من بيع

من بيع "الملسوقة" إلى "الطابونة".. تونسيات كادحات "يراودن" لقمة العيش في رمضان

نساء يعملن من أجل تحصيل قوت العيش في ظروف اقتصادية واجتماعية هشة (ماهر جعيدان/ألترا تونس)

 

تحت سور المدينة العتيقة بسوسة وقبيل دقائق قليلة من موعد الإفطار، كانت تفوح من النوافذ رائحة الطهي الذكية لتمتزج في مخيلتي الأطعمة الشهية، وكاد يخلو الشارع من النساء بل لا ترى غير الصبيان والشباب والكهول "يقتلون وقتًا" أطاله الصيام. وبينما كنت أستفتي المارين عن حلاوة شهر رمضان في مدينة سوسة أسرعت إليّ فتاة في الخامسة عشرة من عمرها سائلة "هل أنت صحفي؟" فأجبتها "بلى".

وكان البلاء بأن أجهشت بالبكاء وتوسلت أن تشتكي حال أمها التي تنظر إليها من شرفة مقهى يستعد لاستقبال زبائنه بعد الإفطار، كانت الأم تمسك مكنسة وتنظف الأرض في انحناء وعلامات البؤس تلوح على محياها، فيما كانت الابنة تمسكني وتتوسلني أن أستمع إليها فهي ترى في الصحافة القشة التي تنقذ الغريق.

اقرأ/ي أيضًا: عن خلق "الملسوقة".. هل جرّبت أن تصافح النار يوميًا؟

هذه الأم العاملة تشتغل في هذا المقهى الراقي كل مساء من شهر رمضان بنصف أجر من أجل إعالة ابنتها التلميذة بإحدى المدارس العمومية بالجهة، كما تعيل ابنًا عاطلًا عن العمل. بكت الابنة حال أمها التي تعود إلى المنزل وقد أمسكت بيدها بعض الدنانير لتقتسمها بين رغيف و"مصروف" ابنها الذي لم يؤلمه شقاء أمه بقدر ما أخذته العزّة بالبطالة.

 لا تطهو عائشة الإفطار كل يوم بل تقسطه على يومين أو ثلاثة لأنها تغادر منزلها يوميًا لتعود إليه بعد آذان المغرب من أجل 10 دنانير

عائشة، أم في الخمسين من عمرها، قابلتنا عند الباب الغربي للمدينة العتيقة وقد دعت الله أن يفتح لها أبواب الرزق والرحمة، وكانت تتوسل إلينا أن ننشر قصتها مع العمل في شهر رمضان، لم تكن تطهو الإفطار كل يوم بل تقسطه على يومين أو ثلاثة فمن أجل عشرة دنانير تغادر المنزل يوميًا لتعود إليه بعد آذان المغرب، هكذا حالها على مرّ سنين وقد أعوزها الكبر وعدم تحمل زوجها وابنها مسؤوليتهما في إعالة الأسرة.

هذا نموذج من حالات عمل امرأة تونسية تسعى لكسب رزقها، هن نساء عاملات في التنظيف خلال شهر رمضان يخضعن إلى إملاءات المشغّل من حيث التوقيت أو المكان وهو ما يؤثر على حياتهن الأسريّة فلا يتحلقن حول المائدة مع عائلاتهنّ مثل بقية ربات البيوت.

تستغل حميدة (اسم مستعار)  شهر رمضان وكثافة الزبائن بالسوق لتبيع الأكياس السوداء من أجل تحصيل بضع دنانير لإعالة أمها العجوز

ولم يكن أمر عائشة أسوأ من نساء جلسن في مداخل "سوق العراوة" بسوسة، سوق شعبية داخل أسوار المدينة، لترى عند المدرج امرأة تمسك الأكياس البلاستيكية السوداء تنادي عمن يشتري منها واحدة، تجلس من الصباح حتى المساء من أجل بعض المال تعيل به أسرتها.

حميدة (اسم مستعار) في الأربعين من عمرها بان على وجهها ملامح التعب وأسرت إلينا أنها غير متزوجة وفي كفالتها أم عجوز وهي تستغل في شهر رمضان كثافة الزبائن بهذا السوق لتبيع الأكياس السوداء، ولم تخف قناعتها بما تكسبه من مال في أعقاب المساء.

وغير بعيد عنها، جلست شلبية، امرأة مقعدة على كرسي متحرك تبيع ورق "الملسوقة" لإعداد البريكة الشهية التي يتلذذها الصائمون على مائدة الإفطار، وقالت لـ"ألترا تونس" إنها مقعدة منذ صغرها وكانت تعيل نفسها بطهي كميات من الملسوقة صباحًا وتأتي للسوق لكي تبيعها فهي تمزج بين الإعداد والبيع. لم تكن سعيدة بشقائها ولكنها "مقتنعة بما أعطاها القدر"، هكذا حدثتنا بمرارة.

ينتشر بيع "الملسوقة" في شهر رمضان

وفي الزاوية الأخرى من السوق، نصبت امرأة في الثلاثين من عمرها لوحًا أمامها لتبيع بعض الخضار من سلق وبقدونس وفجل. سألناها عن سر انتصابها بالسوق في آخر المساء فقالت "أنتصب بالسوق طيلة رمضان منذ الصباح حتى آخر المساء قبل نحو الساعة من موعد الإفطار. أعمل مع زوجي، فهو يتنقل للتزود بالخضار ونقلها إلى السوق ثم يتفرغ لبيع بعضها في الأحياء المجاورة فيما أتولى مهمة البيع في السوق. نحن نستغل هذا الشهر لنوفر بعض المال قد يكفينا بين العيدين حتى نعيل أبناءنا الخمسة الذين يزاولون دراستهم بين المرحلة الابتدائية والإعدادية"، وكانت محدثتنا شكورة لما هي عليه ولم يبد على ملامحها التذمر.

لا يتحلقن النساء العاملات في رمضان غالبًا حول المائدة مع عائلاتهنّ مثل بقية ربات البيوت بسبب ظروف العمل

اقرأ/ي أيضًا: المهن الموسمية في رمضان.. باب رزق

وعلى المدارج الجانبية لمدخل السوق، ترى نساء وصبايا في مقتبل العمر قد وضعن أمامهن لوحًا عليه خبز "الطابونة" وخبز "الشعير" ورقائق "الملاوي "أو ما يطلق عليه بـ"الرقاق"، نساء يعددن الخبز في منازلهن ويأتين مساء لبيعه والمعلوم عند التونسيين إقبالهم الشديد على جميع أنواع الخبز "الدياري" في رمضان. ولما كانت المرأة لها الإرادة وحدها على تحمل حرارة "الطابونة" فهي تتحمل أيضًا عناء البيع والتجارة.

ولم يكنّ هؤلاء إلا نموذجًا من المرأة العاملة خارج الديار في شهر رمضان فمن النساء من يعملن في المؤسسات والشركات والمنشآت الصناعية والمحلات التجارية والمنتزهات الترفيهية.

وتنتشرن أيضًا بائعات الحلوى في أسواق المدينة منذ حلول النصف الثاني من شهر رمضان وتتكثف تجارتهن عند اقتراب العيد، حدثتنا فاطمة، إحدى المنتصبات على قارعة الطريق لتبيع بعضًا من "الغريّبة" و"المقروض" و" البشكوطو"، أنها تشتغل خاصة عند حلول النصف الثاني من رمضان على بيع ما صنعته من حلويات.

لا يوفر العمل الموسمي غالبًا الحد الأدنى من المال للنساء الكادحات في شهر رمضان 

وأضافت لـ"ألترا تونس" قائلة: "رغم المنافسة الشديدة، أجد سبيلًا إلى بيعها فقد اعتدت كل سنة على بيع سلعتي لزبائن يعودون إلي عند كل موسم إضافة إلى زبائن جدد". ولم تخف فاطمة أن بعضًا من الزبائن، وخصوصًا من أبناء حيًها، يقتني بضاعتها رأفة بها وشفقة خاصة ممن يعلم ظروفها الاجتماعية الهشة.

عاملات يشتغلن ضمن ما يسمّى الاقتصاد غير المنظم، هكذا حال النساء اللاتي التقيناهن في هذا السوق، اقتصاد لا يضمن لهن الحد الأدنى من الضمانات المالية ولا يوفر لهن تغطية اجتماعية أو صحية بل هو عمل على هامش الاقتصاد، فتكاد تعجز عن وصف شغلهن باللائق ولكن يكفيهن شرف المقاومة والمثابرة من أجل لقمة العيش.

يقدّر عدد النساء العاملات في الاقتصاد غير المنظم  بحوالي 306 ألف امرأة

ويقدّر عدد النساء العاملات في الاقتصاد غير المنظم، وفق التعداد العام للسكان والسكنى لسنة 2014، بحوالي 306 ألف بنسبة تبلغ 32.5 في المائة من عدد السكان المشتغلين، ويستقطب قطاعا الفلاحة والتجارة أكبر عدد من العاملات، الأول بنسبة 33.3 في المائة والثاني بنسبة 35.5 في المائة.

تعاني العاملات في الاقتصاد غير المنظم من ظروف اقتصادية واجتماعية هشة تتجلى أساسًا في انخفاض الأجور وغياب التغطية الاجتماعية

وجاء في دراسة، أعدها كريم الطرابلسي، الجامعي والخبير المعتمد لدى قسم الدراسات والتوثيق التابع للاتحاد العام التونسي للشغل عام 2015، أن العاملات في الاقتصاد غير المنظم يعانين "من ظروف اقتصادية واجتماعية هشة تتجلى أساسًا في انخفاض الأجور مبينًا أن حوالي 60 في المائة من النساء من العينة المُستجوبة يتحصلن على دخل شهري أقل من 300 دينار (الأجر الأدنى المضمون 338 د) خصوصًا بالنسبة للمعينات المنزليات والعاملات الفلاحيات، فيما ترتفع الأجور لدى فئة قليلة من النساء العاملات في القطاع التجاري المرتبط خصوصًا بتهريب السلع والتجارة الموازية.

ويتضاعف، في كل شهر رمضان، عدد النسوة المشتغلات في التجارة وقطاع الخدمات ما يعكس دور المرأة في النهوض بأسرتها وإعالتها، ولكن في المقابل لا بد من إدراك عدم نجاعة المنوال الاقتصادي والتنموي في النهوض بهذه الفئات الهشة التي لا تزال تعاني من مخلفات سوء تدبير المسألة الشغلية في تونس وتوفير فرص العمل اللائق ومراعاة خصوصياتهم من أجل تجاوز خط الفقر.

 

اقرأ/ي أيضًا:

حوادث شغل المهن غير المهيكلة.. ضحايا دون تعويض!

"عواطف" عميدة سائقات التاكسي: أشجع من الرجال