الأرض ليست للنسيان وإنّما للتذكّر والتّفكر والاعتبار.

مربع الشهداء في مقبرة الجلاز هو المنطقة الوحيدة المحروسة والمحميّة من قبل عناصر قارة من الجيش الوطني

أهملتهم دولة الاستقلال بشقّيها فهل تنصفهم الجمهورية الثانية؟

الدولة بمؤسساتها وثقلها اللوجستي مطالبة بصيانة الذاكرة والتراث والتاريخ، مطالبة بحماية مقبرة الجلاز من النهب والانتهاكات والطمس المقصود أحيانًا من قبل من هم في السلطة ومن الاعتداءات. كما أنها مطالبة بترميم العديد من الترب والقبور وهذه مهمة وزارة الثقافة والمعهد الوطني للتراث والمركز الوطني لفنون الخط ووزارات أخرى كالداخلية والدفاع والشؤون الدينية، إلى جانب بلديّة العاصمة التي تشرف على المقبرة. الدولة مطالبة أيضًا بردّ الاعتبار للعديد من الأسماء  والشخصيات والعلماء الذين ذكرنا وغيرها بعيدًا عن الحساسيات الإيديولوحية والسياسية والدينية والفكرية.

فدولة الاستقلال بمرحلتيها بخستهم حقهم أحياء وهم يناضلون من أجل الوطن، وأهملتهم أمواتًا وتركتهم للنسيان. فهل تنصفهم الجمهورية الثانية؟

 

اقرأ/ي أيضًا: 

النوبة التونسية... أيقونة موسيقية ورسائل سياسية

متحف قلالة.. نافذة على الحياة في جربة