21-يوليو-2018

إنه لمن العار على هذا الوطن ألاّ يسهل الطريق إلى البحر لصبية حالمين (صورة أرشيفية/ Getty)

وأنا أعدّ لهذا المقال تذكّرت اللقاء الذي دار بيني وبين صديقي الشاعر التونسي عبد الرزاق المسعودي أواخر التسعينيات ذات شتاء بمكتبة كلية الآداب بمنوبة. كنّا نناقش حينها دعوة الشاعر المنصف المزغني إلى "بيع أغاني فيروز في الصيدليات لأنها تشفي كالدواء".

ولا ندري كيف انزاح الحديث إلى ذكريات الطفولة والصبا فروى لي صديقي حكاية بقيت عالقة وهي أن أغلب أطفال أرياف القيروان وسيدي بوزيد لا يعرفون البحر ولم يزوروه رغم شوقهم إليه ومنهم من عرفه وهو في الكهولة وحكى حكايات غريبة حزينة كيف أنهم كانوا يتحلّقون في القيلولة ليرسموا شواطئ لبحار قصية، بأصدافها ورمالها وأمواجها وشمسياتها الملوّنة وصخبها وقصورها الرمليّة ونخلها السامق وهم لم تطأ أقدامهم البحر قطّ. لا أزال أذكر قول صديقي المسعودي "إنه لمن العار على هذا الوطن ألاّ يسهل الطريق إلى البحر لصبية حالمين".

تونس التي تصنف كواحدة من أهم الوجهات السياحية المتوسطية والتي يزورها الملايين سنويًا يأتونها من أقاصي العالم، وفي مفارقة عجيبة فإن البعض من أبنائها لا ينعمون بالبحر

يبدو أن هذه المشاهد لا تزال متواصلة إلى الآن، كأنها قدر أجيال وأجيال من أطفال داخل البلاد وخاصة أبناء الأرياف والبوادي بالمناطق الغربية والصحراوية لتونس.

تونس التي تصنف كواحدة من أهم الوجهات السياحية المتوسطية والتي يزورها الملايين سنويًا يأتونها من أقاصي العالم، وفي مفارقة عجيبة فإن أبناءها لا ينعمون بالبحر، أطفالها لم يطاردوا موجة صغيرة فرّت من بين أيديهم ودخلت الأعماق، لم يلتقطوا أصدافًا تحدثهم شتاء عن صدى البحار البعيدة فترسم في أذهانهم حكايات المحيطات وأعالي البحار. قد يبدو هذا الكلام فيه نوع من التعميم لكنه تعميم مقصود لأنه يطرح بقوة موضوع الترفيه بالنسبة لأبناء الريف التونسي وخاصة الأطفال منهم.

ألا يحق لهؤلاء أن يرفهوا عن أنفسهم بعد سنة دراسية محفوفة هي الأخرى بنقاش مطوّل وبعد قسوة الحياة على سفوح الجبال التي باتت موطنًا للإرهاب. ألا يحق لهم بعض الراحة؟

اقرأ/ي أيضًا: "تشليط"، كي وممارسات أخرى.. رعب أطفال تونس

كنت في طريقي للعاصمة قادمًا من أعماق الشمال الغربي التونسي. توقّفت على حافة الطريق قرب مجموعة من الأطفال تتراوح أعمارهم بين تسع سنوات وخمس عشرة سنة كانوا يبيعون لعابري الطريق أكياسًا صغيرة من حبات " الزقوقو" وأخرى من التوابل المعدّة منزليًا و"أسطل" من غلّة "العوينة " وربطات صغيرة من أعشاب الزعتر والإكليل. إنها منتجات الغابة التي تبدو من خلفهم هادئة، ناعمة كخدّ فتاة جميلة. تبدو عليهم بساطة أبناء الريف مع قسوة بدأت تتشكل على وجوههم رغم طفولتهم.

أطفال تونسيون لـ"الترا تونس": نحن نعرف البحر في الصور

سألتهم كيف يقضون يومهم في القرية المتاخمة لمدينة نفزة، تخلّص أمين، أحد الأطفال، من خجله وقال لـ"الترا تونس"، "نساعد أمهاتنا في جلب مياه الشرب من الحنفية العمومية ونرتب معهنّ محيط المنزل ثم نذهب إلى الغابة لقطف بعض الخيرات ونأتي لبيعها على حافة الطريق بأسعار بخسة".

أمّا طارق، ويبدو أكبرهم، فذكر "أن الحياة صعبة هنا" فوالده يشتغل في حضائر البناء بالعاصمة. وأضاف أنه يتولى إدارة المنزل مع والدته حيث يذهب معها للرّعي والاحتطاب. وأكّد لـ"الترا تونس" أنه لا يجد إلا بعض الوقت للعب كرة القدم في أحد الحقول وحسب رأيه هي مباريات خالية من الحماس والتنافس لأن عدد الاطفال الذين يسكنون في الجوار قليل، في إشارة إلى الحرمان من متعة اللعب.

سألتهم عن البحر فكانت إجابتهم صادمة بالنسبة لي، فقد أجمعوا على أنهم لا يعرفون البحر ولم تسنح الفرصة إلى حدّ هذه السنّ لزيارته والتمتع بالاستجمام في حضرته.

اقرأ/ي أيضًا: منية.. أمّ لـ8 أطفال لم تلدهم

وفي لحظة الصمت تلك، قال مالك، وهو أحد أفراد هذه المجموعة، لـ"الترا تونس"، "عمّي.. رانا  شفناه في التصاور أكاهو". وأردف صديقه محمد "قرينا على البحر في كتاب القراءة ويبدو أنه جميل". وأوضح أمين مجددًا أنه "رسم قاربًا جميلًا يشق البحر وسط زرقة داكنة وأمواج وشمس ساطعة ونوارس تملأ الفضاء". وأضاف أنّ "معلمته أعجبت بالرسم وأسندت له ملاحظة جيّدة".

لقد كان الحوار لطيفًا وعفويًا وعميقًا إلى أبعد الحدود مع هؤلاء الصبية الجميلين من أبناء وطني. وطني الذي يحوز قرابة 1400 كلم من السواحل من الشمال إلى الجنوب وأبناؤه لا يعرفون البحر.

هذه العينة التي صادفتها في الشمال الغربي تأكدت أنها تنسحب على آلاف الاطفال المحرومين من الترفيه والتجوال في أرجاء الوطن للترفيه والتثقيف. نعم آلاف الأطفال في تونس لا نصيب لهم من التنمية ولا نصيب لهم من اللعب والترفيه والتريّض.

إذ أن واقعهم الاجتماعي الذي ولدوا فيه هو بالفعل سيء ، ولا يسمح لهم إلا بالبقاء بالمنزل والتعويل على خصوبة الخيال. لكن السؤال الحارق الذي يطرح نفسه في الإطار هو لماذا لا تتدخل الدولة بثقلها وتضع خطة عمل استثنائية ورمزية من شأنها أن تفتح الدروب  لهؤلاء الاطفال  حتى يشاهدوا البحر لأول مرة. فمن المؤلم أن نكون بلدًا بحريًا وهناك من أبناء الشعب من لم يزر مدينة شاطئية.

سوسن درين (مختصة في علم نفس الطفل) لـ"الترا تونس": التعويل كثيرًا على خيال الطفل حتى يرسم حرمانه ذهنيًا نوع من الاعتداء على الطفولة

وبخصوص الأطفال الذين لم يروا البحر يومًا، أوضحت المختصة في علم نفس الطفل والباحثة بقسم علم النفس بكلية العلوم الإنسانية والاجتماعية بتونس سوسن درين، لـ"الترا تونس"، أن "الطفل عندما يحرم من الذهاب إلى البحر في بلاد نصف حدودها بحري فذلك يشكل لديه إحساسًا بالنقص ينعكس سلبًا على شخصيته التي هي بصدد التشكل في هذه المرحلة العمرية فيحدث لديه عدم توازن قد تكون له تبعات سيئة في مراحل عمرية أخرى".

وأضافت درين أنّ التعويل كثيرًا على خيال الطفل حتى يرسم حرمانه ذهنيًا فيه نوع من الاعتداء على الطفولة وجب الانتباه إليه على الأقل في المدرسة وذلك بتنظيم رحلات صيفية أو كأن يتم تبادل بين مدارس السواحل ومدارس الداخل وهذه مهمة وزارة التربية. وبيّنت أن دور المؤسسات والدولة والمجتمع المدني يأتي هنا لتوفير حق أساسي من حقوق الطفل التونسي. وختمت بالقول إن للبحر أفضالًا صحية يجب أن يتمتع بها أطفال الجهات.

إن الدولة التونسية وفي مستوى الأرقام والمؤشرات والمعطيات والإحصائيات المتعلقة بالترفيه الموجه للأطفال تبدو مدروسة ومتوازنة ومطمئنة. ففي ديباجة ميزانية وزارة المرأة والأسرة والطفولة وكبار السن نجد كلامًا من ذهب في شأن الطفل نقتطف منه هذه الفقرة " إن الطفل اليوم هو رجل الغد و تطوير الموارد البشرية المستقبلية يتوجب أن يحظى الأطفال في تونس، والتي تمثل نسبتهم حوالي 34 في المائة من مجموع السكان بمنزلة متميزة للنهوض بأوضاعهم في إطار سياسة تأخذ بعين الاعتبار التكامل الضروري بين الوقاية والحماية والتأطير التربوي من خلال وضع برامج وتطوير أخرى تماشيًا مع المرحلة الانتقالية التي تشهدها البلاد والعمل على دعم الجهات المحرومة لدعم التنمية المتوازنة".

ووفّرت هذه الوزارة اعتمادات خاصة بالطفولة قدرت بـ90400 ألف دينار من 2016 إلى 2018 أغلب أقسامها موجهة لمسائل هامة لكنها بعيدة عن الترفيه والتثقيف.

الطفل التونسي محتاج إلى اللّعب والضحك وإلى توفير مناخات للحلم. أما أبناء الداخل فيحتاجون إلى الذهاب للبحر.

 

اقرأ/ي أيضًا:

التشرد في تونس.. ظاهرة محدودة في تصاعد

المواليد خارج إطار الزواج.."إذا وصفونا بأبناء الحرام.. سنقول نحن آدميون"