فوضى وامتحانات غير مراقبة: أيّ مصداقية للتعليم العالي الخاص؟

فوضى وامتحانات غير مراقبة: أيّ مصداقية للتعليم العالي الخاص؟

تقرير دائرة المحاسبات كشف خروقات فادحة في الجامعات الخاصة (صورة تقريبية/فتحي بلعيد/أ.ف.ب)

يواجه التعليم العالي الخاص في تونس منذ انطلاقته تشكيكًا في قدرته على التكوين ونزاهة نتائج طلبته، ولم يكن يقبل الطلبة على الالتحاق بمقاعد الجامعات الخاصّة بداية إذ لم يتجاوز عدد المسجلين 500 طالبًا خلال السنوات الأولى من انبعاث هذه الجامعات.

لكن ارتفع عدد الطلبة بشكل مطرّد وبالآلاف في السنوات الأخيرة مع تزايد عدد الجامعات الخاصة المنتشرة أساسًا في المدن الكبرى. ويضطر عديد الطلبة للجوء للتعليم الخاص غالبًا نتيجة الفشل في الولوج للاختصاص المطلوب في الجامعات العمومية بسبب عدم تحصيل المجموع المطلوب.

 يشكك الرّأي العام في جودة ما تقدمه الجامعات الخاصة ويتّهمها ببيع الشهادات لأبناء العائلات الميسورة أو بكسب المال دون مراعاة قيمة الشهادة المقدمة للطلبة

وتقدر وزارة التعليم العالي عدد المؤسسات الخاصة اليوم بـ 74 مؤسسة تستقبل أكثر من 32 ألف طالبًا من تونس ومن خارجها، وتدرّس العديد من الاختصاصات لاسيما الهندسة، والقانون، والمحاسبة والتبنيج.

ويبلغ عدد طلبة التعليم العالي الخاص حوالي 10 في المائة من إجمالي عدد الطلبة في التعليم العالي العمومي، وتتصدّر شعبة الهندسة عدد المسجّلين بنسبة 37 في المائة يليها الاقتصاد والتصرّف بنسبة 23 في المائة، ثم العلوم شبه الطبية بنسبة 22 في المائة مع الإشارة لمنع تدريس الطب في الجامعات الخاصّة.

ولكن على الرّغم من الإقبال المتزايد على هذه الجامعات، لازال يشكك الرّأي العام السائد في جودة ما تقدمه ويتّهمها ببيع الشهادات العلمية لأبناء العائلات الميسورة أو بكسب المال دون مراعاة قيمة الشهادة المقدمة للطلبة.

اقرأ/ي أيضًا: 10 حقائق وتجاوزات في التصرف في أسطول "الخطوط التونسية"

ولطالما احتج خريجو المدارس الوطنية لتكوين المهندسين، من ارتفاع عدد الجامعات الخاصة التي تدرّس الهندسة وحصول العديد من الطلبة على شهادة هندسة، ليس لمستواهم العلمي الرفيع أو المجهودات التي بذلوها، بل هو لمقدار الثروة التي يتمتّعون بها خاصة وقد رفعوا شعارات عن قدرة هؤلاء على شراء شهادة مهندس بـ 15 ألف دينار، رافضين ارتفاع عدد خريجي جامعات الهندسة ما أدى بدوره لارتفاع عدد العاطلين عن العمل من المهندسين.

ولا تتواتر غالبًا أي أنباء عن أعمال أو منجزات لهذه الجامعات، أو عن تحركات يخوضها طلبتها أو المدرسين فيها. ولكن إثر قرار وزارة التعليم العالي والبحث العلمي تمكين مؤسسات التعليم العالي العمومي بتونس من استقطاب الطلبة الأجانب بمقابل مادي، استنفرت الجامعات الخاصة وأطلقت صيحة فزع معبرة عن رفضها هذا الإجراء.

إذ أكد عبد اللطيف الخماسي، رئيس الاتحاد التونسي لأصحاب المؤسسات الخاصة للتربية والتعليم والتكوين، في تصريحات إعلامية أنّ أبناء القطاع عملوا منذ أكثر من عشرين سنة على صورة الجامعة التونسية الخاصة في الخارج وعلى استقطاب الطلبة الأجانب حتى أصبحت تونس رائدة في هذا المجال ووجهة ثابتة لعديد الدول الأجنبية الفرنكفونية والافريقية، وفق قوله.

كما انتقد الخماسي تركيبة اللجنة الوطنية للتأهيل وإعادة التأهيل بالوزارة لعدم وجود ممثلين عن مؤسسات القطاع الخاص صلبها، داعيًا إلى ضرورة إعادة النظر في تركيبتها لتحمل تسمية اللجنة المشتركة للتأهيل وإعادة التأهيل وبالتالي رفع الظلم على القطاع الخاص خاصة في مسألة إسناد الرخص، وفق تعبيره.

أين رقابة وزارة التعليم العالي؟

كشف، في الأثناء، تقرير دائرة المحاسبات الحادي والثلاثين، الصادر في ديسمبر/كانون الأول الحالي، عن بعض مما يشوب التعليم العالي الخاص من نقائص ومشاكل وتجاوزات تتعلّق أساسًا بسير التدريس وعدم مراقبة سير الامتحانات، مما بات يشكك أكثر في مصداقية نتائج تلك الجامعات التي لطالما كانت محلّ شك من قبل فئة كبيرة من الرأي العام.

 كشف تقرير دائرة المحاسبات عن مشاكل وتجاوزات تتعلّق أساسًا بسير التدريس وعدم مراقبة سير الامتحانات في الجامعات الخاصة

وكان قد أقرّ سليم خلبوس، وزير التعليم العالي والبحث العلمي، في تصريحات إعلامية بالتجاوزات التي جاءت في تقرير دائرة المحاسبات مشيرًا إلى أنّه من طلب من الدائرة القيام بالمهمة الرقابية التي شملت الفترة الممتدة من 2011 إلى 2016 نظرًا لما رصده من إخلالات.

ولسائل أن يسأل أوّلًا عن دور الوزارة والحال أنّ مهمّة الرقابة موكولة إليها هي بالأساس قبل أيّ جهة رقابية أخرى؟ فوفق القانون عدد 73 لسنة 2000 المؤرخ في 25 جويلية 2000 المتعلّق بالتعليم العالي الخاص، تخضع المؤسسات الخاصة للتعليم العالي لإشراف وزارة التعليم العالي والبحث العلمي من حيث الترخيص لإحداثها وتأهيل الشهادات المزمع تكوين الطلبة في إطار ومتابعة سير عملها والنظر في مطالب بمعادلة الشهادات التي يتحصل عليها خريجوها.

اقرأ/ي أيضًا: تقرير دائرة المحاسبات: 10 خروقات خطيرة في مستشفى عزيزة عثمانة

وينصّ الفصل 22 من القانون على أنّ المؤسسات الخاصة للتعليم العالي تخضع إلى المراقبة الإدارية لوزارة التعليم العالي والوزارات المختصة، وتهدف هذه المراقبة بالخصوص إلى التأكد من احترام مقتضيات هذا القانون والتراتيب المتخذة لتطبيقه وأحكام كراس الشروط. فيما يمنح الفصل 23 للوزير عند مخالفة أحد أحكام هذا القانون أو التراتيب المتخذة لتطبيقه أو أحكام كراس الشروط إمكانية سحب الترخيص.

في المقابل، أتاحت مجلّة تشجيع الاستثمارات إمكانية انتفاع المؤسسات الخاصة للتعليم العالي بامتيازات وحوافر جبائية بعنوان تشجيع الاستثمارات، وتبيّن من خلال معطيات الإدارة العامة للأداءات بوزارة المالية انتفاع 9 مؤسسات منها خلال الفترة الممتدة من سنة 2011 إلى شهر مارس 2017 بامتيازات جبائية قدّرت بحوالي 25.681 مليون دينار.

تأتي هذه الأرقام رغم حديث عبد اللطيف الخماسي، رئيس الاتحاد التونسي لأصحاب المؤسسات الخاصة للتربية والتعليم والتكوين، في تصريح سابق عن إثقال كاهل أصحاب الجامعات الخاصة بالضرائب، منددًا بما وصفها الهجمة الشرسة التي تعرفها الجامعات الخاصة في السنوات الأخيرة.

خروقات بالجملة في تقرير دائرة المحاسبات

خلصت تقرير دائرة المحاسبات إذًا إلى عدم كفاية إشراف وزارة التعليم الخاص على المؤسسات الخاصة بداية من مرحلة الإحداث وصولًا إلى مرحلة معادلة الشهادات المتحصل عليها، مرورًا بمتابعة سير أعمالها على المستويين الإداري والبيداغوجي وتأهيل الشهادات. وهو ما من شأنه أن ينعكس سلبًا على جودة التكوين الذي تؤمنه هذه المؤسسات.

وزارة التعليم العالي أسندت تراخيص لإحداث مؤسسات خاصة لم تقدّم ما يفيد توفير الشروط اللازمة لإحداثها

ففيما تعلّق بإحداث المؤسسات الخاصة للتعليم العالي، يتحدث التقرير عن إسناد تراخيص لإحداث مؤسسات خاصة لم تقدّم ما يفيد توفير الشروط اللازمة لإحداثها، كما لم تعمل الوزارة على اتخاذ الاجراءات اللازمة ضد المؤسسات التي لم تسوي وضعيتها القانونية في الآجال المستوجبة.

كما لم توفر بعض المؤسسات الخاصة الضمان البنكي المطلوب ولم تدفع بعض المؤسسات الخاصة المساهمات الاجتماعية بعنوان التغطية الاجتماعية المستوجبة لما جملته 57 من مجموع الأساتذة القارين بها.

كما لم تتثبت من مدى توفير إطار التدريس القار ونسب التأطير القانونية من قبل هذه المؤسسات وبالنسبة إلى إطار التدريس العرضي، ولم تواف المؤسسات الخاصة الوزارة بما جملته 2.982 ترخيصًا من جملة 4.059 وجب توفيره من قبلها. ولم تحرص مصالح الوزارة على مراقبة سير الامتحانات لما جملته 12 مؤسسة خاصة طيلة الفترة الرقابية.

وبين تقرير دائرة المحاسبات تجاوز 9 مؤسسات خاصة لطاقة الاستيعاب عند تسجيل الطلبة وبلغ هذا التجاوز في بعض الحالات 4 أضعاف، ولم تنتهج الوزارة الصرامة اللازمة في التعامل مع هذه المؤسسات المخلّة. كما تمّ الوقوف على 7 مؤسسات خاصة للتعليم العالي سجلت 400 طالبًا في شهادات لم تحظ بإعادة التأهيل أو غير مرخص فيها وهو ما ينعكس على معادلتها لاحقًا.

كما لا تطالب الوزارة المؤسسات الخاصة بمدّها بنسخة من الشهادات العلمية لمدرّسيها القارين قصد التثبت من توفير النسب الدنيا الضرورة من المدرّسين القارين بها والمستوى العلمي الأدنى المطلوب.

بين تقرير دائرة المحاسبات تجاوز 9 مؤسسات خاصة لطاقة الاستيعاب عند تسجيل الطلبة وبلغ هذا التجاوز في بعض الحالات 4 أضعاف

كما رصد تقرير دائرة المحاسبات تجاوزات لدى 4 مؤسسات تعلّقت أساسًا بعدم إفراد قاعة لتأمين عملية طباعة وسحب مواضيع الامتحانات وبعدم تجهيز المكتب المعدّ لحفظ المواضيع بخزانة حديدية وبعدم استعمال الشمع في عملية غلق ظروف الامتحانات طبقًا لمنشور وزير التعليم العالي والبحث العلمي.

كما لم تتخذ الوزارة، كالعادة، إجراءات ردعية تجاه المؤسسات المخالفة للنصوص القانونية التي أدت الى عدم إسناد المعادلة الى بعض الشهائد. ولم تتوجه حتى ببلاغات للفت نظر العموم وإعلامهم بهذه الوضعيات. إذ تم تسجيل 400 طالب من قبل 7 مؤسسات خاصة للتعليم العالي في 16 شهادة غير مؤهلة دون أن تتخذ الوزارة الإجراءات القانونية ضد هذه المؤسسات.

وتبقى هذه التجاوزات بعضًا مما رصدته دائرة المحاسبات في عملية الرقابة للفترة ما بين 2011 و2016. وقد أكد وزير التعليم العالي أنّ وزارته ستنظر في هذه التجاوزات المرصودة، مشيرًا لسابقية إصدار قرار بالغلق ضد إحدى الجامعات الخاصة لقيامها بتجاوزات.

ولسائل أن يسأل عن مدى تأثير التقرير على مصداقية الجامعات الخاصة لاسيما من قبل مشغلي خريجي تلك الجامعات؟ وهل ستستمر ارتفاع وتيرة إقبال الطلبة مستقبلًا على الالتحاق بها، والحال أنّ أغلبهم لا خيار له نتيجة تدني معدلاته التي لا تخوّل له الالتحاق ببعض الاختصاصات في القطاع العام؟

 

اقرأ/ي أيضًا:

منح أراض فلاحية للمعطلين عن العمل.. برنامج جاذب في واقع صعب

الأساتذة النواب يرفضون عقد "العبودية التربوية" الجديد