البريكي: لا إرادة سياسية في تونس لمكافحة الفساد

البريكي: لا إرادة سياسية في تونس لمكافحة الفساد

494 مشاهدة
عبيد البريكي الوزير السابق للوظيفة العمومية والحوكمة (فتحي بلعيد/أ.ف.ب)

ربمّا لم يرغب عبيد البريكي الوزير المُقال من وزارة الوظيفة العمومية والحوكمة أن تمرّ إقالته "المهينة" دون ردّ فعل، حيث عقد ندوة صحفية اليوم الجمعة كشف فيها عن ما اعتبره إخلالات في العمل الحكومي واستعرض بعض ملفات الفساد، وهو ما يزيد من التشكيك حول جدية الأطراف الحاكمة في تونس في مكافحة الفساد، الذي يمثل أحد عناوين "وثيقة قرطاج"، التي تمثل أرضية عمل الحكومة الحالية.

استعرض عبيد البريكي، الوزير المقال أخيرًا في تونس، ما اعتبره إخلالات وفساد  في العمل الحكومي خلال ندوة صحفية اليوم

حيث تحدث في ندوته الصحفية عن عديد ملفات الفساد التي عاينها من موقعه السابق كوزير للوظيفة العمومية والحوكمة، وكشف أنه عرضها في وقت سابق على رئيس الحكومة يوسف الشاهد غير أنه لم يتخذ قرارات بشأنها.

اقرأ/ي أيضًا:  تحليل إخباري: تعديل تونس الوزاري وبوادر الأزمة

وأشار البريكي في عرضه لملفات الفساد إلى وجود انتدابات استثنائية لفائدة جهات معينة بتعليمات من رئيس الدولة وتعيينات لرؤساء مديرين عامين بطرق ملتوية وليس حسب عنصر الكفاءة، مع نفس رئاسة الجمهورية علاقتها بهذه المراسلات، لكن البريكي وضح توجيه رئيس الحكومة 3 مراسلات له للقيام بالانتدابات لهؤلاء الأشخاص رغم وجود منشور سابق يمنع الانتدابات الاستثنائية بالوظيفة العمومية.

وتحدث البريكي، مشكّكًا في وجود إرادة سياسية لمكافحة الفساد، على أن عديد الملفات التي باشرها في وزارته تم سحبها منه وإحالتها لمصالح أخرى برئاسة الحكومة. وعبّر، في هذا السياق، عن تفاجئه من سحب مشروع قانون الإثراء غير المشروع من وزارته. ولذلك وصف البريكي نفسه بأنه "وزير بلا حقيبة" ولذلك أعلن رغبته في الاستقالة قبل إعلان رئيس الحكومة إقالته في وقت لاحق دون إشعاره.

من جانب آخر وعرضًا لاستفحال الفساد السياسي، قال البريكي إن "شخصية تونسية تلقت مبلغًا ماليًا يناهز الـ12 مليون دولار من دولة أجنبية دون محاسبتها أو فتح تحقيق في الغرض"، على حدّ تعبيره. وأكّد أن الحكومة لم تتعامل مع هذه الشخصية طبقًا لقانون رفع السر البنكي ولم تحقّق معها عن مصادر هذه الأموال.

كما تحدّث عن استفحال التهرب الجمركي مؤكدًا أن هناك "بارونات" متهرّبة من أداء واجبها وتحديدًا في قطاع الملابس المستعملة. وقال الوزير المقال، في نفس الإطار، إن الدولة عاجزة عن استرجاع أموالها، مفيدًا أن الديون المتخلدة لدى أحد الموردين بلغت 211 مليون دينار (92 مليون دولار)، مضيفًا أن الرقم أكبر من ذلك بكثير لدى بقية الموردين، وهو ما يعتبر أمرًا في غاية الأهمية، حسب قوله.

كما كشف في ملف التهريب أن المرجان يهرب من الجزائر ويورد على أنه منتوج تونسي معلنًا أن الجمارك كشفت المخطط وتم إيقاف المورطين وهم الآن في حالة سراح. وأعلن أنّه قدّم اسم أحد مهربي المرجان لرئيس الحكومة لتتبعه "لكنه تغاضى عن الأمر" على حدّ تعبيره. وهو ما يكشف عن وجود غطاء سياسي من أجهزة في الدولة على المهرّبين من ذوي النفوذ.

أشار البريكي، الوزير المقال في تونس، إلى وجود انتدابات استثنائية بتعليمات من رئيس الدولة وتعيينات لموظفين بطرق ملتوية

وفي سياق آخر، ثمّن البريكي رفض خليل الغرياني، الذي سبق وأعلن يوسف الشاهد تعيينه كوزير جديد للوظيفة العمومية، معتبرًا أن الغرياني "أحسن تقدير الموقف". يُذكر أن رئاسة الحكومة أعلنت يوم أمس إلغاء وزارة الوظيفة العمومية والحوكمة وإلحاقها بمصالح رئاسة الحكومة. وقال البريكي إن هذا القرار لم يفاجئه "لأنها ملحقة فعلاً عمليًا برئاسة الحكومة والإعلان عن ذلك مجرد إجراء شكلي".

اقرأ/ي أيضًا: تعيينات المعتمدين في تونس..المخاوف المشروعة

يُذكر أن مسلسل الأحداث انطلق نهاية الأسبوع الفارط حينما تناقلت مصادر إعلامية أخبارًا حول استقالة عبيد البريكي من وزارته، ليتدخل الوزير ويعلن وجود نية لذلك غير أنه لم يقدم استقالته لرئيس الحكومة. وبعد أقل من 24 ساعة، أصدرت رئاسة الحكومة بلاغًا أعلنت فيه تحويرًا وزاريًا جزئيًا تم بموجبه إقالة البريكي وتعويضه بخليل الغرياني، وهو قيادي في منظمة الأعراف. وقد اعتبر البريكي، المحسوب على النقابيين، أن التخلي عنه تم بطريقة "مهينة" معتبرًا نفسه مستقيلًا لا مُقالًا.

وقد أحدث هذا التحوير الوزاري جدلًا واسعًا في الساحة السياسية بما أنذر بأزمة جديدة في البلاد. حيث أعلن الاتحاد العام التونسي للشغل، أكبر النقابات، رفضها للتعديل معتبرة أنه "استفزازي" وذلك لتعيين رجل أعمال على رأس وزارة الوظيفة العمومية. وحذّر الاتحاد من وجود "رغبة جامحة للتفريط في المرفق العمومي تلبية لتوصيات صندوق النقد الدولي". وقد انعقد لاحقًا لقاء جمع رئيس الحكومة بأمين عام اتحاد الشغل الذي قدم تصريحًا إعلاميًا اُعتبر بمثابة "تهدئة". وقد أعلن لاحقًا الغرياني اعتذاره على تولي حقيبة وزير الوظيفة العمومية، لتعلن رئاسة الحكومة إلغاءها.

وستزيد حاليًا الندوة الصحفية لعبيد البريكي من إحراج الحكومة خاصة وقد استعرض الوزير المقال ملفات فساد بالجملة، حيث ستكون لها ارتدادات بالغة في المشهد التونسي في الفترة القادمة، خاصة وأن البريكي كشف عن عدم تفاعل رئيس الحكومة مع ملفات الفساد بما يشي بوجود غطاء سياسي لحماية الفاسدين. وهو ما يجعل إجمالاً ارتباط منظومة الحكم بالفساد السياسي يزداد تأكيدًا في بلد يواجه أزمة اقتصادية خانقة وفي بيئة ديمقراطية لا تزال ناشئة.

اقرأ/ي أيضًا:

مؤتمر اتحاد الشغل في تونس.. الحصيلة والتحديات

تونس والسعي وراء أفريقيا "المنسية"