الاستغلال الاقتصادي.. آفة الطفولة في تونس

الاستغلال الاقتصادي.. آفة الطفولة في تونس

690 مشاهدة
طفلان يتحدثان أثناء بيع الأحذية في أحد أسواق العاصمة تونس (فتحي بلعيد/ أ ف ب)

طفا موضوع تشغيل الأطفال في تونس على السطح من جديد، بعد تعرّض طفل قاصر أصيل ولاية نابل إلى حادث شغل أقعده عن الحركة وأفقده النطق. وقد غصّ موقع فيسبوك بصور صادمة للطفل الذي تعرّض إلى إصابة خطيرة على مستوى النخاع الشوكي.

وتعاطف مستخدمو الفيسبوك مع وضعيته وطالبوا السلط المعنية بالتدخل لإنقاذ الطفل، مندّدين بتشغيل الأطفال.

طفل الـ15 سنة فقد قدرته على التحرك بعد أن ابتلعته آلة رحي الطماطم في نابل وهو ما أثار جدل عمالة الأطفال في تونس من جديد

الطفل الذي ابتلعته آلة رحي الطماطم (فيسبوك)

آلة رحي الطماطم تبتلع طفل الـ15 سنة

وعن هذه الحادثة، يقول المدوّن عبد الرحمان جبلون، الذي نشر صورًا وفيديوهات تظهر الوضعية الصحية المتدهورة للطفل البالغ من العمر 15 سنة، إن المتضرّر اضطرّ إثر وفاة والده إلى ترك مقاعد الدراسة والعمل في أحد مصانع تحويل الطماطم بجهته لمساعدة أسرته ماديًا.

ويضيف جبلون في تصريح لـ "الترا تونس" أن الطفل تعرّض إلى حادث شغل خطير في شهر جوان/ حزيران الماضي أثناء عمله ليلًا، تمثّل في سقوطه في آلة رحي الطماطم. ويبيّن أن الحادث تسبّب له في فقدان الحركة بسبب تضرر النخاع الشوكي إضافة إلى فقدانه القدرة على الكلام. ويشير إلى أنّ صاحب المصنع تنصل من المسؤولية وأنكر تشغيله للطفل حتى لا يتعرّض للتتبع القضائي على اعتبار أنه يخالف القانون بتشغيله لطفل قاصر.

المندوب العام لحماية الطفولة: المنظومة القانونية على مستوى مجلة الشغل تقرّ عقوبات بسيطة ضد مشغلي الأطفال

الرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان على الخطّ

أدانت الرابطة التونسية لحقوق الإنسان فرع قليبية ـ قربة من ولاية نابل حادثة تعرّض الطفل إلى حادث شغل في أحد مصانع تحويل الطماطم بالجهة، تسبّب له في إصابة بالنخاع الشوكي أدّت إلى شلل تام وفقدان القدرة على الكلام.

وأكّدت الرابطة أنها ستقف إلى جانب الطفل حتى يتحصّل على حقوقه كاملة، مندّدة بإقدام صاحب المصنع على تشغيله ومخالفة قانون الشغل ومجلّة حقوق الطفل.

ودعت وزارة الشؤون الاجتماعية ووزارة الصحة إلى التكفّل بالطفل وتوفير العناية الصّحية والنفسية له وتفديم العون لعائلته المعوزة، مطالبة السلط المعنية باتخاذ كل التدابير اللازمة للتصدي لظاهرة تشغيل الأطفال وتطبيق القانون على منتهكي حقوقهم.

دعوات إلى تسليط عقوبات صارمة ضد مشغلي الأطفال

من جهته يقول المندوب العام لحماية الطفولة مهيار حمادي لـ"الترا تونس" إن المندوبية العامة لحماية الطفولة تدخّلت إثر إشعارها بتعرّض طفل دون السن القانونية إلى حادث شغل في ولاية نابل خارج الأطر القانونية على اعتبار أنه ليس في فترة تدريب أو تكوين، مشيرًا إلى أن المندوبية تعمل على تحديد وضعية المتضرر ومتابعة وضعيته الاجتماعية.

ويضيف أنّ مندوب حماية الطفولة بالجهة رفع شكاية إلى النيابة العمومية لفتح بحث تحقيقي في تشغيل طفل دون السن القانونية، مؤكّدًا أنّ المندوبية العامة لحماية الطفولة لم تتلقّ إشعارات كثيرة عن تعرّض أطفال لحوادث شغل. ويشير إلى أنّ المندوبية العامة لحماية الطفولة أرسلت بتاريخ 22 مارس/ آذار 2018 فريقًا للنظر في الوضعية الصحية للطفل المتضرر وتحديد نسبة الضرر والنظر في إمكانية نقله من المصحة الخاصة التي يقيم بها إلى أحد المستشفيات الجامعية.

ويعرب مهيار حمادي عن أسفه من كون المنظومة القانونية على مستوى مجلة الشغل تقرّ عقوبات بسيطة ضد مشغلي الأطفال دون السن القانونية، مؤكّدًا ضرورة مراجعة مجلة الشغل وتسليط عقوبات صارمة على من يشغل الأطفال القصّر. ويلاحظ حمّادي أنّ الجهات التي تستقطب الأطفال لتشغيلهم هي التي تتجاوز القانون ورغم ذلك لا توجد أي ضمانات لتعويض المتضرّرين.مؤكدًا أنه يتم استغلال الأطفال في المجال الاقتصادي عبر تشغيلهم في قطاعات غير منظّمة قانونيًا، وموضحًا أن هذه الظاهرة مرتبطة بالفقر والانقطاع عن الدراسة إلى جانب اليتم وعدم الثقة في المنظومة التربوية.

ويتابع: "يجب أن يتم تدعيم المنظومة التربوية أكثر لتتيح فرصة التعلم للفئات التي لم تتمكن من مسايرة الخيارات الموجودة حاليًا على غرار التكوين المهني"، مضيفًا "نحن نشتغل على مشروع من المنتظر الإعلان عنه قريبًا يتمثّل في مدرسة الفرصة الثانية التي تتيح فرصة للأطفال الذين يواجهون صعوبات تعلم في المنظومة التربوية العادية كي يتلقوا تعليمًا يتماشى مع وضعياتهم"، حسب تعبيره.

رئيس الجمعية التونسية للدفاع عن حقوق الطفل: عديد المؤسسات القانونية تشغل الأطفال في مجالات خطرة

 136500 طفل يعملون في مجالات خطرة حسب المعهد الوطني للإحصاء (فيسبوك)

اقرأ/ي أيضًا: التشرد في تونس.. ظاهرة محدودة في تصاعد

مطالب بتنقيح مجلة حماية الطفل

من جهته، يقول رئيس الجمعية التونسية للدفاع عن حقوق الطفل معز الشريف إن الحادث الذي تعرّض له الطفل في ولاية نابل هو الشجرة التي تخفي غابة، وفق تعبيره، مشيرًا إلى أن هناك عديد الوضعيات المتعلّقة بأطفال تعرّضوا إلى حوادث شغل. ويشير في تصريح لـ"الترا تونس" إلى أنّ الجمعية تتحفّظ عن ذكر الوضعيات الصعبة حماية للأطفال وتفاديًا للسقوط في التشهير وتكتفي بإغاثتهم والتواصل مع المسؤولين لمتابعة وضعياتهم، مؤكّدًا أن حقوق هؤلاء الأطفال مهدورة لأنّ المشغلين يفلتون من العقاب ولأن التشريع التونسي لا يحتوي على قرارات ردعية.

ويبيّن أنّه في حالة إثبات أن صاحب مؤسّسة يشغّل طفلًا قاصرًا، وهو أمر صعب على اعتبار تشغيل الأطفال يتم خارج الأطر القانونية، فإن المشغّل غير مطالب بالتعويض المادي للطفل المتضرّر في حال تعرّضه إلى حادث شغل، مبرزًا أن جمعية الدفاع عن حقوق الطفل تشتغل على مشروع تنقيح مجلة حماية الطفل لإيجاد الحماية القانونية للطفل والاعتراف بحقوق الطفل ضحية حوادث الشغل.

ويضيف معز الشريف أنّ تشغيل الأطفال في تونس بات ظاهرة، مشيرًا إلى أن المسح الوطني حول عمل الأطفال في تونس أظهر أن أكثر من 9 في المائة من الأطفال في وضعية استغلال اقتصادي. ويوضح أن المناطق التي تشهد نسبًا مرتفعة لانقطاع الأطفال عن الدراسة تشهد كثافة في تشغيلهم، حسب الإحصائيات الرسمية، مشيرًا إلى أن "تشغيل الأطفال هو نتيجة لتدهور الخدمات التي تقدم للأطفال ورداءة الخدمات التربوية وعدم وصول الإعانات الاجتماعية للعائلات الفقيرة ومستحقيها".

ويلاحظ أن تشغيل الأطفال في تونس يشمل الفئة دون الـ 12 سنة وتبلغ نسبته 5 % وهو أمر محجر قانونًا ولكن غياب الرقابة وعدم محاسبة مستغليّ الأطفال اقتصاديًا يجعل الظاهرة تتفاقم، لافتًا إلى أن معظم الأطفال الذين يتم استغلالهم اقتصاديًا موجودون في الريف وخاصة في المجال الفلاحي. ويؤكّد أن الفكرة السائدة عن أن أغلبية الأطفال يتم استغلالهم اقتصاديًا في القطاع الموازي مغلوطة، مشيرًا إلى أن هناك مؤسسات قانونية تشغل الأطفال وهو ما يدل على غياب الرقابة واستغلال الأطفال على اعتبار أنهم يد عاملة هشة ورخيصة ويمكن التحكم فيها.

ويبرز أن الإحصائيات الصادرة عن المعهد الوطني للإحصاء تكشف عن حقيقة الظاهرة وتسهّل عملية إيجاد آليات للتصدّي لاستغلال الأطفال اقتصاديًا، مضيفًا "رغم توفر الإحصائيات لأصحاب القرار لا يوجد إلى اليوم برنامج أو استراتيجية فعالة للتصدي". ويختم الشريف حديثه لـ"الترا تونس" أنّ السلطة تنتهج سياسة تهميش الطفولة وتعتبر موضوع الأطفال ثانويًا وهو أمر يعود إلى سبب واحد، وفقه، كون الأطفال لا ينتخبون، مستنكرًا عدم وجود مشروع مجتمعي موجّه للطفولة وإلى العائلة التونسية باعتبارها النواة الأساسية للمجتمع.

المعهد الوطني للإحصاء: 180 ألف طفل يعملون في مجالات ممنوعة

المعهد الوطني للإحصاء: 136500 طفل يعملون في مجالات خطرة

تقدر نسبة الاطفال التونسيين الناشطين اقتصاديًا من الشريحة العمرية المتراوحة بين 5 إلى 17 سنة، بـ 9.5 في المائة، بحسب ما كشفت عنه نتائج المسح الوطني الأول الصادر عن معهد الإحصاء الوطني بخصوص عمل الأطفال في تونس في ديسمبر/ كانون الأول من العام الماضي.

وكشف مدير المعهد الوطني للإحصاء الهادي السعيدي أن من بين 215700 طفل ناشط اقتصاديًا هناك 136500 طفل أي بنسبة 7.9% يعملون في مجالات خطرة قد تؤثر على صحتهم ومسارهم الدراسي وعلى حالتهم النفسية، وأن 180 ألفًا منهم يعملون في مجالات ممنوعة حسب التشريعات التونسية والاتفاقيات الدولية.

وأضاف السعيدي في تصريح للإذاعة الوطنية التونسية أن هذه الحالات تتوزع بنسبة 18,5 في المائة في المناطق الريفية و4,8 في المائة في المناطق البلدية بينهم 11.1 في المائة ذكور و7.7 في المائة إناث، موضحًا أن 20.7 في المائة من الأطفال العاملين سنهم بين 16 و17 سنة و12.8 في المائة منهم سنهم بين 13 و15 سنة و5.4 في المائة تتراوح أعمارهم بين 5 و12 سنة. وفي سياق متصل أشار إلى أن 50 في المائة من هؤلاء الأطفال يعملون في مجال الفلاحة خاصة في مناطق الشمال الغربي.

وفيما احتفلت تونس مؤخرًا بالعيد الوطني للطفولة تحت شعار "عيدنا في الربيع حل، كله فرح وأمل"، لا يزال عديد الأطفال التونسيين يرزحون تحت عبء الاستغلال الاقتصادي نتيجة تردي الأوضاع المعيشية، فلا عيدهم حلّ ولا زارهم الأمل. ولئن أطلقت الحكومة مشروعًا يمتد من سنة 2017 إلى سنة 2020 لإعداد مخطّط وطني لمكافحة عمل الأطفال، وكثّفت الجمعيات التونسية من حملات التوعية، إلا أنّ هذه الظاهرة لم تشهد تراجعًا بل هي مرجحة للارتفاع خاصة وأن 100 ألف تلميذ يغادر سنويًا مقاعد الدراسة.

 

اقرأ/ي أيضًا:

تعرف على أهم 10 مجلات قانونية في تونس

"تشليط"، كي وممارسات أخرى.. رعب أطفال تونس