عن ترامب الذي لا تروق له ديمقراطية تونس الناشئة

عن ترامب الذي لا تروق له ديمقراطية تونس الناشئة

787 مشاهدة
ترمب يريد تخفيض قيمة مساعدات تونس للسنة الثانية على التوالي (كريس كليبونيس/getty(

يبدو أن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لا يروق له دعم مسار الانتقال الديمقراطي في تونس، إذ اقترحت إدارته، للسنة الثانية على التوالي، تخفيض قيمة المساعدات الأمريكية لتونس بأكثر من النصف وتحديدًا من 185.5 إلى 80 مليون دولار، وذلك وفق ما تكشفه وثيقة مشروع ميزانية إدارته لسنة 2019 المقدّمة في شهر فيفري/فبراير الفارط.

وتؤكد هذه الخطوة أن ترامب غير مبال بالحفاظ حتى على مستوى الدعم الأمريكي السابق لتونس، التي تعيش صعوبات اقتصادية تُعتبر خاصة لدى الفاعل الدولي، إحدى تحديات تأمين مسار انتقال ديمقراطي، يُنظر إليه دائمًا بأنه النموذج الوردي في المنطقة العربية، أو كما يُقال إنها التجربة الوحيدة الناجحة و"الناجية" من دول الربيع العربي، تلك التسمية المفضلة دائمًا من "الأمريكان" لوصف الثورة العربية سنة 2011.

اقترحت إدارة دونالد ترامب  للسنة الثانية على التوالي تخفيض قيمة المساعدات الأمريكية لتونس بأكثر من النصف وتحديدًا من 185.5 إلى 80 مليون دولار

اقرأ/ي أيضًا: حصاد تونس 2017.. المسار الديمقراطي مستمر رغم الخيبات

ربّما لو سُأل ترامب عن تونس في أول حياته، لكانت إجابته لا تختلف عن إجابة أي مواطن أمريكي عادي "هل تقصد أندونيسيا؟"، وقد لا نتفاجأ بإمكانية تعرّفه على تونس إلا حينما بدأ يتلقى ملفات الخارجية، وحينها قد لفت انتباهه وجود بلد اسمه تونس. لا يجب أن ننسى أننا دائمًا تجاه شخص ربما لا يعرف أن بلاده تملك قاعدة عسكرية في بلد، وأمام رئيس لا يعرف أنه يرأس كذلك الجزر العذراء أي لا يعرف نطاق سيادة بلده، والتي طرافة، هو من يمارسها.

وحقيقة أن جهل ترامب المرجح بتونس البلد ليس أسوء في حقيقته من جهله، أو تجاهله، لتونس كنموذج لديمقراطية ناشئة في المنطقة هي المضاد الحيوي المقابل لحدوتة "انتو عايزين نبقى زي سوريا والعراق"، وذلك حينما أثبت التونسيون أنه يمكن تحقيق المنال، وإن بالحد الأدنى، بعيدًا عن سيناريوهات الاحتراب الأهلي والتدمير. في هذا الإطار، انتقد جايمس اندرو، وهو أحد أبرز صحفيي نيويورك تايمز، في مقال الشهر الفارط عزم ترامب تخفيض مساعدات تونس التي تمثل "مسارًا ثالثًا" عبر تحول ديمقراطي يجمع المواطنين "على إعادة التفاوض على العقد الاجتماعي دون قمع أو فوضى"، وذلك بعيدًا عن خيار الاستبداد والقبضة الحديدية في مصر أو خيار الفوضى ودمار الدولة في سوريا وليبيا.

الإدارة الأمريكية الحالية غير معنية بدعم التحولات الديمقراطية وتعزيز النماذج الناجحة على عكس ما كانت تروج له الإدارة السابقة تجاه تونس

بيد أن جهل أو تجاهل سيد البيت الأبيض ليس في حقيقته إلًا مجرّد خيار معلن، فالإدارة الأمريكية الحالية غير معنية بدعم التحولات الديمقراطية وتعزيز النماذج الناجحة، على النحو الذي كانت تتغزّل به الإدارة السابقة تجاه تونس. لا يبحث ترامب إلا عن المال والربح السريع، ولم يكن عرضه أمام الكاميرا للوحة المبيعات الأمريكية حين استقباله لولي العهد السعودي محمد بن سلمان، إلا صورة مختزلة عن سياسة الرجل الأبيض في إدارة الملف الأمريكي "خارج الأراضي"، وهو تحصيل الأموال والأرباح. حيث طغت غاية الربح لدى رجل الأعمال عن غايات أخرى دائمًا ما ينظر إليها ترامب بسخرية. فهو يسأل بنفسه، لماذا ندفع أموالًا دون مقابل؟ لماذا نحمي هذا البلد دون مال وفير؟ هي أسئلة طرحها ترامب علنًا، وربّما قال خفية، لماذا أعطي لتونس، ذلك البلد غير الاستراتيجي والذي لا يملك نفطًا، ملايين الدولارات؟

لا يهمّ ترامب دعم بلد وصفه وزير خارجيته المقال ريكس تيلرسون بأنه "شريك مهم" للولايات المتحدة، وهو لا يهمّه تدعيم ديمقراطية ناشئة تظهر كبديل ممكن للشعوب العربية التائقة للحرية. ولكن لا يجب أن نظلم ترامب كثيرًا، فسابقيه، جمهوريون وديمقراطيون، لم يكونوا حريصين من منطلق مبدئي على تعزيز المناخ الديمقراطي في المجال العربي. المسألة تتعلق، بالأمس واليوم، بتيمة أمريكية ضمن عناوين دورها في المنطقة، ولكن يظلّ ترامب هو الأكثر حسمًا في ربط المساعدات المادية بالمنافع الآنية الصرفة.

 يوجد تيار داخل الكونغرس يعتبر تونس بلدًا "جديرًا بالدعم"، وهو الذي أفشل مساعي ترامب السنة الماضية في تخفيض مساعداتها

في الأثناء، يوجد تيار داخل الكونغرس يعتبر تونس بلدًا "جديرًا بالدعم"، وهو الذي أفشل مساعي ترامب السنة الماضية في تخفيض مساعداتها، وكان السيناتور جون ماكين، وهو أكثر أعضاء مجلس الشيوخ اطلاعًا على الملف التونسي، من قاد هذا التيار، والأمل أن يُفشل الكونغرس مجدًدا مشروع ترامب الجديد لتخفيض المساعدات والتي تونس بأمسّ الحاجة إليها في ظل الوضع الاقتصادي المتردي.

وهي مساعدات يجب أن تظلّ دائمًا في إطار دعم بلد شريك ولا يجب قطعًا أن تكون مرتبطة بمقابل، وهذا مربط الفرس الخفيّ، والذي هو بيد التونسيين قبل "الأمريكان". ولعلّه من الجميل أن المساعدات الأمريكية لم تكن يومًا مسألة حيوية تونسية، على خلاف بعض الدول الذي يرتبط أمنها السياسي والاقتصادي والاجتماعي بهذه المساعدات.

 

اقرأ/ي أيضًا:

ألعاب أجهزة الاستخبارات والجاسوسية في تونس.. هل تصبح حرب الكواليس معلنة؟

موقع أمريكي: القوى الكبرى تتصارع من أجل السيطرة على ميناء بنزرت