من الكابتن ماجد إلى

من الكابتن ماجد إلى "الأيباد": كيف أصبح الطفل وحيدًا؟

512 مشاهدة
سطوة العنف والعدوانية على المسلسلات الكرتونية الحديثة (Getty)

كانت حقائق مرعبة حينما اكتشفت أن "الكابتن ماجد" هو مجرد صورة تتحرك، وأنني لا أستطيع حتى ولو تدربت سنوات طويلة تنفيذ رمية "مخلب النمر" للكابتن بسام، وأنني لا أستطيع الكلام مع الحيوانات مثل "ماوكلي"، ولن أجد صديقًا مثل "روميو"، بل وأن كل ما شاهدته في ذلك الصندوق الأسود هو عبارة عن خيال شخص آخر يعيش في مكان أخر بقلب دافئ وعقل مبدع.

أبطال المسلسلات الكرتونية رافقونا في أجمل أيام العمر زمن طفولتنا وأثروا في تركيبة شخصيتنا

هؤلاء الذين كانوا معنا في صبانا، الذين رافقونا في أجمل أيام العمر، الذين دفعونا دفعًا إلى العودة من الدراسة جريًا لمسافات طويلة حتى لا تفوتنا ولو ثانية واحدة من مسلسلاتهم، كانوا يسكنون عقولنا لفترة طويلة قبل أن يطردهم الكبر والوعي المقيت وما يسمّى بالواقع.

ظننت لفترة طويلة أن ذلك الوقت مضى إلى أن اكتشفت في فترة متأخرة أن تلك الشخصيات الرائعة قد طبعت أثرها عليّ وعلى جيل كامل. "روميو" الذي علمنا معنى الصداقة، و"ماجد" الذي لطالما حافظ على برودة أعصابه أمام متجبر مثل "بسام" وظل ينظر إلى كرة القدم كلعبة ممتعة قبل أن تكون منافسة، وكذلك "ريمي" صاحبة الروح الدافئة وغيرهم. هم الذين حملوا لنا معاني الحب والصداقة وحب المساعدة والتحدي والعمل من أجل الفوز، وعلمونا ما معنى أن تكون حالمًا وأن تحقق حلمك. ولكن لا تنطبق هذه المقدمة الشاعرية تمامًا على جيل اليوم الذي غزته التكنولوجيا، وأصبح ينظر لقيم الأمس بعيون الازدراء.

اقرأ/ي أيضًا: أشهر 10 مسلسلات كرتونية أثرت في جيل الثمانينيات في تونس

ماضي الكرتون الجميل

لم تكن هناك طفرة في إنتاج برامج الأطفال أو الصور المتحركة قبل منتصف التسعينيات، فلم يكن يتجاوز نصيب الطفل في القنوات العربية الساعة أو الساعتين يوميًا، ولكن كانت اليابان المصدر الأول للعالم العربي لهذا النوع من الإنتاجات. يتم تصدير المنتج ثم تقوم شركات عربية مثل الشركة اللبنانية "فيلملي" بعملية الدبلجة. وكانت الساعات القليلة التي يقضيها جيل الثمانينيات وبعض من جيل التسعينيات كفيلة بأن تؤثر بشكل نفسي عميق في تركيبة شخصية الطفل.

أيمن العبيدي (كاتب مسرحيات للأطفال): الجيل السابق محظوظ بوجود صناع كرتون يؤمنون بأن الإنتاج التلفزي للطفل هو قضية والتزام

أيمن العبيدي، كاتب مسرحيات للأطفال وهو من أبناء جيل الثمانينات، الذي بقي فيهم أثر أبطال الصور المتحركة، يتحدث لـ"الترا تونس" قائلًا: "كان جيلنا المخضرم يصنع ألعابه ويتابع نجومه كـ"سيمبا" و"بابار" و"الكابتن ماجد"، وهو محظوظ بوجود صناع كرتون يؤمنون بأن الإنتاج التلفزي للطفل هو قضية والتزام. كانت الخيارات تجمع بين المتعة والمضمون السلس والشارات الرائعة التي ابتدعها العبقري طارق العربي طرقان، وكانت تساهم في بناء شخصية طفل وتشكيل جيل رائد مبدئي صادق وبأحلام كبيرة".

لم تكن لجيل الثمانينيات والتسعينيات أي خيارات تكنولوجية متقدمة مثل المتاحة للجيل الحالي، لكن كان محظوظًا وقتها بالطفرة التكنولوجية الأولى عبر الصور المتحركة التي ساهمت في صياغة الشخصية، وأثرت على القناعات والأفكار والأحاسيس، كإحساس ريم البالغة من العمر 27 عامًا التي لا تزال تعيش على وقع تلك الشخصيات الساحرة.

لريم علاقة روحية بالمسلسل الكرتوني ريمي، وتحدثنا قائلة: "لا أزال إلى الأن عندما أشاهد ريمي في اليوتيوب أبدأ بالبكاء دون أن أشعر مثلما كنت أفعل وأنا صغيرة. كان أيضًا مسلسل "أنا وأخي" مليء بالمشاعر الرائعة التي تكون حزينة في الغالب". تعتقد ريم أن الإنتاجات التلفزية الخاصة بالأطفال كانت مفعمة بقيم تشترك جميعها في حب الخير ونشره والتغلب على الأشرار، ليجد الطفل نفسه يقلّد تلك الشخصيات المتخيلة.

ريم (شابة محبّة للكرتون): الإنتاجات التلفزية الخاصة بالأطفال كانت مفعمة بقيم تشترك جميعها في حب الخير والتغلب على الأشرار ليجد الطفل نفسه يقلّد تلك الشخصيات المتخيلة

وقد أحيا مؤخرًا الفنان السوري طارق العربي طرقان حفلًا فنًيا في مدينة الثقافة في إطار أيام قرطاج الموسيقية، وكان الحفل رائعًا حتى غصت القاعة بالجمهور دون وجود مقعد شاغر. أعاد طرقان الحاضرين إلى سنوات الطفولة والذكريات الرائعة من خلال أغاني الشارات التي أداها مثل "بابار فيل"، و"عهد الأصدقاء" و"سيمبا".

ماهو مرض "طفل التلفزة"؟

يعتقد بعض خبراء علم النفس أنه من الخطأ المقارنة بين الجيل القديم والجيل الجديد، سبب ذلك تطور الحياة والتغيرات الطارئة في تقدير القيم والمبادئ والأخلاق. يؤكد المختص في علم النفس الدكتور أحمد الأبيض لـ"الترا تونس" أن ما يميز هذا الجيل هو غلبة الطابع العنيف على الصور المتحركة، مشيرًا لدراسة بيّنت أن أكثر من 82 في المائة من الرسائل التي ترسلها القنوات التونسية هي رسائل عنيفة، ومعلّقا بالقول: "بالتالي عندما يكون الطفل مسالمًا فهو استثناء وعندما يكون عنيفًا فهذا الطبيعي. لقد أصبح أطفالنا يستسيغون مشاهد القتل عكس دول الاتحاد الأوروبي التي تنبه المشاهد في حالة تواجد مشاهد عنيفة".

مرض "الطفل التلفزة" هو مرض مستجد بسبب جلوس الأطفال طويلًا أمام التلفاز

كما يرى الدكتور الأبيض أنه عكس ما كان يحصل سابقًا، توجد اليوم طفرة كمية في برامج الأطفال في القنوات العربية غير أنها تفتقر إلى الرسائل القيمية وفق تقديره. ويضيف أن هذه الطفرة جعلت الأطفال يمضون ساعات أمام شاشة التلفاز "حتى يسرق الطفل من نفسه لأنه في وضع متلق سلبي يتلقى الرسائل دون مناقشة".

ويؤكد أنه نتيجة لجلوس الأطفال لوقت طويل أمام شاشات التلفزة، ظهرت أمراض جديدة تصيب الأطفال مثل ما يسميه محدثنا "طفل التلفزة "(L’enfant de télévision)، مؤكدًا أيضًا على وجود بعض حالات "التوحد" تبين بعد تشخيصها أنها مرض طفل التلفزة.

اقرأ/ي أيضًا: "أنا حلومة".. مسلسل كرتون تونسي بلمسة شابة

غياب الرقابة ومخاطر رسائل العنف

تتوافق وجهة نظر خبراء علم النفس مع وجهة نظر المنتجين، إذ يقول أيمن العبيدي، مؤلف لمسرحيات الأطفال، إن المنتج الكرتوني مع الطفرة الاستهلاكية والتكنولوجية أضحى يبث خطاب عنف يحتوي على مشاهد المعارك والتفجيرات، وهو ما يزرع العدوانية ومنطق القوة قبل منطق الأخلاق والتحدي. من جهتها، تصف ريم، التي لا يزال الحنين يشدّها لماضي الصور المتحركة، جيل اليوم بأنه "جيل مرقمن بكل بساطة".

أحمد الأبيض (مختص في علم النفس): دراسة بيّنت أن أكثر من 82 في المائة من الرسائل التي ترسلها القنوات التونسية هي رسائل عنيفة

آمنة بن جمعة مقدمة برامج للأطفال، يلقبها الجميع باسم "بيكا"، إحدى اللواتي غامرن بإنتاج برنامج للأطفال إلى جانب مجموعة من المنتجين، وقد نجح البرنامج في عيون البعض فيما لاقى انتقادات من البعض الآخر. تتساءل آمنة من خلال علاقتها بالأطفال: هل أن جيل اليوم أذكى من جيل الأمس أم أن اطلاعهم الواسع والمبكر مصدره الطفرة التكنولوجية التي غزت العالم؟

تقول "بيكا" لـ"الترا تونس": "يشاهد اليوم الأطفال مسلسلات كرتونية شاهدتها أنا عندما تجاوزت العشرين من العمر. هناك الكثير من التلوث البصري مصدره غياب الرقابة، لقد فقدنا النظام القديم في مشاهدة التلفاز، إذ أصبح الطفل يشاهد التلفاز متى يشاء بل ويشاهد ما يشاء وهو أمر خطير جدًا".

هل يمكن إنقاذ الطفل اليوم؟

 يبلغ عدد القنوات التلفزية في تونس ما يزيد عن 10 قنوات تلفزية إضافة إلى عشرات الإذاعات، وهذا الكم من القنوات الإعلامية يفتقر إلى إنتاجات خاصة بالأطفال على عكس ما كان عليه المشهد الإعلامي في سنوات التسعينيات والذي يتكون من قناة واحدة ترصد دائمًا أكثر من ساعتين يوميًا للطفل.

تقول الشابة ريم المتيّمة بالصور المتحركة: "لا يوجد إنتاج خاص بالأطفال في تونس رغم أن التونسيين قادرين على إنتاج مثل هذا النوع من البرامج، وأكبر دليل النجاح الذي لاقاه مسلسل "ضيعة محروس" وكذلك برنامج "في كل بيت كتاب" الذي زرع فينا حب المطالعة. وإذا وجدت اليوم برنامجًا خاصًا بالأطفال ستجده يفتقد إلى القيمة العلمية". أيمن، مؤلف مسرحيات الأطفال، يذهب أكثر من ذلك ليؤكد أن الطفل أضحى مجرد متلق للإشهار الذي يبث للتأثير على التوجهات الاستهلاكية للعائلة.

آمنة بن جمعة (بيكا): لا تزال توجد فرصة لتوجيه الأطفال والابتعاد بهم من المخاطر المحدقة وذلك من خلال الاستثمار في تثقيفهم وتعليمهم 

باتت القضية في تونس والعالم أكبر من مقارنة بين جيل قديم وآخر جديد، فهي قضية خطر داهم يهدد جيلًا سيصبح بعد أعوام عماد المجتمع والركيزة البشرية للدولة. يعتبر المختص في علم النفس أحمد الأبيض أن الدولة في تونس تخلت عن واجبها التربوي، و تخلت العائلة عن واجبها التربوي أيضًا بحكم انشغال الوالدين بالعمل، وترك الطفل وحيدًا في مواجهة أخطار كبيرة ما ولد حالة يسميها علم الاجتماع باللامعيارية (Anomie)  وهي اكتظاظ القيم وعدم القدرة على التوجيه الأخلاقي. يفسّر محدثنا قائلًأ: "يستقبل الطفل قيمًا كثيرة في وقت وجيز ومن مصادر مختلفة ، من الأب والأم ومعلم المدرسة، ما يجعله غير قادر على التمييز".

لكن من جانب آخر، ترى أمنة بن جمعة، أو "بيكا" كما يحلو للعديد تسميتها، أنه من خلال تجربتها لاتزال توجد فرصة لتوجيه الأطفال والابتعاد بهم من المخاطر المحدقة وذلك من خلال الاستثمار في تثقيفهم وتعليمهم نظرًا لما يتميزون به من قدرة كبيرة على الحب والاستيعاب، حسب تأكيدها.

 

اقرأ/ي أيضًا:

طارق العربي طرقان.. أسطورة طفولتنا ورمز سعادتنا

الفنان التونسي المغترب عبد المجيد بن سعد: يجوب سماءات مسرح الطفل وفي جيبه موجة