هل تصبح تونس قطبًا إقليميًا للنقل الجوي والبحري في اتجاه إفريقيا؟

هل تصبح تونس قطبًا إقليميًا للنقل الجوي والبحري في اتجاه إفريقيا؟

مشاريع كبرى مبرمجة في مجال البنية التحتية في النقل الجوي والبحري (ماهر جعيدان/الترا تونس)

 

يشهد النشاط التجاري بين البلدان الإفريقية نموًا مطردًا خلال السنوات الأخيرة، كما عرفت الموانئ الجوية والبحرية في إفريقيا تطورًا ملحوظًا على مستوى البنية التحتية وجودة الخدمات. وفي خضم التنافس الجديد لكسب الأسواق الخارجية، اقتحمت بلدان عديدة السوق الإفريقية واستعدت لها بإمكانيات ضخمة.

تونس، نظرًا لتموقعها ضمن بلدان شمال إفريقيا والمغرب العربي، اتخذ توجهها نحو السوق الإفريقية منحى التجارة البينية مع دول المغرب العربي إضافة للتبادل التجاري مع بلدان جنوب الصحراء، وقد ولجت إلى هذه الأسواق بشكل تدريجي.

السوق البينية المغاربية هي أقل الأسواق ديناميكية في العالم والتجارة بين بلدان شمال إفريقيا لا تمثل إلا 4.8 في المائة من مجموع صادراتها

لكن رغم الاتفاقيات المبرمة بين بلدان الاتحاد المغاربي، فالسوق البينية المغاربية هي أقل الأسواق ديناميكية في العالم إذ أن التجارة البينية لشمال إفريقيا لا تمثل إلا 4.8 في المائة من مجموع صادرات البلدان الأعضاء فيما يبلغ المتوسط القاري 12 في المائة، حسب ما ورد في تقرير اللجنة الاقتصادية للأمم المتحدة حول النقل الدولي وتسهيل التجارة الصادر سنة 2015.

اقرأ/ي أيضًا: تونس والسعي وراء أفريقيا "المنسية"

ولا بد من الإشارة إلى أنه رغم انخراط تونس في "صياغة استراتيجيات إقليمية كفيلة بتأسيس سياسة فعالة للمبادلات التجارية وبناء القدرات" حسب التقرير المذكور، اعترضت السياسات التونسية المبرمجة عقبات عديدة من بينها المسائل المالية، وعدول المستثمرين لارتفاع التكاليف الإضافية على النقل، وعدم جاهزية الأسطول الجوي والبحري، وقصور المناطق اللوجستية الموازية عدا عن ارتفاع تكاليف المعاملات الدولية إضافة إلى تفاقم المخاطر الأمنية والسياسية.

وإثارة لهذه الإشكالات، انتظم بمدينة سوسة، مؤخرًا، حوار إقليمي حول النقل البحري والجوي نحو البلدان الإفريقية تطرّق إلى واقع المبادلات التجارية بين تونس وبلدان المنطقة وآفاقها قاريًا، مع التعرض إلى أهم المشاريع المنتظر إنجازها في تونس لدعم التجارة الدولية برًا وبحرًا وجوًا.

موانئ للمياه العميقة من أجل اكتساح أسواق إفريقيا

سامي بطيخ، المدير العام لديوان البحرية التجارية والموانئ، أشار، في مداخلته، إلى أن من المشاكل التي عانى منها ميناء رادس التجاري في المدة الأخيرة كونه يعمل برافعة واحدة مما تسبب في توقف رصيفين إثنين عن العمل لمدة شهرين كاملين، ولكنه أكد على استمرار التأخير رغم استئناف العمل برافعتين في الوقت الحاضر.

يذكر أن ميناء رادس غير قابل للاستيعاب منذ عام 2005 وهو حاليًا بصدد إجراء توسعة ضخمة تتمثل في إحداث أربعة أرصفة (أرصفة 6 و7 و8 و9) في ظرف سنتين لترتفع معدل المردودية من 8 حاويات إلى 50 حاوية في الساعة، وبالتالي إحكام التصرف والقضاء على مشكل التأخير والانتظار.

برمجة لتوسعة موانئ قديمة وإحداث موانئ جديدة في المياه العميقة (ماهر جعيدان/الترا تونس)

وحول بعث منطقة لوجستية برادس على مساحة 47 هكتار، أشار المسؤول المذكور إلى أنه وقع الإعلان عن عرض في شكل لزمة لإحدى شركتين وقع تمكينهما من كراس الشروط لاختيار أحدهما. وتهدف هذه المنطقة اللوجستية، وفق ما ذكره، إلى إحداث مناطق تجارية وصناعية حرة، وتحسين الربط بين النقل البري والحديدي، وتنسيق تدخل القطاع العمومي في اللوجستية وتنظيم المهن اللوجستية عدا عن بلورة جاذبية لوجستية لتونس.

وأضاف سامي بطيخ أنه بخلاف مينائي قابس وجرجيس، لا توجد عقارات متاحة للتوسعة على اعتبار أن أغلب الموانئ أنشئت في القرن التاسع عشر وليست قابلة للتوسعة. وأفاد أنه تمت البرمجة، على المدى متوسط، لإنشاء سلسلة جديدة من الموانئ في المياه العميقة مبينًا أن الانطلاقة ستكون بميناء المياه العميقة بالنفيضة ثم الصخيرة الذي سيعوّض ميناء صفاقس كما الشأن لميناء سوسة وذلك مع إمكانية إحداث ميناء المياه العميقة ببنزرت.

سامي بطيخ (المدير العام لديوان البحرية التجارية والموانئ): سيتم إنشاء سلسلة جديدة من الموانئ في المياه العميقة والانطلاقة ستكون بميناءين في النفيضة والصخيرة

وأوضح، في هذا الجانب، أن الموانئ الداخلية ستستمر في نشاطها ولكن مع تحديثها لتواكب التطور في النقل البحري وإن أشار بأن المواصفات الموجودة بها تجعل كلفة النقل عالية وبالتالي لابد من الذهاب إلى سلسلة جديدة من الموانئ على المدى المتوسط، وفق تأكيده.

اقرأ/ي أيضًا: موقع أمريكي: القوى الكبرى تتصارع من أجل السيطرة على ميناء بنزرت

وحول ميناء المياه العميقة بالنفيضة، أكد المدير العام لديوان البحرية التجارية والموانئ أنه سيدخل حيز الاستغلال بداية من عام 2023 وذلك بتجهيز 1200 مترًا من الرصيف ثم استكمال جزء آخر يتكون من رصيف الحاويات طوله 1200 مترًا أخرى وبالتالي تحصيل 2400 مترًا من رصيف للحاويات و1100 مترًا كرصيف للشحن العام وغيره وبالتالي يصبح لدينا 3.2 كلم بحلول 2025، وفق تأكيده.

وأضاف أنه ستوجد أيضًا منطقة لوجستية بالنفيضة تمسح 2000 هكتار، مبينًا أنه، حسب تقدير مكتب الدراسات الذي اشتغل على المشروع، سيتمّ إحداث 52 ألف موطن شغل واستقطاب نحو 8 مليار دولار استثمارات أجنبية.

وعليه اعتبارًا لهذه المشاريع في البنية التحتية، يمكن تنشيط المبادلات في اتجاه البلدان الإفريقية وتخفيض كلفة شحن الحاويات ونقلها وأيضًا تشجيع المبادرة التصديرية للبضائع التونسية وفتح أسواق جديدة.

النقل الجوي.. صراع مع الاستمرارية نحو الوجهة الإفريقية

يُعتبر النقل الجوي إحدى أهم دعامات المبادلات التجارية والتنقل بين تونس والبلدان الإفريقية. وفي هذا الجانب، تحدث علي معاوي، الرئيس المدير العام المساعد للخطوط الجوية التونسية، أن الخطة التجارية في الشركة مبنية على إفريقيا وهي موجودة عبر 4 خطوط تاريخية قبل 2015 وهي تحديدًا خطوط داكار /السينغال، وأبيدجان/كوت ديفوار، وباماكو/مالي ونواكشوط /موريتانيا.

وأشار إلى أنه أُضيف خط واقادوقو /بوركينافاسو ثم خط آخر نحو نيامي/النيجر عام 2016 بطلب من رجال الأعمال. وقال المسؤول في الخطوط التونسية إنه، في إطار تطوير الحركة في اتجاه إفريقيا، فتحت الشركة خطين جديدين عام 2017 نحو كوناكري/غينيا وكوتونو/البنين في إطار الشراكة بين القطاع الخاص والقطاع العام وأيضًا بالشراكة مع الاتحاد التونسي للصناعة والتجارة والصناعات التقليدية وكونفدرالية المؤسسات المواطنة التونسية (كوناكت).

أنشأت شركة الخطوط الجوية التونسية خطوطًا نحو بلدان إفريقية خلال السنوات الأخيرة (فتحي بلعيد/أ.ف.ب)

وأكد علي معاوي أن هذه الخطوط نحو البلدان الافريقية "حققت نجاحًا تجاريًا لكن دون نجاح على مستوى الخارطة المالية" مشيرًا لتسجيل خسائر تقدر بين 15 و17 مليون دينار ولكنه قال إن الخطوط التونسية لا تخدم شركتها وإنما تخدم الاقتصاد التونسي باعتبار أن 50 في المائة من الأفارقة القادمين إلى تونس يأتون للدراسة والاستشفاء و التجارة ويساهمون في الاقتصاد التونسي بنصيب من الأرباح، وفق تأكيده.

اقرأ/ي أيضًا: تونس أو الفرص الاقتصادية الضائعة

وشدد الرئيس المدير العام المساعد للخطوط الجوية التونسية على أن انتفاع الاقتصاد التونسي من الخطوط نحو إفريقيا قد دفع سياسات الشركة نحو إحداث خطين جديدين كل سنة. وقال إن التوازنات الصعبة للخطوط التونسية وسوء المردودية أوقف تنفيذ هذه السياسة عام 2018، مشيرًا إلى أنه كان من المبرمج العام المنقضي فتح خطوط نحو دوالا/الكاميرون، ونجامينا/التشاد وكينشاسا/الكونغو، فيما كان من المبرمج عام 2019 فتح خطين نحو أكرا/غانا ولاغوس/نيجيريا لينضاف عام 2020 خط نحو ليبرفيل/الغابون.

شركة الخطوط الجوية التونسية أوقفت برنامجها لإنشاء خطوط سنوية نحو البلدان الإفريقية بسبب الصعوبات المالية

لكنه شددّ، في المقابل، على أن التوجه نحو السوق الإفريقية يدخل ضمن السياسات العامة للبلاد و"عليه نرى أنه لابدّ من الإعانة الكافية لإنجاح هذه الخطوط" وفق تعبيره.

ومن بين الأرقام التي قدمتها الخطوط التونسية حول المسافرين نحو إفريقيا، هو تطور عدد المسافرين من 70 ألف عام 2008 إلى 97 ألف عام 2015 ليصل الرقم إلى 180 ألف مسافرًا بنهاية عام 2018، وهو ما يمثل 5 في المائة من الحركة على الخطوط التونسية التي أعلنت أن هدف الشركة تحقيق بين 10 و12 في المائة إلى حدود عام 2022.

ولا بد من الإشارة أن إعادة الهيكلة لشركة الخطوط التونسية، حسب تصريح مساعد مديرها العام علي معاوي، ستشمل إضافة طائرات حديثة تدخل حيز الخدمة بداية سنة 2020 مما سيسهّل من تواجد الشركة بإفريقيا.

وبخصوص التعاون التونسي الجزائري، كشف علي معاوي عن مباحثات بين الطرفين لإجراء للقاء قريبًا بين وزيري النقل في البلدين، متحدثًا عن وجود مقترح لحلول طائرات الشحن الجزائرية إلى تونس والعمل المشترك على أساس "تبادل الرموز" سواء في نقل المسافرين أو الشحن.

تطور عدد المسافرين نحو إفريقيا من 70 ألف مسافر عام 2008 إلى 180 ألف مسافر عام 2018 ما نسبته 5 في المائة من الحركة على الخطوط التونسية

بنهاية المطاف، وبالنظر إلى إشكالات النقل البحري والجوي خصوصًا على مستوى البنية التحتية، لا تزال تونس بعيدة عن ركب التطورات الحاصلة عالميًا في مجال النقل وخاصة منه في قطاع شحن البضائع.

وفي انتظار تنفيذ المشاريع الكبرى من تشييد موانئ للمياه العميقة وإنشاء مناطق لوجستية واقتناء طائرات حديثة، يبقى الاندماج ضمن تنظيمات تشريعية دولية أمرًا ضروريًا، وفق مراقبين، والحديث بالخصوص على اتفاقية "السماوات المفتوحة" (Open Sky) في ظل عدم إزالة العوائق التي تمنع تونس، إلى اليوم، من الإمضاء عليها، وهي ذات الاتفاقية التي ترفضها النقابات الأساسية لمجمع شركة الخطوط التونسية لأنها "ستجعل الشركة الوطنية في منافسة غير متكافئة مع بقية شركات الطيران في العالم" حسب تقديرها.

وإجمالًا وعدا المشاريع الكبرى على المدى الطويل، تظل الحاجة، في الوقت الحاضر، لتنشيط مطار النفيضة الحمامات الدولي، وتحميل الشركة المستغلة التزاماتها تجاه الدولة التونسية وذلك إلى جانب تحسين القدرات الخدماتية لمطار تونس قرطاج وأيضًا مطاريْ المنستير وجربة.

 

اقرأ/ي أيضًا:

10 حقائق وتجاوزات في التصرف في أسطول "الخطوط التونسية"

"ويني فلوس السياحة؟".. سؤال طرحه الشاذلي العياري لا حسم في إجابته