17-يونيو-2021

رئيس السلطة الوطنية المستقلة للانتخابات محمد شرفي (مصعب الرويبي/ الأناضول)

 

مقال رأي

 

لم تُحدث الانتخابات التشريعيّة في الجزائر في نهاية الأسبوع الفارط الهزّة المتوقّعة من انتخابات في بلد بحجم الجزائر. ولئن لم تكن نسخة من الانتخابات الصوريّة التي عرفتها الجزائر قبل الحراك الشعبي فإنّها لم تكن قريبة في مصداقيّتها وأثرها السياسي من انتخابات 26 ديسمبر/ كانون الأول 1991 التي فازت فيها الجبهة الإسلامية للإنقاذ. ومع ذلك تكتسي هذه الانتخابات أهميّة بالغة على الصعيد الداخلي فيما تعرفه البلاد من تداعيات الحراك الشعبي التاريخي على بنية الحكم في الجزائر وعلى مستقبل السلطة من جهة، وعلى صعيد منطقة المغرب العربي وما تشهده من ترتيبات إقليمية ودولية جديدة من جهة أخرى. 

تكتسي هذه الانتخابات أهميّة بالغة على الصعيد الداخلي فيما تعرفه البلاد من تداعيات الحراك الشعبي التاريخي على بنية الحكم في الجزائر وعلى مستقبل السلطة وعلى صعيد المغرب العربي وما يشهده من ترتيبات إقليمية ودولية

  • الانتخابات والحراك الشعبي

أوّل الأسئلة التي تبادرُنا، ونحن نقرأ في نتائج الانتخابات التشريعيّة يوم 12 جوان/ يونيو الجاري، لا يمكن أن تخرج عن علاقتها بالحراك الشعبي الذي اندلع في الجزائر منذ سنتين، وكان جذريًّا في مطالبته بتغيير عميق في السلطة (يرحلوا ڤاع). وهو حراك لم يكن بمعزل عمّا شهده المجال العربي مع الربيع من انتفاض مواطني مطالب بالديمقراطية والعدالة الاجتماعية.

مثّل الحراك الشعبي في الجزائر والسودان ولبنان والعراق موجة الربيع الثانية، بعد تراجع موجته الأولى أمام هجوم الثورة المضادّة ونجاحها في تحويل جزء من الانتفاض إلى حروب أهلية طاحنة في سورية واليمن وليبيا، ومسارعتها إلى الانقلاب على الاختيار الشعبي الحر في مصر.

وأمكن للحراك الشعبي في الجزائر تحقيقُ هدفين في غاية الأهميّة: فرض الصراع السياسي على نظام الحكم صاحب التقاليد في قمع المطالب السياسيّة والاجتماعيّة مثل كلّ أنظمة الاستبداد العربي، وجرّه إلى التفاوض حول إصلاحات سياسية هيكلية هي أشبه بعملية تأسيس جديدة للدولة. غير أنّ سطوة الوباء أوقفت حركة الشارع، ومكّنت النظام من هدنة مهمة رتّب فيها أوراقه المبعثرة. فقد كان الحراك باغته وأجبره على التعامل السلمي مع الاحتجاج الجارف والتنازل له عن مطلبه الذي به انطلق (إلغاء العهدة الخامسة للرئيس بوتفليقة).

أمكن للحراك الشعبي في الجزائر تحقيقُ هدفين: فرض الصراع السياسي على نظام الحكم صاحب التقاليد في قمع المطالب وجرّه إلى التفاوض حول إصلاحات سياسية هيكلية

النظام والحشود التي احتلّت الشارع في معركة رمزية مع السلطة على الفضاء يختزنان ما عُرف بالعشرية السوداء، والتي انطلقت بانقلاب دموي على الإرادة الشعبية، بعد انتصار الجبهة الإسلامية للإنقاذ في انتخابات 26 ديسمبر/ كانون الأول 1991 منذ الدور الأول بـ80% من مقاعد المجلس الشعبي الوطني (البرلمان). فتمّ إلغاء الدور الثاني من الانتخابات وإيقاف مسار الإصلاح السياسي وبناء الديمقراطية الذي دشّنه الرئيس الشاذلي بن جديد عقب أحداث 5 أكتوبر/ تشرين الأول 1988، ودخول البلاد في عشريّة الحرب الأهليّة.

كانت أحداث أكتوبر ناقوس خطر نبّه النظام إلى أزمته البنيوية وإلى أنّ رصيده في "الجهاد والتحرير" قد استُنفذ ولا مناص من إصلاحات سياسية عميقة أمام فشل النظام السياسي ونموذجه التنموي، وبروز نخب سياسية جديدة تطالب بمشاركة فعلية في بناء جزائر جديدة ديمقراطية. ولكنّ بنية النظام ودور المؤسسة العسكرية فيه ورهاناتها السياسية وهيمنتها على الاقتصاد ومسالكه الرئيسية، جعل منها الحاكم الفعلي وما يوجد من بقيّة جبهة التحرير ورموزها ليس أكثر من واجهات سياسية لاقتصاد ريعي زبوني تديره قيادات عسكرية لم يعد يخفى تحكّمها بمجال المال والأعمال والأمن والإدارة.

  • هويّة المشاركين ونتائج الانتخابات

ربطًا مع ما سبق، تكون الانتخابات التشريعيّة الحاليّة امتدادًا لمبدأ التفاوض على الإصلاح السياسي وشروطه. وقد كان الحراك، الذي لم يفرز قيادة موحّدة تتكلّم باسمه، باستثناء ما برز عفويًّا من قيادات شعبية من هنا وهناك، قد انقسم حول طبيعة الإصلاحات ومداها في علاقة بالنظام السياسي ومستقبله. ويمكن أن نتبيّن أنّ موقفيْ المقاطعة والمشاركة في حقيقتهما صورةٌ من مواقف قوى الحراك الشعبيّة والحزبيّة من الإصلاحات التي توتّرت أثناء أوج الحراك بين دعوة النظام إلى الرحيل والدعوة إلى إصلاحات سياسيّة يكون النظام طرفًا فيها بشروط الديمقراطيّة والاختيار الشعبي الحر.

وعلى هذا الأساس يمكن أن نفهم هويّة الجهات الحزبيّة والمستقلّة المشاركة في الانتخابات والتي قاطعته. ومن المهمّ التأكيد أنّ المشاركة/المقاطعة لمّا كانت على قاعدة الموقف من النظام وحجم الإصلاحات السياسيّة المطلوبة فقد شقّت المرجعيّات الإيديولوجيّة جميعًا. إذ يمكن أن تجد في العائلة الإسلاميّة المشارك والمقاطع، وكذلك في بقيّة العائلات السياسية. فالجبهة الإسلاميّة للإنقاذ التي لم يعد لها واجهة سياسيّة موحّدة لم تكن لتشارك حتّى لو سُمح لها بذلك. فضلاً عن أنّها اعتُبرت من الجهات المسؤولة عن العشريّة السوداء وهي تصرّ على أنّها أبرز ضحاياها ولم يكن من جرم ارتكبته سوى فوزها الكاسح في انتخابات 91.

وأمّا حركة مجتمع السلم (حمس) فقد اختارت في ظلّ المواجهة بين النظام والجبهة الإسلاميّة للإنقاذ ومحيطها أن تكون إلى جانب النظام. حتّى أنّ مؤسّسها محفوظ نحناح كان مبعوث الجيش إلى الخارج لشرح الوضع في بداية الأزمة وتبرير ملابسات إيقاف المسار الانتخابي والتعريف بالموقف الرسمي الذي يعتبر أنّ ما تعيشه الجزائر يومها مواجهةٌ بين الدولة وجماعات الإسلام السياسي الإرهابيّة. 

لعلّ أهمّ نتيجة وجود ممثّلين عن العائلة الإسلاميّة والعائلة الجبهويّة (جبهة التحرير الوطني) وهي ثنائيّة مستقرّة شبيهة بثنائيّة الإسلاميين والدساترة في تونس

ومع ذلك فإنّ الانتخابات الحاليّة ونتائجها لم تكن بعيدة عن حقيقة المشهد السياسي والحزبي في الجزائر. ولعلّ أهمّ نتيجة وجود ممثّلين عن العائلة الإسلاميّة والعائلة الجبهويّة (جبهة التحرير الوطني)، وهي ثنائيّة مستقرّة شبيهة بثنائيّة الإسلاميين والدساترة في تونس. وتشير نتائج الانتخابات المُعلنة، إذا استثنينا المستقلّين، إلى تصدّر جبهة التحرير تليها حركة حمس التي أعلنت تقدّمها قبل أن تقبل بما أُعلن مُنزِّهةً اللجنة المستقلّة للانتخابات والرئيس تبّون عن كل تدخّل في النتائج، ثمّ يأتي التجمّع الوطني الديمقراطي. وهو حزب شبيه في ملابسات ظهوره والدور الذي أوكل له من قبل الجيش، بعد إيقاف المسار الانتخابي في 91، بظهور التجمّع الدستوري الديمقراطي في تونس مع انقلاب بن علي في 87. وكلاهما أنشئ على حساب الحزبين التاريخيين حزب الدستور/ جبهة التحرير. مع فارق في منهجيّة التعامل مع هذا الإرث الحزبي التاريخي.

  • الانتخابات وتحوّلات السلطة

نحن أميل إلى اعتبار هذه الانتخابات جزءًا من التفاوض مع الحراك على شروط الإصلاح السياسي. ولعبت الكورونا بكسرها نسق الحراك وعنفوانه دورًا حاسمًا في ترجيح شروط السلطة في التفاوض. ويمكن أن نتبيّن ملامح انقسام الحراك من خلال موقفي المشاركة في الانتخاب ومقاطعتها. وكأنّ موقف السلطة من تيّاري الحراك وعلاقتهما بالانتخابات يذكّر بموقفها من المشهد الحزبي في 91 من خلال توطيدها العلاقة بمكوّن من الحركة الإسلاميّة هو حمس ومواجهتها لما ظُنّ أنّه مكونها الآخر أي الجبهة الإسلاميّة للإنقاذ. فيكون رفض السلطة للجبهة بالأمس معادلاً لرفضها وتوجّسها من التيّار الراديكالي في الحراك. وفي حقيقة الأمر، يقوم أكثر من دليل على أنّ الجبهة الإسلامية للإنقاذ لم تكن تيّارًا إسلاميًّا بقدر ما كانت حراكًا شعبيًا جارفًا بقيادة إسلاميّة سليلة جبهة التحرير ما قبل مؤتمر الصومام 1956.

فجبهة الإنقاذ لم تكن سوى إطار اجتمعت فيه أهمّ روافد الانتفاض الشعبيّ الاجتماعيّ في نهاية الثمانينيّات وما تولّد عنه من إصلاحات فتحت مجالاً سياسيًّا بسقف عال للحريّات لم تعرفه البلاد العربية من قبل.

نحن أميل إلى اعتبار هذه الانتخابات جزءًا من التفاوض مع الحراك على شروط الإصلاح السياسي

وإنّ الانتخابات التشريعيّة الحاليّة ونتائجها بقدر ما تضيء جوانب مهمّة من حقيقة الحراك من جهة المواقف والعلاقة بالسلطة فإنّها تكشف بدقّة عمّا شهده النظام السياسي من تحوّلات ولا سيّما مع الرئيس بوتفليقة. فمنذ 92 كان الجيش يبحث في رئاسة الجمهوريّة عن واجهة سياسيّة بدءًا ببوضياف وانتهاء ببوتفليقة الذي بدأ واجهة سياسيّة للمؤسسة العسكريّة في 1999 ولكنّه توصّل في 2013 إلى أن يصبح رئيسًا كامل الصلاحيّات عندما نجح في جعل المخابرات تابعة لمؤسسة رئاسة الجمهوريّة وإزاحة بعض رموزها من الوزن الثقيل من جنرالات العشريّة السوداء. وانعكس هذا التحوّل في السلطة على الجوار ومنه تونس. فقد كان للرئيس الجزائريّ دور كبير في دعم المسار الديمقراطي في مواجهة الثورة المضادّة التي كانت تجد الدعم من منافسيه في السلطة وخصومه قبل إبعادهم.

الحراك الشعبي لم يكن يأبه بمستويات الاختلاف هذه داخل السلطة، وكان يتعامل مع نظام لم يعد قادرًا على تجديد نفسه. وكان ترشّح بوتفليقة المُقعد إلى ولاية خامسة دليل على هذا الاهتراء في نظره. وبقدر ما كانت مواجهة بوتفليقة وإسقاطه من أهداف الحراك السياسيّة فإنّه على مستوى توزيع النفوذ داخلها كان مقدّمة لعودة جزئيّة لخصوم الرئيس بوتفليقة، بعد وفاة القايد صالح خاصّة.

والانتخابات ودرجة مصداقيّتها لا يمكن تقييمها إلاّ في سياق هذه التحوّلات التي تعرفها السلطة. ولا خلاف في كون عودة "الحرس القديم" ورموز العشريّة السوداء من المؤسسة العسكريّة كان له تأثير. فالوضع الحالي ليس كما كان عليه الأمر في 92 ولا هو مثلما كان عليه مع القايد صالح. الوضع في تقديرنا وسط بين هذين الحدّين. وهو ما يفسّر هذا الموقف الذي لا يرفض الحراك جملة وتفصيلًا ولكنّه يتعاطى مع بعض مكوّناته بحذر في إطار حلّ مرحلي قد يتطوّر في المستقبل بخطوات جديدة على طريق الديمقراطيّة، مثلما قد يستقرّ عند ما هو عليه. وهذا رهين التحوّلات داخل السلطة وداخل الحراك واتجاه هذه التحوّلات. في هذا السياق يمكن تمثّل العمليّة الانتخابيّة الأخيرة ونتائجها.

الموقف الحالي لا يرفض الحراك جملة وتفصيلًا ولكنّه يتعاطى مع بعض مكوّناته بحذر في إطار حلّ مرحلي قد يتطوّر في المستقبل بخطوات جديدة على طريق الديمقراطيّة مثلما قد يستقرّ عند ما هو عليه

  • مستقبل الديمقراطيّة

مستقبل الديمقراطيّة في الجزائر مشدود إلى شروطه المحليّة ولكن أيضًا إلى جواره المغاربي. وللجزائر، شعبًا وحكمًا، خصوصيّة عجيبة انتبه إليها كلّ من انشدّ إلى الجزائر وثورتها التحريريّة العظيمة. ولهذا السبب وغيره كانت الجزائر مثابة للثوّار وحركات التحرّر ورموزها التاريخيين. وكانت نواة لفكر جديد ديكونوليالي مبكّر متجذّر في الثقافة الأهليّة، قبل أمريكا اللاتينيّة. وكانت عبارة "المجاهد" عديلاً لعبارة "المناضل" في الفكر الغربي،  لوعبارة "الفدائي" الجميلة في حركة التحرّر الوطني الفلسطيني. ولهذه الخصوصيّة علاقة بحركة الفكر التي رافقت الحركة الوطنيّة في الجزائر وكان لمالك بن نبي بصمته الخاصّة. وهو، في تقديرنا، آخر تعبيرات النهضة العربيّة وسؤالها عن "شروط النهضة" (لماذا تقدّموا وتأخّرنا؟) قبل ظهور الإسلام السياسي بسؤاله السياسي (كيف نعيد بناء كيان الأمة السياسي؟).

يشير الفيلسوف الفرنسي روجي غارودي، وكان من المعجبين بالثورة الجزائريّة وبنموذجها التحرّري، إلى أنّ الجزائر نسيجُ وحدها في ثورتها وفي استقلالها. ويُعيدُ هذه الفرادة إلى ثلاثة روافد أساسيّة: قيم الإسلام، مبادئ الاشتراكيّة، والوطنيّة الجزائريّة. وهذه الخصوصيّة هي التي ميّزت سياسة الجزائر الخارجيّة (المعاملة بالمثل) وتعاطيها مع النفوذ الأجنبي ومنه نفوذ فرنسا الواسع في الجزائر.

وقد تكون هذه الخصوصيّة وراء موقف الجزائر المتميّز من الربيع. فالعشريّة السوداء كانت أشبه بربيع مبكّر عاشت فيه الجزائر ما عرفته الثورة في بعض أقطار الربيع كاليمن وسورية من انحراف إلى احتراب أهلي كان للإرهاب المصنوع فيه دور كبير.

هذه التجربة إلى جانب الخصوصيّة المشار إليها، جعلت الموقف الجزائري من الربيع محكومًا بيقظة داخليّة وقراءة رصينة للجيوسياسي إقليميًّا ودوليّاً من خلال ثوابت الجزائر ومصالحها.

طرابلس بالنسبة للجزائر "خط أحمر" مثلما أكد الرئيس تبّون وهو نفس موقف القوى المدافعة عن الديمقراطيّة ومسارها في تونس وتتقاطع الجزائر في الملف الليبي مع تركيا وقطر في وحدة ليبيا وضرورة الحلّ السياسي

وفي هذا السياق يُفهم موقف الجزائر المرافق لتونس في تحوّلها إلى الديمقراطيّة، وموقفها من الملفّ الليبي. فطرابلس بالنسبة إليها "خطّ أحمر" مثلما أكّد الرئيس تبّون. وهو نفس موقف القوى المدافعة عن الديمقراطيّة ومسارها في تونس. وتتقاطع الجزائر في الملف الليبي مع تركيا وقطر في وحدة ليبيا وضرورة الحلّ السياسي في مقابل الإمارات ومصر وفرنسا التي تصرّ على استعادة نظام الاستبداد الأقدر على ضمان المصالح. وهذا التقابل في المواقف ليس بعيداً عن ترتيبات دوليّة برعاية أمريكيّة وشراكة إيطاليّة وبريطانيّة وألمانية ترى في قيام الديمقراطيّة في دول المغرب وحوض المتوسّط ضماناً لمصالحها في مواجهة الصين. 

في دول المغرب العربي، اتّجاه بارز نحو الديمقراطيّة التي أصبحت مطلباً شعبيًّا. ولكنّ هذا النزوع مشدود إلى شروطه وأهمّها تجربة الدولة الوطنيّة وقاعدة السلطة فيها. ففي المغرب الأقصى الذي عرف نتائج الربيع السياسيّة في الإصلاح الديمقراطي دون أن يعيشه تبقى الديمقراطيّة تحت سقف الملكيّة وقاعدتها المخزنيّة. ولقد حدّثني باحث مغربي عن تجربتهم قائلاً: الفرق بيننا وبينكم هو أنّكم تصنعون قواعد اللعبة بينما نحن نتحرّك بقواعد محدّدة سلفًا لم نساهم في صنعها.

وفي الجزائر، لا تزال الديمقراطيّة مشروطة بتحوّلات السلطة وفي مقدّمتها دور المؤسسة العسكريّة. وهو نتيجة لتجاذب ظلّ مستمرًّا بين السياسي والعسكري في جبهة التحرير قبل الاستقلال وبعده. وأنّ هذه الانتخابات تعتبر جولة أخرى من التفاوض السياسي بين السلطة والحراك على الإصلاح السياسي ومداه.

في الجزائر، لا تزال الديمقراطيّة مشروطة بتحوّلات السلطة وفي مقدّمتها دور المؤسسة العسكريّة. وهو نتيجة لتجاذب ظلّ مستمرًّا بين السياسي والعسكري في جبهة التحرير قبل الاستقلال وبعده

بينما تعرف تونس ديمقراطيّة تحت سقف عال من الحريّة وفي ظلّ انقسام هووي واجتماعي هو نتيجة سياسات الدولة الوطنيّة على مدى ستّين عامًا. ولا مستقبل للديمقراطيّة فيها إلاّ بتسوية تاريخيّة بين مكوّنات المجتمع الفعليّة على قاعدة الاختيار الشعبي الحر والعدالة الاجتماعيّة. وتبدو ليبيا، رغم عوامل القبليّة والمناطقيّة والجهويّة، أكثر التجارب قربًا من النجاح وكذلك موريتانيا بسبب تجربة الدولة وخصوصيّتها إذ لم تبلغ قاعدتها الماديّة (البشر والفئات والمصالح) وتجربتها  تعقيد ما عرفته تونس والجزائر والمغرب.

ورغم ما يتراكم من صعوبات وتعقيدات محليّة وإقليميّة فإنّ فكرة "مغرب عربي ديمقراطي" ارتسمت أفقًا في ظلّ متغيّرات كبرى يطمح الفاعلون الرئيسيون فيها إلى إعادة ترتيب ما تبعثر.  

     

  • المقالات المنشورة في هذا القسم تُعبر عن رأي كاتبها فقط ولا تعبّر بالضرورة عن رأي "ألترا صوت"

 

اقرأ/ي أيضًا:

برلمان بوجوه جديدة وتوجّهات قديمة.. انطباعات شعبيّة

انتخابات تشريعية بمشاهد مُتحرّكة