قصص اغتصاب الذكور.. مأساة تقوّض ثوابت المجتمع الذكوري

قصص اغتصاب الذكور.. مأساة تقوّض ثوابت المجتمع الذكوري

اغتصاب الذكور من الظواهر المسكوت عنها في تونس (Getty)

 

لا تؤثر النزعة الذكورية في بعض المجتمعات سلبًا فقط على الإناث، وإنّما لها امتدادات موجعة تترجمها بعض الوضعيات التي يحياها الذكور كأن يتعرّضوا للاغتصاب ويختاروا الصمت أو العنف وسيلة للتعبير عن وجع لا يُنسى.

ولئن تغرق هذه المجتمعات في الحديث عن الجسد الأنثوي وسبل حمايته من الأخطار الخارجية، حتّى باتت تلفّه هالة من القداسة التي تمس في كثير من المواضع من خصوصيته، إلا أنّ الثقافة لا تتعامل مع تمظهرات الجسد الذكوري بنفس الطريقة، رغم أنه هو الآخر عرضة للانتهاكات.

"ماله إلا ذكر يلعب ويروّح"، هي عبارة قد تتردّد على مسمعك في مناسبات عدّة من بعض الأمهات في حديثهن عن ترك أبنائهن يلعبون في الشارع لوقت طويل، وهي عبارة لن تسمعها أبدًا إذا ما تعلّق الأمر بطفلة تطيل اللعب في الخارج.

 تظلّ حالات اغتصاب الذكور في الغالب طي الكتمان حال التفطّن إليها ولا تظهر منها إلا الحالات المرتبطة بجرائم القتل التي تلقى متابعة إعلامية

والفرق في التعاطي مع الجسد الأنثوي من جهة والجسد الذكوري من جهة أخرى، قد يجعل البعض يتغاضى عن التعامل مع الجسد عمومًا كموضوع قابل إلى الانتهاك بشكل أو بآخر، وتأتي حالات اغتصاب الذكور لتقوّض إرثًا مجتمعيًا سائدًا يجعل من الجسد الذكوري ممنوعًا من الخطر.

ولأن العقل الذي تشرّب نواميس المجتمع الذكوري لا يقبل أن يجاهر باعتداء طال الجسد الذكوري، تظلّ حالات اغتصاب الذكور في الغالب طي الكتمان حال التفطّن إليها، ولا تظهر منها إلا تلك الحالات المرتبطة بجرائم القتل التي تلقى متابعة إعلامية.

وفي الذاكرة التونسية، حوادث عديدة محفورة في خانة مأساة اغتصاب الذكور من بينها جرائم "سفاح نابل" الذي قتل واغتصب أطفالًا، ومقتل الطفل "ياسين" بعد اغتصابه من قبل العسكري المكنّى بـ"شالانكا"، ناهيك عن حالات اغتصاب تعرّض لها أطفال في المدارس والروضات، ومن بينها قضية اغتصاب معلّم لعدد من التلاميذ الذكور في ولاية صفاقس.

اقرأ/ي أيضًا: "رد بالك على عصفورتك".. عن عالم الجنس وبراءة الطفولة

ووفق معطيات تحصّل عليها "ألترا تونس" من المندوبية العامة لحماية الطفولة، بلغ عدد الإشعارات المتعلّقة بممارسة الجنس مع الأطفال ذكورًا وإناثًا 429 حالة تم التعهّد بـ 385 حالة منها. وقد مثّلت حالات الاستغلال الجنسي 4.7 في المائة من وضعيات التهديد المتعهد بها سنة 2017 والتي شملت 680 طفلة و295 طفلً.  والأرقام السابقة إن دلّت على شيء فإنما تدلّ على أنّ الاعتداءات الجنسية ظاهرة لا تفرّق بين ذكر وأنثى.

ولأنّ اغتصاب الذكور من الظواهر المسكوت عنها، والتي تحاول بعض العائلات طمسها، كي لا تنعكس سلبًا على شخصية الأطفال الذين تعرّضوا للاغتصاب، فإنّه لم يكن من السهل الحصول على شهادات، وقد قادتنا رحلة البحث إلى حالتين اثنتين، الأولى تتعلّق بطفل تعرّض للاغتصاب من قبل حارس مدرسة ابتدائية والثانية تتعلّق باغتصاب طفل من قبل جاره.

اغتصاب.. فعزلة

ليس من الهين أن يستوعب طفل السبع سنوات ألم الاغتصاب دون أن يكون لذلك انعكاس على شخصيته، إذ جعلت حادثة اغتصاب تلميذ أصيل إحدى المدن الساحلية الطفل انطوائيًا ومنعزلًا عن أترابه بعد الحادثة التي تعرّض إليها.

ولم يكن من السهل الحصول على شهادة أحد الأبوين، ذلك أنّهما إلى اليوم ورغم مرور 3 سنوات على الحادثة، يعانون من التبعات النفسية منذ اليوم الذي اكتشفا فيه المأساة، وفق حديث أحد أقارب الطفل (رفض الإفصاح عن اسمه).

لا يزال الطفل ضحية الاغتصاب يخشى إلى اليوم الاختلاط بأترابه من الذكور ولا يغادر المنزل إلا إلى المدرسة مرفوقًا بأحد والديه 

وتعود الحادثة إلى سنة 2016 حينما عاد الطفل من المدرسة في حالة غير طبيعية، عاجزًا عن التعبير عما حدث له ومغرقًا في البكاء، إلى أن تفطّنت الأم إلى بقع دم في شرجه، ومنذ ذلك الحين انطلقت رحلة التحاليل والاختبارات الطبّية التي زادت في تعميق أزمة الطفل النفسية، حسب حديث ذات المصدر.

وقد تسببت حادثة الاغتصاب في فقدان الطفل الرغبة في الكلام والتواصل مع الآخرين، وإن كان قد تجاوز تلك المرحلة الآن إلا أنه لا يزال يتردّد على إخصائي نفسي ليتمكّن من الخروج من حالة العزلة التي أغرق فيها بعد الحادثة.

ولا يزال الطفل ضحية الاغتصاب، يخشى إلى اليوم الاختلاط بأترابه من الذكور ولا يغادر المنزل إلا إلى المدرسة مرفوقًا بأحد والديه علمًا وأنّه تمت نقلته من المدرسة التي عاش فيها الوجع الذي لا يمحى، وفق رواية قريبه.

اغتصاب.. فعنف

وفي الضفة الأخرى من مأساة اغتصاب الأطفال من الذكور، نقف أمام حالة طفل اغتصبه جاره في سن الـ15 من عمره ليتحوّل من ضحية إلى جلّاد لا يتردّد في ممارسة نفس الفعل على أطفال آخرين.

هو أصيل أحد الأحياء الشعبية بالعاصمة، كان يزاول تعليمه بالمدرسة الإعدادية، ويمضي الأماسي مع أترابه إلى أن حل اليوم الذي قلب حياته رأسًا على عقب، وفق ما روته لنا والدته التي لا تفوّت الفرصة لتدعو الله لينتقم ممن تسبب في ضياع ابنها.

 تحوّل الطفل الذي اغتصبه جاره في سن الـ15 من عمره من ضحية إلى جلّاد لا يتردّد في ممارسة نفس الفعل على أطفال آخرين

اقرأ/ي أيضًا: ضحايا الاغتصاب في تونس.. قصص الوجع الدائم

وقد أبدت الأم التي لا تندمل جراحها، في البداية، تخوّفًا من الحديث عن تجربة ابنها مع آفة الاغتصاب، إلا أنّها تحرّرت منه فيما بعد وإن لم تتمكّن من السيطرة على دموعها، وهي تحدّثنا عن المشقة التي تتكبّدها حينما تزور ابنها في السجن، أو حينما ترى آثار المشرط على جسده.

وحادثة الاغتصاب التي تعرض لها ابنها جعلته "خريج" سجون، يغادر الزنزانة لأيام معدودات ليعود إليه مجدّدًا بتهم تتراوح بين العنف واستهلاك المخدّرات والاغتصاب، إذ حوكم مرة بتهمة اغتصاب طفل ومرة أخرى بمحاولة الاغتصاب.

وهي تكفكف دمعها، تؤكّد الأم لـ"ألترا تونس" أنّ حادثة الاغتصاب التي تعرّض لها ابنها جعلت من حياته وحياة كل العائلة أشبه بالجحيم رغم مرور 15 سنة على الحادثة، مشيرة إلى أنّ ما زاد الطين بلة أن المعتدي على ابنها مازال يسكن في نفس المكان، وهو ما يجعل ثائرة ابنها تثور كلّما رآه حتى أنه اعتدى عليه مرة بالعنف الشديد.

ما رأي علم الاجتماع؟

لئن تختلف الآثار التي يخلّفها فعل الاغتصاب على الضحية، فهي تلتقي عند إثقال ذات المغتصَب بأوجاع غير مرئية ويصعب نسيانها بفعل التقادم، أوجاع تؤثّر سلبًا في علاقته بمن حوله.

ولأن للاغتصاب أبعاد اجتماعية تختلف تجليّاتها من ضحية إلى أخرى، تواصل "ألترا تونس" مع الباحث في علم الاجتماع معاذ بن نصير الذي وضع اغتصاب الذكور في سياقه الاجتماعي من خلال الحديث عن أسبابه وتمظهراته.

وفي هذا السياق، يقول بن نصير إنّ  "ظاهرة الاعتداء الجنسي على الأطفال من الذكور موجودة منذ القدم داخل المجتمع التونسي، لكن أصبحنا اليوم نتحدّث عنها بكل وضوح خاصة بعد الزخم الإعلامي الذي تلى الثورة التونسية، فلم تعد مسألة مسكوت عنها، إلى جانب انفتاح وتحضر المجتمع وكذلك الدور الذي تلعبه الجمعيات المناهضة للعنف والضامنة والراعية لحقوق الطفل في إيلاء هذا الموضوع أهمية قصوى".

 

سلوك الاغتصاب قد يكون مكتسبًا بطريقة عمودية من أحد أفراد العائلة أو بطريقة أفقية من خلال الأصدقاء (Getty)

 

اقرأ/ي أيضًا: من بينها قانون الحرارة: باحث في علم الاجتماع يكشف عن أسباب تفشي ظاهرة الاغتصاب

ويؤكد محدثنا آن هذا السلوك (الاغتصاب) إما قد يكون مكتسبًا بطريقة عمودية من أحد أفراد العائلة أو بطريقة أفقية من خلال الأصدقاء والأتراب، وقد يكون المتحرش أو المعتدي في بعض الحالات هو نفسه ضحية في سنوات تلت ومن هنا يصنع نوعًا من النقمة ويعيد استحضار صور الاغتصاب في مرحلة عمرية لاحقة، وفق قول المختص في علم الاجتماع.

وعن الأسباب الكامنة وراء هذا الفعل، يشير بن نصير إلى أن الأفلام الإباحية تلعب دورًا في تبلور هذه الظاهرة من خلال بعض الأفلام التي تروج لمثل هذه الممارسات وتضيف لها إثارات صوتية وصورية، فالقائم بالفعل أو الجريمة قد يكون مدمنًا على هذه الأفلام.

معاذ بن نصير (باحث في علم الاجتماع): ظاهرة الاعتداء الجنسي على الأطفال من الذكور موجودة منذ القدم داخل المجتمع التونسي

ويعتبر أن العامل الاقتصادي له سببًا رئيسيًا في تنامي هذه الظاهرة، مشيرًا إلى أنه بارتفاع نسب الفقر والبطالة وصعوبة الزواج قد يجنح البعض إلى البحث عن إنشاء علاقات جنسية خارج الإطار المدني القانوني والفريسة هو الطفل لإشباع الرغبة، وفق قوله.

ويرى الباحث في علم الاجتماع أن المجتمع الذكوري التونسي سيبقى يخفي مثل هذه الاعتداءات على الأطفال من الذكور "وذلك لما فيه من إنقاص لمفاهيم الرجولة والفحولة في مجتمع يكون فيه الحكم المجتمعي أقسى من الحكم القضائي".

ويقول إنّ المسؤولية تقع على عاتق الجميع بدءًا بمؤسسات الدولة من خلال زرع مختصين من علم النفس والاجتماع داخل المؤسسات التربوية من أجل الإحاطة النفسية والاجتماعية بالناشئة وبالأخص العملية الاستباقية، واكتشاف الحالات التي قد تتعرض للتحرش والاغتصاب خاصة من قبل أفراد الأسرة بدرجة أولى.

ويؤكد، في ذات الإطار، على ضرورة قيام المجتمع المدني بحملات توعية، وإيلاء هذا الموضوع الدرجة القصوى من الأهمية إعلاميًا، وكذلك إدراج مادة علم اجتماع الجنس في المناهج والبرامج التعليمية والتربوية".

بن نصير: سيبقى المجتمع الذكوري التونسي يخفي الاعتداءات على الأطفال من الذكور وذلك لما فيه من إنقاص لمفاهيم الرجولة والفحولة في مجتمع يكون فيه الحكم المجتمعي أقسى من الحكم القضائي

ويضيف بالقول: "هذه الأزمة الأخلاقية ستلقي بظلالها على النسيج الاجتماعي ككل، إذ أصبحنا اليوم نعيش حالة خوف وشك ورهبة من بعض مؤسسات الدولة التي كانت في السابق القريب هي المأمن والملاذ للراحة النفسية والاجتماعية للطفل والمراهق والشاب".

ويقدّر أن الخوف الأكبر، وفق تعبيره، هي الآثار التي تخلّفها هذه الحوادث في نفسية الطفل فيما بعد "فمن المؤكد أن هذه الصور العنيفة لن تمحى من ذاكرته وستبقى ملازمة له على مدى حياته وبهذا ستهتز ثقته بنفسه ويفقد ثقته في الأخر أيضًا. سيصبح الضحية محملًا بعقد نفسية لا يمكن تجاوزها، وهو إما ينطوي وينزوي ويبتعد عن المجموعة، أو يتغيّر سلوكه جذريًا فيغدو أكثر عدوانية تجاه محيطه".

ويختم الباحث في علم الاجتماع معاذ بن نصير، حديثه لـ"ألترا تونس"، بالقول أن هذه التمثلات الاجتماعية والنفسية لن تفارق المُعتدى عليه لتتطور في مراحل عمرية وخاصة بدخوله فترة المراهقة و يتغير بذلك سلوكه، مبينًا "قد نجده إما يميل لجنسه من الذكور أو يتخذ نوعًا من الميولات السادية العدوانية نحو الأطفال كردة فعل عكسية لما عاشه وانتقامًا نفسيًا، أو يصبح في حالات أخرى بيدوفولي".

 

اقرأ/ي أيضًا:

هل أتاكم حديث الطفولة المغتصبة؟!

المتحرّش بالأطفال أو "البيدوفيل".. مضطرب جنسيًا ومنبوذ اجتماعيًا