عن خلق

عن خلق "الملسوقة".. هل جرّبت أن تصافح النار يوميًا؟

471 مشاهدة
على إيقاع نغمات بدوية تنصاع العجينة اللينة المرنة لكف يدي الخالة خديجة (يسرى الشيخاوي/ الترا تونس)

منذ ما يزيد عن نصف القرن، تصافح الخالة خديجة النار يوميًا طيلة شهر رمضان وفي أيام متفرقات من الحول فتخلق من النار حياة وحلمًا.

51 سنة بالتمام والكمال والخالة خديجة تخلق حياة من النار والدقيق الأبيض

اقرأ/ي أيضًا: عائشة.. تونسيّة تقاوم مرارة الواقع بـ"حلاوة" إزالة الشعر

على إيقاع نغمات بدوية حملتها معها من إحدى قرى الشمال الغربي، تنصاع العجينة اللينة المرنة لكف يديها وتراود الطبق النحاسي الساخن حتى تلتصق به وتتحول إلى ورقات "ملسوقة" دائرية الشكل وكأنّها القمر في تمامه.

وأنت ترقب الخالة خديجة يصلك لفح النار المتصاعدة من موقد غازي يتربّع عليه الطبق النحاسي، أنت طبعًا لن تحتمله ولكنّها تعايشت معه وألفته، فهي تمرّر يدها على صفحة النار منذ أمد طويل. ما عادت النار تحرقها ولكنّها تثير قطرات العرق لتصبب على جبينها فتضيء تقاسيم التجاعيد التي خطّها الزمن على محياها.

51 سنة بالتمام والكمال والخالة خديجة تخلق حياة من النار والدقيق الأبيض، هي لا تفقه عدّ سنين العمر، هي اكتفت فقط بالقول إنّها تعلمت هذه "الصنعة" عن أمّها وهي في سن الرابعة عشر. تتشمّر وترمي بدقيق القمح الأبيض في قلب إناء وردي اللون وتردفه بذرات ملح وتسقيه بماء فاتر، تثبّت الإناء بيسراها وتداعب العجينة بيمناها وهي تسكب الماء بتأن.

51 سنة بالتمام والكمال والخالة خديجة تخلق حياة من النار والدقيق الأبيض (يسرى الشيخاوي/ الترا تونس)

تكفّ عن تطعيم العجينة بالماء وتحملها بين أناملها فتتمطى في غنج ودلال وكأنّ لسان حالها يقول لقد ارتويت وآن فصل "السبات"، تغطيها بقطعة قماش ولا تصافحها إلا بعد مرور ربع ساعة تكون قد تهيأت فيها لحياة أخرى على أعتاب الطبق النحاسي الساخن. تهمّ بالإناء الوردي تحمل أصابعها ما تيسّر من العجين الذي يتفرّع من فرط مرونته إلى خيوط كأنها شلالات، تحضنها في كف يديها ثم تبسطها في شكل دائري بلين وسرعة على الطبق النحاسي حتى تسمع صوت ارتطامها بصفحة النار.

وبنفس النسق تداعب الخالة خديجة أطرف العجينة التي جفت وأصبحت ورقة ملسوقة بإبهامها لتخلّصها من الطبق النحاسي في طقس بدا لي شبيهًا بالولادة. تواصل المرور بالعجين من حياة إلى أخرى ويداها الموشحتان بوشم أخضر كلون عينيها اللتان خفّ بصرهما بمرور الزمن ولكنّهما مازالتا تحافظان على بريق يروي قصص تحدّ وتضحيات.

في حركات سريعة ومتناسقة تلقي الخالة خديجة بالعجين في أتون الطبق النحاسي ثم تسحبها وريقات شفافة كروحها التي مازالت أسيرة جبال الشمال الغربي

في حركات سريعة ومتناسقة تنمان عن خبرة تلقي بالعجين في أتون الطبق النحاسي ثم تسحبها وريقات شفافة كروحها التي مازالت أسيرة جبال الشمال الغربي. وهي تراكم ورقات الملسوقة التي ستبيعها لنسوة الحي لصناعة ما تيسر من "الصمصة" التي سيقدّمنها للضيوف بمناسبة عيد الفطر، عادت بي "خدوجة" كما يناديها الجميع إلى سنوات طفولتها التي قضتها في تعلّم "صنعات" أمها من "التكسكيس" إلى  "التقرديش" وغزل الصوف وصناعة الأغطية الصوفية  وأوراق الملسوقة.

تخيلوا أنها لم تكن تلعب مع أترابها ولم تكن تتجاوز باب المنزل الخارجي، كانت فقط تحاول أن تتسلى بما تلقّنه إياها أمها من معارف تجعلها " حرة" و "مقدية" في عين زوجها وأهل زوجها.

وحتى حينما تزوجت وانتقلت للعيش في قرية أخرى، لم يكن زوجها يسمح لها بالخروج إلا حينما يصاحبها لزيارة أهلها، ولكيلا تشعر بأنها في سجن انكبّت على تطبيق معارفها فكان المنسج لا ينقطع من المنزل وكانت أوراق "الملسوقة" أنيستها خلال شهر رمضان وفي الأيام فيبيعها زوجها في دكانه ويؤمن له بعض المليمات الإضافية.

تنتقل يد الخالة خديجة برشاقة بين الإناء الوردي والطبق النحاسي (يسرى الشيخاوي/ الترا تونس)

اقرأ/ي أيضًا: الكحل.. صنعة "الخالة مليكة" التي تحدت الماركات العالمية

تخيلوا أنها لم تكن تمسك نقودًا في يدها ولا تعرف عائدات تعبها، تخيلوا أنها إلى اليوم لا تفرق بين الأوراق النقدية، تحدّثني وهي لا ترفع رأسها من الطبق النحاسي.

تنتقل يدها برشاقة بين الإناء الوردي والطبق النحاسي، وهي تقلّب على مسمعي صفحات من حياتها، تقول إن أبناءها لمّا كبروا واشتدّ عودهم أشاروا عليها أن تبيع أوراق "الملسوقة" للجيران وتدّخر ثمنها فلبّت مشورتهم وأصبحت تدّخر ثمنها للأيام الحالكات.

وهي تمسح وجه الطبق النحاسي بقطعة قماش لتزيل عنه شوائب العجينة الجافة التي قد تفسد مال أوراق "الملسوقة"، تطلق زفرة خلت أنّ لا نهاية لها، كانت طويلة كليالي الشتاء في القرى النائية.

تصمت لبرهة وهي ترتّب العجينة، ثم تسترسل في الحديث عن فضل "صنعتها" في تأمين مصاريف إضافية للعائلة ومساهمتها في تدريس أبنائها يعد أن ازدهرت " صنعتها" ونالت ثقة الحرفاء من جيرانها وأصحاب المحلات الغذائية. تأكل سنوات من العمر ترجمها الشيب الذي يضلل جبينها، وتخبرني عن موتها زوجها وانتقالها للعيش مع ابنها الذي يقطن بأحد الأحياء الشعبية بالعاصمة حيث حافظت على طقس صناعة أوراق "الملسوقة" رغم معارضة ابنها الشديدة.

بروح شابة لا تعكس عمرها الحقيقي، تنكب الخالة خديجة على تأمين طلبات حرفائها من "الملسوقة" التي تكثر في الأيام الأخيرة من شهر رمضان

بروح شابة لا تعكس عمرها الحقيقي، تنكب الخالة خديجة على تأمين طلبات حرفائها التي تكثر في الأيام الأخيرة من شهر رمضان إذ تُستعمل أوراق "الملسوقة" في صناعة حلويات العيد. تتّقد عيناها حماسًا ويوشّح الأمل نبرة صوتها وهي تقول إنّها لا تريد أن تشعر أنها عالة على ابنها وإنّها تحلم بتأدية مناسك الحج من أموالها الخاصة.

تسكت الخالة خديجة عن الكلام المباح، وتردّد كلمات أغنية تقول إنها ترافقها منذ كانت تحرق يديها وهي تتعلم صناعة الملسوقة "لا من يجينا يريض الدلالة.. وعلى حمة سيدي رحل بالسلامة". وأنا أرقب حركاتها الرشيقة وهي تتحول بسرعة قياسية بين الإناء والطبق النحاسي، تساءلت عن إحساسها وهي تلامس النار.

تشارف العجينة على الانتهاء ولم ينفك الطبق النحاسي يغويني فاستأذنتها أن أحاول خلق ورقة "ملسوقة"، أخذت العجينة براحة يدي وسرت القشعريرة في يدي من فرط نعومتها، لم أتردّد في بسطها صفحة النار لكن احتراق سبابتي منعي من استكمال التجربة.

ضحكت كثيرًا حينها وأضحكت الخالة خديجة التي علّمتني أنّ الإرادة تجعلك تصادق النار وتستأنس بلفحها، وودّعتها وأنا أحاول أن أغالب ألم الاحتراق.

تنصاع العجينة اللينة المرنة لكف يدي الخالة خديجة وتراود الطبق النحاسي الساخن حتى تلتصق به وتتحول إلى ورقات "ملسوقة"  (يسرى الشيخاوي/ الترا تونس)

 

اقرأ/ي أيضًا:

"عواطف" عميدة سائقات التاكسي: أشجع من الرجال

منية.. أمّ لـ8 أطفال لم تلدهم