الهبات الصحية.. في مرمى البيروقراطية الإدارية التونسية!

الهبات الصحية.. في مرمى البيروقراطية الإدارية التونسية!

إجراءات إدارية تعطل توريد مكثفات أكسجين إلى تونس (صورة أرشيفية توضيحية/ ياسين القايدي/ الأناضول)

 

تعيش البلاد التونسية على وقع الأزمة الصحية المستفحلة جرّاء انتشار فيروس كورونا وارتفاع عدد الإصابات والوفيات، وقد رافق ذلك استغلال الطاقة القصوى لمقدّرات المؤسسات الاستشفائية المادية والبشرية. صيحات فزع أطلقها مسؤولون وأطباء وناشطون في المجتمع المدني من أجل الدعم البشري واللوجستي في المجال الصحي خاصة بعد حجز كافة أسرّة الإنعاش لمرضى كوفيد 19 وكذلك أسرة الأكسجين.

أمام العجز عن استيعاب الأزمة الصحية ومقاومة الوباء، تكثفت الجهود لمعاضدة جهود الدولة بالهبات والتبرعات التي يوفرها نشطاء في المجتمع المدني

ولم يقتصر هذا العجز عن الاعتناء بكافة المرضى على المستشفيات المحلية والجهوية، بل بلغ ذلك المستشفيات الجامعية على غرار المستشفى الجامعي فرحات حشاد بسوسة والأقسام الاستعجالية بكل من مستشفى سهلول ومستشفى فطومة بورقيبة بالمنستير.

أمام هذا العجز عن استيعاب هذه الأزمة الصحية ومقاومة الوباء، تكثفت الجهود لمعاضدة جهود الدولة بالهبات والتبرعات التي يوفرها نشطاء في المجتمع المدني عبر جمعيات اجتماعية وخيرية وصحية داخل البلاد وخارجها.

واصطدم هذا التبرع بعامل الزمن، إذ داهم الوباء عدة ولايات مثل القيروان وسليانة وباجة وامتد إلى مدن كبرى مثل سوسة والمنستير التي فاقت فيها عدد الإصابات الخط الأحمر وتجاوزته بكثير والمقدر بـ400 إصابة بحساب 100000 ساكن.

وقد تكفل جزء من المجتمع المدني بجمع التبرعات العينية سواءً من داخل تونس أو خارجها، وتمثلت أساسًا في توريد الكمامات ومكثفات الأكسجين وتجهيزات مساعدة على التنفس وأخرى ذات علاقة بكوفيد 19.

اقرأ/ي أيضًا: هبة من جمعيات للتونسيين بالخارج: وزارة الصحة تستلم 2000 جهاز مساعدة على التنفس

تمكنت مجموعة من الجمعيات في شكل تنسيقيات من جمع تبرعات وتعهدات لجلب هذه التجهيزات من الخارج ولكنها اصطدمت بالإجراءات الإدارية والديوانية خاصة فى علاقة بوزارة الصحة التونسية في وضع حرج يتسم بمسابقة الزمن وفي ظل ارتفاع حالات الوفاة يوميًا.

جمعية تونسيو الضفتين T2RIV (فرنسا) إحدى الجمعيات التي اصطدمت بالإجراءات الإدارية المعقدة وأثارت في الآونة الأخيرة مسألة تعطل 100 وحدة مكثف أكسجين من مجموع 300 مكثفًا تعتزم إدخالها إلى تونس وتوزيعها على مستحقيها من مرضى كوفيد حسب رغبة المتبرعين في وجهتها.

العربي الريحاني أحد الناشطين بالجمعية تحدث إلى "الترا تونس" حول مسألة توريد مكثفات الأكسجين: "اتصلنا بوزارة الصحة وراسلناها بالإيميل وأرسلنا إليها المعطيات التقنية للجهاز وأجابتنا أنه من الممكن توريد الأجهزة لمطابقتها للمواصفات، ولكن وبعد شرائنا للأجهزة من الشركة التركية (100 جهاز كمرحلة أولى من الحملة) رفضت إعطاءنا الترخيص لإمكانية إنزالها واشترطت علينا تقديم طلب هبة لوزارة الصحة (أي أن نهبها للوزارة)".

ناشط بجمعية "تونسيو الضفتين" لـ"الترا تونس": بعد شرائنا لأجهزة مكثفات الأكسجين، رفضت وزارة الصحة إعطاءنا الترخيص لإمكانية إنزالها واشترطت علينا تقديم طلب هبة للوزارة

كما قال الريحاني "بعد أن وعدتنا شركة الخطوط التونسية بالنقل المجاني سنضطر إثر هذه التعطيلات الحاصلة إلى نقل التجهيزات بحرًا وقد يكلفنا ذلك مصاريف إضافية علاوة على التأخير الحاصل في تسليم الشحنة".

وأضاف الريحاني "بالطبع نحن نريد إنزالها لجمعيات المجتمع المدني في تونس لتخفيف الأعباء على المستشفيات خاصة وأن طاقة الاستيعاب فيها بلغت الأقصى، ونحن نتوجه إلى السلطات التونسية لتسهيل عملية التوريد والنقل والإعفاء من المراسيم الديوانية".

اقرأ/ي أيضًا: تونسيون مقيمون بالخارج يرسلون هبة من المعدات الصحية لعدد من المستشفيات (فيديو)

كما اعتبر الريحاني أن تسليم أجهزة مكثفات الأكسجين إلى جهات بعينها ينتشر فيها الوباء بحدة، إنما هي رغبة من المتبرعين بها وهذا التزام أخلاقي بيننا، غير أن رغبة الوزارة في التصرف فيها سيكون ذلك ضد رغبة الواهب".

"عملية تعطل الصفقة بعد اقتنائها من إحدى الشركات التركية في حين ينهش الوباء الآلاف من المرضى في تونس أثار الرأي العام مما دفع الوزارة إلى نشر بلاغ على صفحتها في فيسبوك كردّ رسمي على تساؤلاتنا" حسب الريحاني الذي أضاف أن "الجمعية تتجه إلى دفع مراسيم باهظة والتعاون مع الهلال الأحمر التونسي الذي يمتد جغرافيًا على كامل تراب الجمهورية لتسليم التبرعات حسب رغبة واهبيها".

ناشط بجمعية "تونسيو الضفتين" لـ"الترا تونس": تسليم التبرعات إلى جهات بعينها هي رغبة من المتبرعين، وهذا التزام أخلاقي بيننا، غير أن رغبة الوزارة في التصرف فيها سيكون ضد رغبة الواهب

وجاء في بلاغ صادر من مصالح وزارة الصحة ما مفاده أنها تلتزم "بتسهيل التسريح الديواني للمساعدات العينية المتبرع بها شريطة استظهار المعني بالأمر بوثيقة محررة وفق الصيغ المعمول بها في هذا الإطار تثبت أن المساعدات العينية تم التبرع بها في شكل هبة إلى وزارة الصحة وذلك في نطاق تسهيل عمليات التبرع لفائدة الدولة".

كما أفاد هيثم الزناد الناطق الرسمي للديوانة التونسية في تصريح صحفي أنه "لم يتم حجز أي معدات بالديوانة التونسية متعلقة بمكثفات أكسجين خلافًا لما يروّج، وأن الأجهزة الطبية تمر عبر الأروقة الخضراء وقد أخذت وزارة الصحة على عاتقها تسريع كل الإجراءات".

هذه المسألة أعادت إلى السطح جدلًا قديمًا ومتجددًا حول علاقة الدولة بالمجتمع المدني في فترة ما بعد الثورة، فبعد أن انفتحت البلاد على الحريات والتضامن بين جميع مكونات الدولة من مؤسسات حكومية ومجتمع مدني، تصطدم بنكسات سواءً إجرائية، إدارية أو سياسية، وقد اعتبره البعض محاصرة للمجتمع المدني من أجل مركزة الدولة، كما يعتبر انحرافًا للحوار بين جميع المكونات من أجل تقريب وجهات النظر.


استلام بعض المعدات الطبية في شكل هبة (صفحة فيسبوك ولاية المنستير)

قد تصطدم بعض الجمعيات الخيرية أو الصحية بهذه الإجراءات الإدارية لاختلاف بينهما في رسم الأهداف وتحديد الوسائل، لذلك نجد جمعيات أخرى أكثر انسيابية وسلاسة في تعاملها مع مؤسسات الدولة ومن بينها الاتحاد التونسي للتضامن الاجتماعي الذي يتعامل مباشرة مع مؤسسات الدولة في مسألة التبرعات.

إذ اعتبر منير حاجي مدير عام الاتحاد التونسي للتضامن الاجتماعي أن الاتحاد له امتداد جهوي ومحلي على كامل تراب الجمهورية ويتدخل لإعاشة مراكز كوفيد كما يوفر المعدات الطبية للإطار الطبي وذلك خلال تصريح صحفي.

كما أشار حاجي في التصريح نفسه إلى أن "المساعدات التي وفرها التضامن الاجتماعي فاق المليون دينار خلال الأشهر السبعة الأخيرة واستفادت منه 48 مؤسسة و7 إدارات جهوية للصحة".

الطبيبة والعضو في القطب الطبي في جمعية تونسيو الضفتين أسماء بابا لـ"الترا تونس": نكتشف من خلال العمل الجمعياتي حجم العجز الذي تعانيه الدولة في تغطية الحاجيات المتزايدة للمؤسسات الصحية

أسماء بابا طبيبة وعضو في القطب الطبي في جمعية تونسيو الضفتين، الناشطة منذ 2011 بين تونس وفرنسا، اعتبرت في تصريح خصّت به "الترا تونس" أن "تعاقد الجمعية مع وزارة الصحة يسهّل الإجراءات، وقد ساهمنا منذ بداية الجائحة في إدخال المواد المعقمة لمستشفى عبد الرحمان مامي وتزويده بـ50 سريرًا، وجهاز تنفس اصطناعي لمستشفى سيدي بوزيد، وكانت أكبر التدخلات توزيع 2000 CPAP".

وقالت محدثتنا إن العمل الجمعياتي ليس بالسهولة المفترضة، بل إنهم يتلقون متابعة شديدة من المتبرعين والواهبين حسب الأهداف والوجهة، كما يكتشفون من خلال العمل الجمعياتي "حجم العجز الذي تعانيه الدولة في تغطية الحاجيات المتزايدة للمؤسسات الصحية، وهذا ما يدفعنا أكثر لمعاضدة جهودها وتذليل الصعوبات الإدارية والبيروقراطية" وفق قولها.

 

اقرأ/ي أيضًا:

الخطوط التونسية تضع جملة من الشروط لنقل المعدات الطبية من الجمعيات بالخارج

"كوفيد 19".. الامتحان الصعب في المستشفى الجهوي بسليانة