الكوميديا الانتخابية.. الانتخابات الرئاسية تحت قصف السخرية

الكوميديا الانتخابية.. الانتخابات الرئاسية تحت قصف السخرية

المرشحون في أول أيام قبول الترشحات للانتخابات الرئاسية

 

"بْجاه اللّي يْعِزْ عْلِيكْ، مَا تَاخُوشْ فِي خَاطْرِكْ مِنِّي، اعْفينا من هاذي هدرة الانتخابات ماسطة، ماهيش متاعنا، ما يخرجش علينا، ماهيش في سبرنا وفي عْوايدنا" عَرض توفيق الجبالي، المخرج والممثّل التونسي، هذا الملفوظ في مسرح "التياترو" بالعاصمة، فتجاوب معه الجمهور ضحكًا وتصفيقًا، كان ذلك في بداية العشريّة الأخيرة من القرن الماضي، في مشهد من المسرحيّة الكوميديّة "كلام اللّيل" التي شارك في تجسيدها على الركح على امتداد تسع سنوات فضلًا عن الجبالي عدد من نجوم المسرح منهم كمال التواتي ورؤوف بن عمر.

توخّى توفيق الجبالي في مسرحية "كلام الليل" أسلوبًا كوميديًا تكثّف دلاليًا ونقديًا من خلال تقنيات فنيّة متنوّعة منها المفارقة والمبالغة والكاريكاتور وتخييب التوقّع وغرابة التعليل والالتباس اللّفظي

عالجت هذه المسرحيّة بأسلوب نقديّ ساخر عددًا من المشاغل السياسيّة منها الانتخابات، وقد انطلقت العروض سنة 1990، أي بعد بضعة أشهر من الانتخابات التّشريعيّة التي جرت في أفريل/ نيسان 1989، وقد أفضت إلى فوز حركة النّهضة بنسبة 40 في المائة رغم مشاركتها بقائمات مستقلّة، ولم يعترف النظام إلّا بـ13 في المائة.

شعر نظام بن علي آنذاك بضخامة المدّ "النّهضويّ" شعبيًا وتنظيميًا، فأعرض عن سياسة الانفتاح وبدأ في مصادرة الحريّات، فتفاعل توفيق الجبالي مع هذا التحوّل السياسيّ الأمنيّ مسرحيًا، وتمكّن بحدسه الفنّي من التفطّن إلى أنّ الديمقراطيّة بداية من التسعينيات ستتحوّل إلى أنشطة صوريّة نتائجها محسومة مسبقًا خالية من المناظرات والانتظارات والمنافسات، فكانت الدعوة الضّمنيّة إلى الإعراض عن الانتخابات. وقد انزاح الجبالي في التعبير عن هذا الموقف عن الخطاب المباشر، إذ توخّى أسلوبًا كوميديًا تكثّف دلاليًا ونقديًا من خلال تقنيات فنيّة متنوّعة، منها المفارقة والمبالغة والكاريكاتور وتخييب التوقّع وغرابة التعليل والالتباس اللّفظي.

مشهد الحديث عن الانتخابات في مسرحية "كلام اللّيل"

من "كلام الليل" إلى المشهد الرّذيل

الانتخابات مناسبة جادّة خطيرة، فنتائجها لا تقتصر على صعود هذا الحزب وخيبة تلك الشخصيّة السياسيّة، إنّما تتعدّى ذلك إلى التأثير في أرزاقنا وحريّاتنا ومصير أبنائنا. وبناء على ذلك، يحتاج تناول هذه المناسبة بأسلوب ساخر إلى كفاءة فنيّة عالية، فكأنّ الكاتب في هذا المقام الإبداعيّ "يلتمس من الغضرم (الحجارة) عبيرًا (عطرًا)" على حدّ تعبير أبي العلاء المعرّي، أو كأنّك تُدعى إلى قول نكتة وأنت عند كتف ميّت، أو كأن يُطلب منك أن تستذكر كلمات أغنية فكاهيّة وأنت على جبهة القتال عليك القذائف من كلّ صوب تنهال.

ظنّ الحالمون بتونس الديمقراطيّة أنّ الثورة كفيلة بإخراج الانتخابات من الصنميّة والعبثيّة إلى التنافس المثير الجادّ العادل، فكانت النتيجة الخلاص من الأحاديّة والجفاف والوقوع في منتهى الاستهانة والاستخفاف

اقرأ/ي أيضًا: سياسيون تحت مرمى الحجر في الشارع.. أنا سياسي إذًا أنا مطرود؟

احتاج توفيق الجبالي في "كلام الليل" إلى مهارة فائقة في تحويل المشهد الانتخابّي في التسعينيات إلى موضوع عمل كوميديّ، لقد كان مشهدًا حزينًا باهتًا جنائزيًا دمويًا، فحوّله إلى نصّ ظلّ مدّة عقود يرسم على الوجوه العابسة المغتاظة الابتسامة والضحك حدّ القهقهة.

ظنّ الحالمون بتونس الديمقراطيّة أنّ ثورة 2011 كفيلة بإخراج الانتخابات من الصنميّة والعبثيّة واللاجدوى إلى التنافس المثير الجادّ العادل، فكانت النتيجة الخلاص من الأحاديّة والجفاف والوقوع في منتهى الاستهانة والاستخفاف، جرى ذلك بمناسبة الانتخابات الرئاسيّة السابقة لأوانها المزمع إجراؤها يوم 15 سبتمبر/ أيلول 2019. ففي كلّ يوم من الفترة المخصّصة لتقديم التّرشّحات من 2 إلى 9 أوت/أغسطس الجاري، عُرضت على التونسيين مشاهد واقعيّة أقرب إلى الكوميديا السياسيّة فيها كلّ شروط السخرية القائمة على طرافة الفكرة وتناقض الموقف وغرابة الشخصيّة وسذاجة الخطاب.

لم تعد "كوميديا الانتخابات" في حاجة إلى المهارة التي تسلّح بها توفيق الجبالي في التّسعينيات حسبُ الكاتب الفكاهيّ أن يُحاكيَ الواقع وينقل الصورة كما هي من مقرّ الهيئة العليا المستقلة للانتخابات، لو حُقّ لنا على سبيل المزاح إعادة صياغة بعض من كلام الجبالي الذي افتتحنا به المقال لقلنا "بْجاه اللّي يعز عليك، يا "ليزي" (L’isie) اعفينا من هاذي هدرة الانتخابات يِزّي، يزّي ( يَكفينا، يكفينا).

من طابور الإعانات إلى صف الانتخابات

عهدنا في تونس الزحام والتدافع في المخابز قبل الإفطار وأمام المحلّات التجاريّة عند ندرة بعض الموادّ الغذائيّة، وعهدناه خاصّة في الأعياد والمناسبات الوطنيّة والدينيّة حينما يعمد الساسة إلى تحويل عوز الفقراء إلى مأدبة للتباهي ومطيّة لإظهار الجود والسّخاء في محفل فيه ما فيه من خبث ودهاء، اليوم انقلب المشهد فقد تحوّل المانحون إلى مترشّحين مستعطين مستعطفين يطلبون ودّ الناخبين إلى "الهيئة" مندفعين مهرولين، فإذا الواقع يتّخذ بعدًا سرياليًا، إذ يتقلّص عدد المصوّتين من مناسبة انتخابيّة إلى أخرى، وفي المقابل يتزايد عدد المترشّحين.

ويتحلّى المواطن بالرفعة والهمّة والعفّة، ويقع الساسة في الهوان والابتدال والسخافة، وتنقلب الصورة كليًا من جحافل الطامعين في المساعدات إلى تسونامي المترشّحين إلى الانتخابات ومن طوابير الفئات الشعبيّة إلى صفوف المشاجرة الرئاسيّة.

التقط المغني الساخر مراد المسعودي مشهد الترشحات للانتخابات الرئاسية فنظم كلمات تفوح نقدًا وتهكّمًا أثمرت أغنية فريدة عنوانها "Allez-y à l'Isie" (أسرِعْ إلى الهيئة العليا المستقلّة للانتخابات)

التقط مراد المسعودي المغنّي التونسيّ السّاخر هذا المشهد المثير، فنظم كلمات تفوح نقدًا وتهكّمًا أثمرت أغنية فريدة عنوانها "Allez-y à l'Isie" (أسرِعْ إلى الهيئة العليا المستقلّة للانتخابات). وجاء في مطلع الأغنية تعبيرًا عن سخافة مشهد الإقبال العشوائيّ على الترشّح "أَلِّي زي/ allez y للّيزي/ Isie ، جيّاره والصّف طويل والشعب يقلّك Vas y، أما يعمل ربّي دليل".

اقرأ/ي أيضًا: عن الجوع والجشع والجهل: الانتخابات ومخاطر "الثّلاث جيمات"

المسعودي يقصف الشاهد والقروى وموسي وعبو والغنوشي

انتقدت أغنية مراد المسعودي جلّ المترشّحين، وقد توخّى صاحب الكلمات الإيحاء دون ذكر الأسماء، غير أنّ السّامع لا يحتاج إلى كدّ الذهن للاهتداء إلى المقصود، فالطرف الأوّل المستهدف الأرجح أن يكون يوسف الشاهد وعددًا من الوزراء و النوّاب دلّت على ذلك عبارات من قبيل" فيهم صْحيح الرقعة ( المصرّ على الخطأ) فاشل عندو خمسة سنين، يْحب يستحفظ على البقعة.. واللي ما يحبش يتحاسب يحب يجدد الحصانة...(مفردة نابية)".

أغنية "Allez-y à l'Isie" (أسرِعْ إلى الهيئة العليا المستقلّة للانتخابات)

الطرف الثاني الذي طالته سهام النقد الساخر في هذه المقطوعة يبدو أنّه نبيل القروي رئيس حزب" قلب تونس" آية ذلك كلمات من قبيل" ثمّه اللي جاي من تالي، داخل من باب الإنسانيّة زعمة زعمة يحب الزوالي على خاطرو عامل جمعيّة، عين تْدَمّع ع القلّيل (الفقير) ولُخرى تغمز في الرئاسيّة، برّه يرحم خليل زيد دوّر بيك القطعيّة (المجرمين)".

الطرف الثالث الذي لم يسلم من لذعة الكلمات الجارحة الفاضحة عبير موسي رئيسة الحزب الدستوريّ الحر التي لمّح إليها قائلًا: "قطّوسة المخلوع تْحب تولّي علينا لبّة (لبوة)، أما كي نموتو بالجوع قرطاج عمرك ما تطبّه، الشعب اللي كان مفجوع وقت اللي أنت تصب في الصبّة اليوم قالك ممنوع اللي فيه طبّة ما تتخبي".

يحتاج النّقد السياسيّ السّاخر إلى جرأة في القول ومهارة في العبارة كما يقتضي مناخًا سياسيًا يبيح حريّة الرأي والتّعبير والإبداع

الطرف الرّابع هو محمّد عبّو وسامية عبّو القياديين في التيّار الديمقراطي، فقد بلغ وصفهما ذروة الطرافة الناشئة عن التأليف بين المعجم السياسي والمعجم العاطفيّ، يتّضح ذلك في قول المسعوديّ ساخرًا "حتّى في السياسة ثمّة الكوبلوات ( Les couples /الأزواج/ المتاحبّين) الرّاجل في الرّئاسة والمدام في القائمات، زعمة زعمة عسّاسة على السّرقه والفازات.. زْعام كان في الخطابات".

الطرف الخامس الذي نزعت منه الأغنية الساخرة هيبته هو راشد الغنوشي، فقد نالت الكلمات من رئيس الحركة ونوّابها بكلام جاء فيه "رجال الدّين، شيوخة البندير، الكهنة في المجلس، والمعبد في مونبليزير، زْميمهم (زعيمهم) هْبط (نزل) يكوّر (ينافس)، وهُومَا وراه بالأعلام، خلّي المجلس ينوّر يدخلُّو دين الإسلام".

الطرف السادس الذي كشف المسعودي عوراته بأسلوب فنّي هو الجبهة الشعبيّة قائلًا" اندب يا ستالين، ونوّح يا لينين، في تونس اليسار قطّع ( بثلاث نقاط فوق القاف تعني مال/ هرب) على اليمين، لمّوا بعضهم في جبهة، قالوا أحنا قْويين، حتّى حد ما خطبها، أما باتت عند اثنين (إشارة إلى الانقسام)".

الحريّة تفوز بالرئاسيّة

يتّضح من خلال هذا العرض أنّ تحويل الانتخابات إلى مشهد مسرحيّ كوميديّ أو قطعة غنائيّة ساخرة ينطوي على بعد نقديّ، فيه كشف عن عبثيّة المراهنة على ديمقراطيّة مزيّفة في عهود الاستبداد (كلام الليل) وفيه كذلك فضح لتهافت السّاسة وانقساماتهم وتوظيفهم الدين والعمل الخيريّ والأجهزة الإداريّة في الحملات الانتخابيّة، (أغنية المسعودي) لكن ما نعيبه في هذا المقام هو الإفراط في ترذيل العمل السياسيّ عامّة، وما نعيبه على ناقليه على المواقع والصفحات الحزبيّة تعمّد الاقتطاع من الأغنية، فقد التقط كلّ فريق الجزء النقدّي الذي يدين خصومه، فعرضه إلى جمهوره في أسلوب فيه توجيه واجتزاء وتحيّل وتفريط في الموضوعيّة والمصداقيّة.

إجمالًا يمكن القول إنّ النّقد السياسيّ السّاخر يحتاج إلى جرأة في القول ومهارة في العبارة كما يقتضي مناخًا سياسيًا يبيح حريّة الرأي والتّعبير والإبداع، وهو الحصن المتين والنهر الخالد الصّافي المتدفّق الذي منه تنهل الثورة، فيرتوي الفكر والأدب والفنّ والإعلام، ليزهر إنتاجًا ثقافيًا زاخرًا متنوّعًا مفيدًا ممتعًا، فإذا سألت حينئذ عاقلًا حكيمًا من تُرشّح للرئاسة؟ سيجيبك في ثقة وخيلاء وأريحيّة، أنتخب الحريّة، فمنها تنسل الثروة والعزّة والوطنيّة.

 

اقرأ/ي أيضًا:

منهم المرزوقي والشابي وبن سدرين ..هؤلاء أنصفوا محمد المزالي في محنته

عن تسمية الأحزاب.. أو مانيفاستو استغلال "تونس"