"أطفال مدرسة الرقاب".. القصة كاملة وآخر تطوراتها

تهمة الاتجار بالأشخاص تلاحق صاحب المدرسة القرآنية

الترا تونس - فريق التحرير

 

برزت على السطح، خلال الأيام المنقضية، قضية ما تُعرف بأطفال المدرسة القرآنية بالرقاب بولاية سيدي بوزيد رافقها جدل واسع على المستوى الحقوقي محليًا ودوليًا بلغ منظمة العفو الدولية، مع تدخل عديد الهياكل الحكومية أهمها وزارة المرأة والشباب والطفولة والمندوب العام لحماية الطفولة إضافة للقضاء والهيئة الوطنية للوقاية من التعذيب مع متابعة هذا الملف الشائك من طرف أعضاء في مجلس نواب الشعب.

فما القصة التي أثارت كل هذا الجدل واستدعت تدخل جميع هذه الهياكل والأطراف المتعددة؟

تقرير تلفزي يبحث في أمر المدرسة

بدأت القصة بعرض برنامج "الحقائق الأربع" على قناة "الحوار التونسي" مساء الخميس 31 جانفي/كانون الثاني 2019 لتحقيق حول مدرسة قرآنية في منطقة ريفية تبعد 7 كيلومتر عن مدينة الرقاب بولاية سيدي بوزيد، تضم أطفالًا قصرًا، فيهم من انقطع عن دراسته، ورشدًا يتعلمون حفظ القرآن الكريم وعلومًا دينية أخرى.

وذكر التقرير أنه سبق وتم غلق هذه المدرسة في مناسبتين قبل إعادة فتحها مجددًا، وأشار إلى أن هذه المدرسة تعمل خارج رقابة وزارة التربية والتعليم وكذلك خارج رقابة وزارة الشؤون الدينية. وعرض التقرير التلفزي أيضًا ظروف إقامة هؤلاء التلاميذ ومنها وجود غرفة نوم واحدة تجمع الأطفال القصر مع شباب من أعمار مختلفة.

وطرح البرنامج مخاوف حول إمكانية ترويج هذه المدرسة لخطاب ديني متطرف موجه لأطفال قصر بغاية استقطابهم لمربع العنف، وذلك في ظل غياب رقابة على أنشطتها من أجهزة الدولة.

اقرأ/ي أيضًا: الاستغلال الاقتصادي.. آفة الطفولة في تونس

وكيل الجمهورية ومندوب حماية الطفولة على الخط

قبيل عرض البرنامج التلفزي ببضع ساعات، وخشية اتهام السلطات القضائية أو الأمنية بعدم التحرك إلا بعد بثه، قامت وحدات أمنية، الخميس 31 جانفي/كانون الثاني 2019، بإغلاق المدرسة القرآنية التي تبين أن اسمها ''ابن عمر القرآنية''، وتشرف على تسييرها جمعية قرآنية بعد صدور قرار غلق بشأنها، وذلك مع حجز مجموعة من الحواسيب والكتب الدينية.

إيقاف صاحب المدرسة القرآنية في الرقاب بتهم تتعلق بالاتجار في الأشخاص واستغلال الأطفال اقتصاديًا والاشتباه في الانتماء إلى تنظيم إرهابي

وأكدت وزارة الداخلية، في بلاغ الأحد 3 فيفري/شباط 2019، أن الوحدات الأمنية تنقلت رفقة المندوب العام لحماية الطفولة و5 أخصائيين نفسيين على عين المكان أين تم العثور على 42 طفلًا (بين 10 و18 سنة) و27 راشدًا (بين 18 و35 سنة) تبيّن أنهم يُقيمون اختلاطًا بنفس المبيت في ظروف لا تستجيب لأدنى شروط الصحة والنظافة والسلامة وجميعهم منقطعون عن الدراسة، كما أنهم يتعرّضون للعنف وسوء المعاملة ويتم استغلالهم في مجال العمل الفلاحي وأشغال البناء ويتم تلقينهم أفكارًا وممارسات متشددة، وفق الوزارة.

وأضافت في بلاغها أن النيابة العمومية بسيدي بوزيد أذنت بالاحتفاظ بصاحب المدرسة من أجل "الاتجار بالأشخاص بالاستغلال الاقتصادي لأطفال والاعتداء بالعنف" ومن أجل "الاشتباه في الانتماء إلى تنظيم إرهابي" كما تم الاحتفاظ بامرأة عمرها 26 سنة اعترفت بزواجها من المعني على خلاف الصيغ القانونية.

كما أذن وكيل الجمهورية بسيدي بوزيد بإخراج الأطفال المقيمين في هذه المدرسة ليقع نقلهم إلى مؤسسات تابعة لوزارة المرأة والأسرة والطفولة وكبار السن بالعاصمة.

فيما صرّح المندوب العام حماية الطفولة مهيار حمادي، لوسائل إعلام محلية، في وقت سابق، أن الجهات المعنية بالبحث مخولة للقيام بكل الفحوصات اللازمة في حال وجود شبهة انتهاك للحرمة الجسدية للأطفال. وفي هذا الجانب، تحدث والد أحد أطفال المدرسة أن ابنه أبلغه هاتفيًا أن 5 أطفال تم عرضهم على الفحص الشرجي للاشتباه في تعرضهم لاعتداء جنسي.

اقرأ/ي أيضًا: تسبب الأبوان في معظمها: 16 ألف إشعار بحالات تهديد للأطفال سنة 2017

احتجاج الأولياء وقطع طريق في العاصمة

أثار قرار نقل الأطفال المقيمين في المدرسة القرآنية إلى مؤسسة خاصة بالطفولة في العاصمة، إضافة للحديث عن عرض أطفال للفحص الشرجي، حالة غضب واحتقان لدى أولياء الأطفال الذين أكدوا أنهم قاموا بإرادتهم بوضع أبنائهم في هذه المدرسة بغاية تحفيظ القرآن الكريم.

وشدد الأولياء أن صاحب المدرسة ويُدعى فاروق الزريبي هو داعية معتدل وغير متطرف ومعلوم بخطابه الوسطي في سيدي بوزيد، وفق تأكيدهم.

وندّد الأولياء بوضع أطفالهم في مؤسسة خاصة بالطفولة وعدم السماح لهم بالتواصل معهم وهو ما أدى لحالة الاحتقان أمام محكمة الناحية بتونس العاصمة بلغت إلى درجة قطع الطريق على السيارات في شارع 9 أفريل وذلك قبل تدخل الأمن ومفاوضتهم ليقع إعادة فتح الطريق لاحقًا.

منظمة العفو الدولية تتابع القضية

متابعة لهذه القضية، أعربت منظمة العفو الدولية، في بلاغ لها السبت المنقضي، عن بالغ قلقها عمّا بلغها من شهادات الأطفال الذين اتصلوا بآبائهم عبر الهاتف حول تعريض عدد منهم لفحص شرجي في إطار التحقيق في شبهة اعتداءات جنسية و"هو أمر بالغ الخطورة يمثل انتهاكًا صارخًا لالتزامات تونس بمقتضى الاتفاقية الدولية لحقوق الطفل".

منظمة العفو الدولية تعبر عن بالغ قلقها حول تعريض أطفال من المدرسة القرآنية لفحص شرجي

وطالبت المنظمة السّلطات التونسية بتسليم الأطفال فورًا إلى أوليائهم أو إحالة الملف إلى قاضي الأسرة بصفة استعجالية في حالة توفر أسباب جدية لتواصل الاحتفاظ بهم.

كما أدان المرصد التونسي للحقوق والحريات، الذي يترأسه المحامي أنور أولاد علي، في بيان السبت المنقضي، إخضاع عدد من الأطفال إلى الفحص الشرجي دون علم أو موافقة أوليائهم، منددًا بما اعتبره عدم مراعاة الجهات الأمنية والقضائية الهشاشة النفسية للأطفال وعدم أخذ رأي الأولياء بخصوص التدابير الوقائية المتخذة في شأن أبنائهم.

وطالب المرصد بتسليم الأطفال إلى أوليائهم مع استكمال الأبحاث والتحقيقات للكشف عن كل التجاوزات والاعتداءات التي يمكن أن تكون قد صدرت في حقّ أيّ طفل، دعايًا إلى النأي بملف الطفولة عن كل التجاذبات السياسية أو الإيديولجية ومراعاة مصلحتهم الفضلى.

نواب في البرلمان يوضحون

تابع أعضاء مجلس نواب الشعب هذه القضية، ليؤكد النائب عبد اللطيف المكي، الأحد 3 فيفري/شباط 2019 على حسابه على فيسبوك، أنه زار، تزامنًا مع زيارة وفد الهيئة التونسية للوقاية من التعذيب، مركز الأطفال أين يتواجد أطفال المدرسة القرآنية، مؤكدًا وجود خلية أزمة يترأسها مدير ديوان وزارة المرأة التي أشارت أنها تنفذ قرارًا قضائيًا لحماية الأطفال والقيام بالأبحاث اللازمة حول كل ما أثير من تجاوزات قانونية مثل ظروف الإقامة والتغذية أو تجاوزات أخلاقية.

نواب في البرلمان يؤكدون معاينة ظروف إقامة طيبة للأطفال في مؤسسة رعاية خاصة بالعاصمة بعد إخراجهم من المدرسة القرآنية

وأكد المكّي أنه عاين ما وصفها بظروف معقولة لإقامة الأطفال ومن ذلك تمكينهم من 42 مصحفًا وقاعة للصلاة ومكان للعب كرة القدم، وشدد أنه لم يجد الأطفال تحت ضغط.

كما أكدت النائب هالة الحامي، في ذات السياق، أنها عاينت بدورها رعاية بدنية ونفسية بالأطفال، وأجواء عادية لإقامتهم مضيفة أنهم اتصلوا بأوليائهم لطمأنتهم.

ومن المنتظر عمومًا أن يتواصل تباعًا خلال الأيام القادمة الكشف عن خيوط القضية خاصة في علاقة بالوضعية القانونية للمدرسة القرآنية، وبمضامين الدروس الموجهة إضافة للتحقق من مدى توفر شروط السلامة للأطفال المقيمين وشبهة وجود اعتداءات جنسية عليهم.

 

 

اقرأ/ي أيضًا:

باعة المشموم.. عندما يتحوّل الياسمين إلى خبز

بائع الورد الصغير.. طفل يبيع الحب ويشتري "الموت"