المجالس البلدية الجديدة.. تدبير حرّ وقطع مع الرقابة القبلية

المجالس البلدية الجديدة.. تدبير حرّ وقطع مع الرقابة القبلية

699 مشاهدة
ينتظر التونسيون أن تقوم المجالس البلدية المنتخبة حديثًا بتحسين أوضاع عيشهم (صورة أرشيفية/ فتحي بلعيد/ أ ف ب)

بعد مخاض عسير، توصّل البرلمان التونسي إلى المصادقة على مجلة الجماعات المحلية التي تؤسس للحكم المحلي واللامركزية وتكرّس الباب السابع من الدستور الذي يمنح المجالس البلدية المنتخبة الاستقلالية المالية والإدارية. وكرّست مجلّة الجماعات المحلّية القطيعة مع الرقابة المطلقة للسلطة التنفيذية على البلديات ومنحتها صلاحيات ترتيبية تمكّنها من اتخاذ القرار.

لا رقابة قبلية على قرارات المجالس البلدية

في هذا السياق، يقول أستاذ القانون فاضل موسى إن القطع مع رقابة السلطة التنفيذية للبلديات تجسّد من خلال منح المجالس البلدية صلاحيّة مبدئية تتمثل في التدبير الحر. وأوضح موسى في تصريح لـ"الترا تونس" أن التدبير الحرّ يعني أنّ للمجالس البلدية صلاحيات كبيرة وممتدّة تمكنّها من اتخاذ القرارات وتنفيذها وتمنحها سلطة ترتيبية، مشيرًا إلى أنّ رئيس الحكومة يملك السلطة الترتيبية في الدستور وبدرجة أقل رئيس الجمهورية في علاقة ببعض المجالات ومنحت هذه السلطة أيضًا إلى البلديات الممثلة في المجالس البلدية ورئيس البلدية، وفق قوله.

وأضاف: "رئيس البلدية لديه السلطة الترتيبية من خلال اتخاذ قرارات تتعلق بنطاق البلدية كأن يحجّر استعمال مضخمات الصوت بعد العاشرة مساء أو قرارات إدارية تخصّ الحفاظ على الصحّة والأمن العام"، مشدّدًا على أنّ رئيس البلدية حينما يتّخذ هذه القرارات لا يمنعه أي شخص من تنفيذها بما في ذلك الوالي الذي كان في السابق يملك سلطة إيقاف القرارات. وبيّن أنّ الوالي يجب أن يمرّ إلى القضاء كي يطالب بإلغاء قرارات بلدية يرى أنها غير مطابقة للقانون مثلًا، مؤكّدًا أنّه لا توجد رقابة قبلية على قرارات المجالس البلدية والرقابة البعدية لا تكون إلا عن طريق القضاء.

فاضل موسى لـ"الترا تونس": رئيس البلدية حينما يتّخذ قرارات تتعلق بنطاق البلدية لا يمنعه أي شخص من تنفيذها بما في ذلك الوالي

وعن الموارد المالية للمجالس البلدية، قال فاضل موسى إن مواردها أرفع مما كانت عليه وأن لها إمكانيات جديدة تخوّل لها إنجاز المشاريع ودخول مجالات لم تكن تشمل نطاق عملها نظرًا لمحدودية صلاحياتها في السابق. وتابع: " اليوم أصبح للمجالس البلدية صلاحيات ذاتية وصلاحية مشتركة مع السلطة المركزية وأخرى منقولة من السلطة المركزية، كما أن مشمولاتها متعدّدة وهو ما يحيل على أن البلديات الجديدة سيكون لها إمكانيات كبيرة في علاقة بالتصرف والتسيير وحرية التدبير لم تكن موجودة في السابق".

وفيما يتعلّق بالميزانية، قال إن من بين الصلاحيات الذاتية للمجالس البلدية المصادقة على الميزانية في إطار ميزانية الدولة دون تدخّل من أي طرف، مشيرًا إلى أن الميزانية أصبحت تشاركية ويمكن للمواطن أن يدلي برأيه فيها.

وبيّن في ذات السياق أن ميزانية المجالس البلدية لا تتأتى فقط من الدولة وإنما من الجباية المحلية والموارد المالية المتأتية من أملاك البلدية من أسواق وقطع أرض معروضة للكراء كما أنه بالإمكان الاقتراض من صندوق الجماعات المحلية لإنجاز مشاريع معينة، وفق قوله.

يعدّ المجلس البلدي برنامج الاستثمار البلدي وبرنامج تجهيز البلدية في حدود إمكانياته الذاتية والإمكانيات الموضوعة على ذمته

اقرأ/ي أيضًا: المصادقة على مجلة الجماعات المحليّة بموافقة 147 عضوًا

في صلاحيات المجلس البلدي..

ضبطت مجلة الجماعات المحلية صلاحيات ذاتية للمجلس البلدي من بينها دراسة ميزانية البلدية والموافقة عليها والمصادقة على عمليات الاقتراض والتصرف في الأملاك البلدية وتثمينها. ويختص المجلس البلدي بتصريف الشؤون البلدية والبت فيها، وفق ماورد في القسم الثالث من المجلة المتعلق بصلاحيات البلدية. وجاء في ذات القسم أن المجلس يُعنى بالتعهدات المالية للبلدية، وضبط المعاليم والرسوم ومختلف الحقوق مهما كانت تسميتها بما فيها المرتبطة بتركيز علامات الإشهار بالتراب البلدي وبالخدمات المسداة.

ويتعهّد أيضًا بالقرارات ذات الطابع المالي بما فيها التفويت والتعويض والتسويغ وإسناد الاستغلال والمساهمة في المنشآت العمومية المحلية وبقية المشاريع الاقتصادية  والتفويت والتعويض في العقارات، وشروط عقود الكراء التي تتجاوز مدتها سنتين، وترتيب أجزاء الملك العمومي للبلدية من أنهج وساحات عمومية ومساحات خضراء وغيرها وإخراجها وإعادة ترتيبها وكذلك وضع وتغيير أمثلة تصفيف الطرقات العمومية البلدية إضافة إلى إبرام الصلح.

ويعدّ المجلس البلدي، وفق الصلاحيات التي ضبطتها مجلة الجماعات المحلية، برنامج الاستثمار البلدي وبرنامج تجهيز البلدية في حدود إمكانياته الذاتية والإمكانيات الموضوعة على ذمته وباعتماد آليات الديمقراطية التشاركية ويقوم المجلس البلدي بكل التدابير اللازمة والممكنة لدفع التنمية بالبلدية واستقطاب الاستثمار وخاصة بإنجاز البنية الأساسية والتجهيزات الجماعية أو تطويرها.

ويتولى المجلس البلدي إحداث المرافق العمومية البلدية والتصرف فيها إلى جانب دعم كل الاعمال التي ترمي إلى تنشيط الحياة الاجتماعية والثقافية والرياضية والبيئية في البلدية عن طريق المصالح البلدية وعن طريق المنظمات والجمعيات التي تعمل في المجالات المعنية.

ويستشار المجلس البلدي ويبدي رأيه في كل مشروع يزمع إنجازه في المنطقة البلدية من قبل الدولة أو الجهة أو الإقليم أو منشأة عمومية، حسب الصلاحية الذاتية المضمنة في مجلة الجماعات المحلية.

تتمتع الجماعات المحلية بحرية التصرف في مواردها وتتقيد بمبدإ الشرعية المالية وقاعدة التوازن الحقيقي للميزانية

اقرأ/ي أيضًا: أنا يقظ: 82 % من شباب مدنين وتطاوين لم يسمعوا بمجلة الجماعات المحلية

التحرر من رقابة السلطة التنفيذية

قطعت مجلة الجماعات المحلية مع رقابة السلطة التنفيذية على العمل البلدي ومكّنت المجالس البلدية المنتخبة من التسيير الإداري الحر، وينص الفصل 199 من المجلة على أن البلدية تُسير من قبل مجلس بلدي منتخب. وينص الفصل 201 على أن للعضو بالمجلس البلدي أن يقدّم استقالته لرئيس البلدية الذي يعرضها على المجلس البلدي في أول اجتماع يعقد لمعاينتها ويتم إعلام الوالي المختص ترابيًا بذلك.

في المقابل ورد بالفصل 12 من القانون الأساسي للبلديات المؤرخ في 14 ماي 1975، والذي تم تنقيحه سنة 1995 أنّ المجلس البلدي يتركّب من الرئيس والمساعد الأول والمساعدين والمستشارين، فيما ورد بالفصل 45 الذي تم تعديله في جويلية 2006 أن استقالات أعضاء المجلس البلدي تُوجه برسالة مضمونة الوصول مع الإعلام بالبلوغ إلى الوالي الذي يعلم بها وزير الداخلية. ويتخذ الوالي قرارًا بقبول الاستقالة أو بتأجيل تاريخ بداية مفعولها لمدة أقصاها ثلاثة أشهر، ويعلم به المعني بالأمر ورئيس المجلس البلدي ويحيل نسخة منه إلى وزير الداخلية.

التدبير الحر للجماعات المحلّية.. وتعزيز الاستقلالية المالية

أقرّت مجلّة الجماعات المحلّية في فصلها الرابع أنّ كل جماعة محلية تدير المصالح المحلية وفق مبدأ التدبير الحر طبقًا لأحكام الدستور والقانون مع احترام مقتضيات وحدة الدولة فيما نصّت في فصلها الثامن على أنّ السلطة المركزية تعمل على تعزيز الموارد الذاتية للجماعات المحلية مما يضمن تكافؤ الموارد والأعباء وأنه يمكن إبرام اتفاقيات بين السلطة المركزية والجماعات المحلية لتدعيم الموارد المالية والبشرية للجماعات المحلية بما من شأنه أن يدعم استقلاليتها الإدارية والمالية.

وتتمتع الجماعات المحلية بحرية التصرف في مواردها وتتقيد بمبدإ الشرعية المالية وقاعدة التوازن الحقيقي للميزانية، وفق ما ورد في الباب الرابع من مجلة الجماعات المحلية المتعلّق بالنظام المالي للجماعات المحلّيّة.

وتخصص موارد الجماعات المحلية، وفق ذات الباب، لسد نفقات تقتضيها إدارة الشؤون المحلية ومصلحة الجماعة المحلية المعنية ولا يمكن تحميل الجماعات المحلية نفقات محمولة على كاهل الدولة أو المؤسسات العمومية التابعة لها إلا في الحالات الاستثنائية والطارئة التي يضبطها القانون على أن يتم استرجاع التكاليف المترتبة عن ذلك.

 

اقرأ/ي أيضًا:

سيدي بوزيد.. الانتخابات البلدية لم تمرّ من هنا؟

شيخ مدينة تونس.. تنافس حاد وحظوة تاريخية