معركة البقاء.. تونسيات يواجهن السرطان بين

معركة البقاء.. تونسيات يواجهن السرطان بين "صالح عزيّز" و"الدار الخضراء"

يعيش المريض بالسرطان رحلة علاج مختلفة ومعقّدة مقارنة ببقية الأمراض (Getty)

 

وسط التحديات الكبرى التي تواجه قطاع الصحّة العمومية في تونس وحالة عدم الاستقرار في العلاقة التعاقدية بين الصندوق الوطني للتأمين على المرض والمؤسسات الصحية الخاصة والعامة، يخوض المصابون بالأمراض المزمنة والثقيلة معارك شرسة مع أمراضهم ومنها بالخصوص مرض السرطان.

يشكو المصابون بهذا المرض الخبيث من غياب نظام تغطية صحية لائق يحفظ كرامة المريض ويضمن تلقيه العلاج المناسب في الوقت المناسب، ويخفف من وطأة الآلام البدنية والنفسية. إذ يعيش المريض رحلة علاج مختلفة ومعقّدة مقارنة ببقية الأمراض، تبدأ بـ"فاجعة" اكتشاف المرض، ثم رحلة "العذاب" إلى مستشفى العاصمة الوحيد في هذا الاختصاص، المستشفى العمومي صالح عزيّز.

يشكو المصابون بمرض السرطان من غياب نظام تغطية صحية لائق يحفظ كرامة المريض ويضمن تلقيه العلاج المناسب في الوقت المناسب

مرض قد يؤدي إلى ضائقة اقتصادية لدى محدودي الدخل من أجل توفير تكلفة العلاج، ولكنها قبلها يفرض معركة نفسية بالنظر لما يدخله هذا الزائر الثقيل من متغيرات في الأسرة والمجتمع.

تسجل تونس سنويًا 15 ألف حالة إصابة بالسرطان نصفهم من النساء، وفق حديث الدكتور خالد الرحال رئيس قسم الأورام بمعهد صالح عزيّز لـ"الترا تونس". وأوضح محدثنا أنه يتم تسجيل سنويًا حوالي 2500 امرأة مصابة بسرطان الثدي مقابل 350 إصابة بسرطان الرّحم.

في معهد صالح عزيّز، كانت الساعة تشير إلى الواحدة بعد الزوال، لا تزال قاعة الانتظار تعجّ بالمرضى وبعض المرافقين في انتظار مقابلة الطبيب. شفاه مطبقة وأجساد ملقاة على الكراسي المنتشرة في القاعة، رجال ونساء وأطفال توحي أبدانهم بما فيها، ويعلو فجأة بين الفينة والأخرى صراخ امرأة تتلوى من الألم. فيما لم يخف شاب يصطحب والدته للمراقبة الطبية تذمّره من طول الانتظار.   

اقرأ/ي أيضًا: تجربتي مع سرطان الثدي..

قصصهنّ مع المرض

جميلة من باجة (55 سنة)، تروي قصتها لـ"الترا تونس" قائلة إنها اكتشفت الإصابة بالمرض عام 2001 بعد إجراء الأشعة كشف الصدى، ليتم توجيهها إلى معهد صالح عزيّز مؤكدة أن الخبر كان بمثابة الصاعقة ليتحوّل المنزل إلى مأتم على حد تعبيرها.

"كان عليّ أن أوفر مبالغ مالية باهظة لشراء الحقن بالإضافة إلى عناء التنقل إلى العاصمة ذهابًا وإيابًا، وأحيانا العودة دون علاج بسبب ضياع الملف في المستشفى"، تضيف محدثتنا. 

جميلة (مريضة بالسرطان): خبر إصابتي كان بمثابة الصاعقة ليتحوّل المنزل إلى مأتم

مبروكة هي الأخرى تشتكي من عجزها عن دفع تكاليف العلاج. خمسينية اكتشفت إصابتها بالمرض منذ عام، كانت تباشر العلاج في مصحّة خاصة في مدينتها قفصة، لكن طلب دفع مبلغ قيمته سبعة آلاف دينار مقابل إجراء عملية لها اضطرّها إلى التنقل إلى العاصمة لاستكمال رحلة العلاج في معهد صالح عزيّز، وهي تقضي أكثر من ثلاثين يومًا في حصة العلاج بالأشعة. اشتكت هي الأخرى من ضياع الملفات بالمعهد واضطرارها أحيانًا لتأجيل المعاينة أو حصة العلاج.

لكن نورة أصيلة ولاية جندوبة (45 سنة)، أقرّت لـ"الترا تونس" أنها رفضت القدوم للعلاج في معهد صالح عزيّز عندما بدت عليها أعراض المرض قبل 3 سنوات، اقتضى العلاج تلقيها 4 حقن ثمن الواحدة 2700 دينار ثم حقنة كل 21 يوم، تقول إنها تضطرّ لتكبّد عناء السفر والعودة 3 مرات أحيانًا بسبب عدم توفّر الحقن.

نورة (45 سنة) مريضة بالسرطان تتكبّد عناء السفر من جندوبة إلى العاصمة للعلاج وأحيانًا تعود خالية الوفاض بسبب عدم توفر الحقن في المستشفى

وفي السياق ذاته، تروي رشيدة من بنزرت (49 سنة)، أن الدواء ليس متوفرًا دائمًا وهي تخضع حاليًّا لحصص علاج بالأشعة لمدة شهر و5 أيام.

فيما حدثتنا بسمة من نابل (45 سنة) أن المرض اضطرها إلى استئصال الثدي، وهي تشكو من رفض صندوق التأمين على المرض طلب الحصول على دواء وصفته طبيبتها لتكون مجبرة على إعادة تقديم نفس الطلب للوصفة نفسها وانتظار 21 يومًا للحصول على الردّ.

كيف تتكفل الدولة بمصاريف العلاج؟

حدّد الصندوق الوطني للتأمين على المرض ثلاث صيغ تكفّل، حسب مقتضيات الأمر عدد 1367 لسنة 2007 المؤرخ في 11 جوان 2007، وهي تشمل المنظومة العلاجية العمومية، والمنظومة العلاجية الخاصة ومنظومة استرجاع المصاريف.

ولا يتكفل الصندوق بتغطية تكاليف أصحاب بطاقات العلاج المجانية والبطاقات ذات التعريفة المنخفضة، ويشتكي عدد من المرضى أصحاب هذه البطاقات ممن التقاهم "الترا تونس" من عدم توفر الدواء وتأخر الحصول عليه.

وحسب شهادات مختلفة، أقر عدد من المرضى أن الصندوق الوطني للتأمين على المرض يتكفل بتغطية جزء فقط من التكلفة، كما يتم رفض تغطية طلبات عديدة للتكفل خاصة فيم يتعلق بوصفات الأدوية.

المسؤول عن الإعلام في "الكنام" لـ"الترا تونس": الاستجابة لطلبات مرضى السرطان تتم عبر لجنة مختصّة تدرس ملف المريض ومدى تأثير الدواء عليه وتراعي الأولوية الصحية

وفي ردّه بهذا الخصوص، قال المسؤول عن الإعلام بالصندوق الوطني للتأمين عن المرض عبد العزيز السبيعي حين اتصالنا به إن الاستجابة لطلبات المرضى تتم عبر لجنة مختصّة تدرس ملف المريض ومدى تأثير الدواء عليه وتراعي الأولوية الصحية، حسب قوله. وأوضح أن هذا المرض لا يخضع لسقف التغطية المحدد بـ200 دينارًا للمريض الواحد.

وبلغ عدد المنتفعين بقرارات التكفّل في اللأمراض الثقيلة والمزمنة 1.505.359 مليون مريض في الفترة الممتدة من 1 جانفي/كانون الثاني 2018 إلى 30 سبتمبر/أيلول من نفس العام، بكلفة قدّرت بـ 275.359 مليون دينار منها 91.838 مليون دينار تخصّ مرض السّرطان فقط.

اقرأ/ي أيضًا: انتصرن على السرطان.. حديث عائدات من المرض "الخبيث"

وحول عدم تكفل الصندوق بكامل مصاريف العلاج للمرضى، أفاد السبيعي لـ"الترا تونس" أن الإشكال يتمثل في أن فواتير العلاج في بعض الحالات تتجاوز قيمة التعاقد بين الصندوق والمؤسسة الصحية.    

أمام هذا الوضع وفي رحلة علاج تستمر لسنوات، لا يكون المريض في مأمن من انتكاسات صحية وأزمات نفسية وانزواء، "مررت بفترات طردت فيها الزوار من منزلي، زاد سقوط شعري بسبب العلاج الكيميائي من أزمتي"، هكذا حدثتنا إحدى المريضات.

فضاء للأمل..

في كوكبة الذهاب والإياب والخضوع للعلاج بالأشعة أو الكيميائي، وغير بعيد عن معهد صالح عزيّز بالعاصمة، نسوة داعبت أناملهنّ حبات العنبر والمرجان الملونة وذات الأشكال المختلفة، ارتشقت أعينهنّ في الطاولة وانتظمن جنبًا الى جنب تنظمن حليًّا بديعًا. كانت مبادرتهنّ بالسؤال عن تجربتهنّ محرجًا بالنسبة لي، لم أشأ أن أقطع تركيزهنّ فيما تصنع أيادهنّ.

مريضات بالسرطان يصنعن إكسسوارات ضمن أنشطة جمعية مرضى السرطان

هي قطع تُصنع لتعرضها جمعية مرضى السرطان، ناشطة في مجال تأهيل ومساعدة مرضى السرطان، في معرض الصناعات التقليدية بالكرم المزمع عقده بين 22 و31 مارس/آذار 2019.  

في "الدار الخضراء" التابعة للجمعية، تخضع النزيلات لتدريب حول صنع الإكسسوارات، هي فرصة لتعلّم حرفة تخرج المريضة من معاناتها وتكون موردًا لرزقها في المستقبل، حسب المدرّبة ألفة بن يحمد وهي مريضة سابقة، "ex-malade" هكذا قدمت نفسها وقد ارتسمت على محيّاها ابتسامة المنتصر. وترافقهنّ الإخصّائية في علم النفس والمعالجة بالتنويم المغناطيسي زينب الأمين.

زينب الأمين (إخصائية نفسية): خلال مشاركة المريضات في ورشات للرّسم تبيّن تغيّر استعمالهنّ للألوان من الأسود في البداية إلى الألوان الزاهية لاحقًا

لم تخف الأمين الأمراض النفسية التي ترافق اكتشاف الإصابة بمرض السّرطان، أكّدت أنه يتم التعهّد بالمريضات زائرات الدار حالة بحالة إلى أن يتقبّلن وضعهنّ الجديد. وأفادت في هذا السياق أن من خلال مشاركة المريضات في ورشات للرّسم، تبيّن تغيّر استعمالهنّ للألوان من الأسود في البداية إلى الألوان الزاهية بعد ذلك.

ومنذ افتتاحها في اكتوبر/ تشرين الأول 2012، استقبلت الدار 1006 مريضة من مختلف جهات الجمهورية قضّين أكثر من 29 ألف ليلة إلى حدود ديسمبر/كانون الأول 2018 خلال تلقّيهنّ العلاج.  

اجتمعت النزيلات في غرفة الاستقبال بعد تناول غدائهن، ورغم اختلاف قصصهنّ مع المرض، إلا أنهنّ أجمعن على أن التواجد في الدار جنّبهنّ مشقة التنقل بين محلّ سكناهم ومعهد صالح عزيّز خلال حصص العلاج.

أذهب العلاج حواجب البعض منهنّ لكن هذا المرض لم يخف جمالهنّ وابتسامتهنّ وقوّة عزيمتهنّ وإصرارهنّ على التجاوز.  

عزيزة (المشرفة على "الدار الخضراء"): نحن هنا أسرة واحدة نحاول إقناع المريضة أن ما تشكوه مرض كبقية الأمراض

"يغادرن إلى منازلهنّ، ويعدن من فترة لأخرى... نحن هنا أسرة واحدة نحاول إقناع المريضة أن ما تشكوه مرض كبقية الأمراض، مريضات كثيرات عدن لزيارتنا بعد تماثلهنّ للشفاء"، هكذا حدثتنا عزيزة المشرفة على الدار منذ 2012.

وتتكفّل جمعية مرضى السّرطان بتنسيق مواعيد المستشفى وتوفير الدّواء وبعض التجهيزات الطبية وتغطية تكاليف العلاج ومساعدات مادية واجتماعية لبعض مستحقّيها بالإضافة الى تنظيم حملات تحسيس في العاصمة وفي الجهات للوقاية من السّرطان والتقصّي المبكر لسرطان الثدي والرّحم. 

ولم تخف مؤسسة ورئيسة الجمعية روضة زروق الاشكاليات التي يواجهها مريض السرطان، الذي يجد نفسه بين مطرقة التكلفة الباهضة للعلاج وفقدانه في أحيان كثيرة وسندان المواعيد البعيدة التي تصل إلى سنوات 2021 و2022 للكشف بالصدى عدا عن معضلة ضياع الملفات.

تتكفّل جمعية مرضى السّرطان بتنسيق مواعيد المستشفى وتوفير الدّواء

كما دعت رئيسة الجمعية، في حديثها لـ"الترا تونس"، الدولة إلى تحمّل المسؤولية وتمكين المريض من حقّه في العلاج، مؤكّدة أن رقمنة الملفات في المستشفيات وإعداد سجلّ لمرضى السّرطان سيختصر مسافات كثيرة في طريق التصدّي لهذا المرض.

وفي مواجهة خطر انتشار مرض السرطان وتزايد مسبّباته، يجب على مؤسسات الدولة ومكونات المجتمع المدني تجاوز مجرّد تنظيم حملات للتوعية والتحسيس والبحث عن حلول منعزلة للعلاج وذلك من أجل وضع استراتيجية وطنية شاملة للحدّ من الإصابة من جهة وتعصير منظومة العلاج من هذا المرض الخبيث من جهة أخرى.

 

اقرأ/ي أيضًا:

بطولة شاب قهر مرضه النّادر بـ"كمال الأجسام"

مرضى الهيموفيليا.. حياة تحدّي النزيف الدائم