"ويني فلوس السياحة؟".. سؤال طرحه الشاذلي العياري لا حسم في إجابته

4836 مشاهدة
تراجع عائدات السياحة بالعملة الصعبة بسبب انزلاق الدينار التونسي (أ.ف.ب)

لجأت الدول التي تسلك طريقها نحو النمو إلى دعم عملتها من خلال بنوكها المركزية، مثلًا في تونس وقبل سنوات 2011، كان البنك المركزي التونسي يتدخل في كل مرة لضخ العملة الصعبة في السوق ليرتفع سعر العملة المحلية، لكن سياسة الدولة الجديدة اتجهت في السنوات الأخيرة إلى رفع هذا الدعم تدريجيًا.

يعود قرار رفع الدعم إلى سببين إثنين، أولهما أنه كان شرطًا من شروط صندوق النقد الدولي من أجل منح تونس قروضًا للتمويل، وثانيهما أن موجودات العملة الصعبة في البنك المركزي تراجعت بسبب تراجع الصادرات. وجعل تراجع الصادرات والأزمات التي يعانيها إنتاج الفسفاط جراء الاحتجاجات الاجتماعية الدولة تعوّل أكثر على قطاع السياحة الذي عاش أزمة في سنة 2015 جراء عملتي باردو وسوسة الإرهابيتين، لكن تحقيق موسم سياحي جيد لم يعد ضمانًا لتحقيق إيرادات سياحية جيدة بالعملة الصعبة.

يتصاعد الجدل حول عائدات السياحة في تونس منذ تساؤل محافظ البنك المركزي السابق الشاذلي العياري "وينهم فلوس السياحة؟"

إذ طفت إشكالية على السطح بعد تساؤل محافظ البنك المركزي السابق الشاذلي العياري خلال جلسة عامة بمجلس نواب الشعب في 16 ماي/آيار 2017، عن مصير عائدات قطاع السياحة رغم المؤشرات الإيجابية المسجلة خلال الأشهر الأربعة الأخيرة. وقال في هذا الإطار "وينهم فلوس السياحة وين مشاو؟" (أين هي عائدات السياحة، أين ذهبت؟). لنحاول الإجابة عن هذا السؤال.

يعتبر العام 2008 العام المرجع في السياحة التونسية، حيث حققت تونس أرقامًا قياسية وصلت إلى أكثر من 8 مليون سائح بعائدات قاربت 3.5 مليار دينار، لكن التغيرات الاجتماعية التي حصلت في تونس جعلت من الصعب العودة إلى تحقيق هذه الارقام مرة أخرى خاصة بعد العمليات التي استهدفت السياحة التونسية في سنة 2015، والتي اعتبر مراقبون وقتها أنها أجهزت على السياحة التونسية.

اقرأ/ي أيضًا: الجزائريون يتشبثون بالساحل التونسي وجهة سياحية وجدل حول العرض السياحي المقدم

عاد اليوم القطاع السياحي إلى النهوض من جديد، إذ أفادت وزيرة السياحة سلمى اللومي مؤخرًا أن حوالي 5.152 مليون سائح زاروا تونس منذ بداية 2018 إلى تاريخ 20 أوت/أغسطس المنقضي، وأضافت اللومي أن عائدات السياحة بلغت ما يقارب 2323.5 مليون دينار أي بتطور نسبته 2.48 في المائة مقارنة بالعام 2017.

هو رقم ضخم إذا كان الحديث يتعلق بالعائدات السياحية لكن الخبير المالي عزالدين سعيدان يرى غير ذلك، سعيدان أكد لـ"الترا تونس" أنه من غير المعقول إحتساب العائدات السياحية بالدينار التونسي وهو في وضعية غير مستقرة باعتبار أنه فقد أكثر من 30 بالمائة من قيمته خلال سنة 2018، إذ صرّح  قائلًا: "لا يمكن الحديث بأي حال من الأحول عن عائدات سياحية بالدينار التونسي والحال أن الدينار قد فقد أكثر من 30 في المائة من قيمته خلال سنة 2018". من جهة أخرى، يرى وزير المالية الأسبق حسين الديماسي في حديثه لنا أنه من المستحسن الحديث عن عدد الليالي المقضاة وارتفاع نسبتها في النزل بإعتبار أن نسبتها لا تتجاوز 20 بالمائة داعيًا إلى قراءة هذه الأرقام بحذر شديد.

عزالدين سعيدان: لا يمكن الحديث عن عائدات سياحية بالدينار التونسي والحال أن الدينار قد فقد أكثر من 30 في المائة من قيمته خلال سنة 2018

في مقارنة بسيطة لمردود القطاع السياحي بين سنتي 2013 و2018 وذلك باعتماد سعر الصرف بين السنتين بالاعتماد على معطيات البنك المركزي التونسي، نجد أن موسم 2013 قد حقق إلى حدود 30 أوت/أغسطس من تلك السنة عائدات تقارب 2078 مليون دينار بـ 4.1 مليون سائح، وإذا أردنا تحويلها إلى الأورو بسعر الصرف سنة 2013 والذي يبلغ 2.15 في ذلك الوقت نجد أن تونس قد حققت عائدات تقارب المليار يورو.

في مقابل ذلك، حققت تونس هذه السنة 2323.5 مليون دينار ولكن باعتماد سعر الصرف لهذه السنة، نجد أن العائدات السياحية بالعملة الصعبة هي في حدود 766 مليون دينار وذلك رغم تسجيل دخول أكثر من 5.1 مليون سائح إلى تونس (6 مليون في تصريح آخر لوزيرة السياحة). خلاصة الأمر، نلاحظ فرقًا كبيرًا بين عائدات سنتي 2013 و2018 بالعملة الصعبة رغم ارتفاع عدد السياح.

فرق العائدات السياحية بين سنتي 2013 و2018

السنة العائدات بالمليون دينار  عدد السياح بالمليون

سعر الصرف مقابل الأورو

العائدات بالعملة الصعبة
(الأورو مثال)

2013 2078.3 4.177 2.159 970 مليون يورو
2018 2325.5

6.000

3.1704 766 مليون يورو

المصدر: موقع وزارة السياحة وموقع البنك المركزي

في ظل غياب رد من وزارة السياحة، أكد أحد مسؤولي البنك المركزي الذي رفض ذكر اسمه لـ"الترا تونس" أن تونس تعيش فترة صعبة بالنظر إلى مخزون تونس من العملة الصعبة كما أنه لا يوجد بوادر لانفراج الأزمة. وبسؤاله عن إنخفاض العائدات السياحية من العملة الصعبة أجاب قائلًا: "لا تزال سنة 2018 متواصلة ولم تنتهي ولا يمكن الحديث اليوم عن تناقص في العائدات السياحية لأنه تقييم سنوي، سوف ننتظر نهاية الموسم و نرى ما حققته السياحة".

لكن الخبير المالي عز الدين سعيدان يقول إن إنخفاض موجودات العملة الصعبة في ظل تحقيق موسم سياحي جيد ليس له إلا تفسير واحد وهو أن شركات السياحة لم تحول عائداتها إلى تونس حسب تأكيده. يضيف سعيدان في حديثه لـ"الترا تونس" أنه في ظل عدم إستقرار الدينار وتراجعه المستمر، تعمد هذه الشركات الى انتظار تراجع الدينار بصفة أكبر من أجل تحقيق أكثر الأرباح وذلك في حين تسعى الدولة إلى الاستيراد بسرعة مخافة تراجع أكثر للدينار وهو ما أثر على مخزونات العملة الصعبة في البنك المركزي.

على خلاف ذلك، يرى وزير المالية الأسبق حسين الديماسي أن المعدلات الضخمة لعجز الميزان التجاري والتي بلغت إلى حدود 2214 مليون دينار في شهر أوت/أغسطس 2018 هو ما يبرر انخفاض موجودات العملة الصعبة إلى 69 يوم توريد رغم الإيرادات السياحية. كما نفى الديماسي في حديثه لـ"الترا تونس" أن تكون الشركات السياحية قد أبقت على عائداتها في الخارج قائلًا: "القانون التونسي يصرح بأن من حق الشركات السياحية الإبقاء على 20 بالمائة من العائدات السياحية بالخارج لكن مشكل تناقص العائدات السياحية رقم عدد السياح الكبير يعود إلى تنامي نشاط السوق الموازية للصرف والتي في بعض الأحيان يتجاوز سعر الصرف فيها سعر البنوك وهو ما يجذب أكثر حرفاء لتحقيق أرباح أكبر".

مسؤول في البنك المركزي لـ"الترا تونس":  تونس تعيش فترة صعبة بالنظر إلى مخزون تونس من العملة الصعبة ولا بوادر لانفراج الأزمة

"ويني فلوس السياحة" هو سؤال طرحه محافظ البنك المركزي السابق الشاذلي العياري خلال جلسة عامة بمجلس نواب الشعب، لكن مروان العباسي محافظ البنك المركزي الحالي قال أن مداخيل السياحة جنبت تونس العجز عن تغطية الفارق في سعر برميل النفط الذي قفز من 40 دولار إلى أكثر من 100 دولار، وقد نفى نفيًا قاطعًا بقاء العائدات السياحية بالخارج.

في الأثناء، لا يقتصر نزيف العملة الصعبة على قطاع السياحة فقط، فهناك السوق السوداء التي لا تبعد عن وزارة الداخلية سوى 400 متر وتمارس نشاطها بكل حرية وتسيطر على أكثر من 40 في المائة من النشاط الرسمي ما دفع الحكومة إلى إقرار قانون يبيح إنشاء شركات صرافة قانونية في محاولة إستعاب السوق السوداء.

 

اقرأ/أيضًا:

المؤشر العربي 2017/2018: أغلب الأسر التونسية تواجه صعوبات في تغطية احتياجاتها

تونس: تراجع مخزون العملة الصعبة إلى 69 يوم توريد فقط