عن

عن "القوّاد" و"الصبّاب": آفة الوشاية في تونس من الاستبداد إلى الحريّة (2/2)

تجمّعيون يتظاهرون ضد الهيئة العليا لتحقيق أهداف الثورة عام 2011 بعيد سقوط نظام بن علي (صورة تقريبية/فتحي بلعيد/أ.ف.ب)

 

توخّى التونسيّ سُبُلا متنوّعة متميّزة طريفة في التصدّي للوشاية ومواجهة الرُّقباء، هذا ما فصّلنا القول فيه بأسلوب تحليليّ في الجزء الأوّل من التقرير، وقد قادنا هذا المسار التحليليّ إلى التساؤل عن دور ثورة الحريّة والكرامة في الحدّ من محنة الوشاية وتعطيل آذان الصبّابة وإطلاق ألسن الأحرار.

أظهر التونسيّون منذ سنوات ثمانٍ لهفة كبيرة للاطّلاع على تاريخ الرّقابة على الفكر والتعبير وسائر أشكال التواصل زمن الاستبداد، وأبدى الباحثون والأكاديميّون والمُوَثِّقون رغبة ملحّة في معرفة الأساليب والتقنيات التي كان النّظام يعتمدها في محاصرة المعارضين والخصوم، أمّا الثوريّون فقد كان همّهم المكاشفة ومعرفة الحقيقة طمعًا في المحاسبة وتحديد المسؤوليّات الأخلاقية والجنائيّة، في المقابل حرص "الثّورَجيّون" بأسلوب انفعاليّ حادٍّ مُتهافت مَشْبُوهٍ على معرفة أسماء "القوّادة" بدافع الانتقام والتشهير ونشر الأسرار وهتك الأعراض والقصاص خارج الأطر القانونيّة.

اقرأ/ي أيضًا: عن "القوّاد" و"الصبّاب": آفة الوشاية في تونس من الاستبداد إلى الحرية (2/1)

من الخوف من "القوّاد" إلى الخوف عليه

صعدت إلى الحكم في أوّل انتخابات بُعيد الثورة أحزاب اكتوى قادتها ورموزها وأنصارها والمتعاطفون معها بألسنة الوشاة، فتكوّنت "ترويكا" أضلاعها الثلاثة حركة النهضة والمؤتمر من أجل الجمهوريّة والتكتّل الديمقراطي من أجل العمل والحريات.

هذا الحدث السياسيّ ساهم في تغذية مطلب الاطّلاع على سجلّ "القوّادين" اطّلاعًا يرقى من مرتبة الانطباع والتخمين إلى منزلة الحقيقة واليقين.

ضاعت هذه المناسبة الفريدة للمكاشفة في زِحام المُهاترات الحزبيّة والتدافع الإيديولوجيّ، والمصالح الانتخابيّة الضيّقة، فخاب ظنّ الثوريّين، وحُرم الباحثون من وثائق رسميّة يمكن الانطلاق منها في قراءات علميّة إحصائيّة تحليليّة معمَّقة.

صعدت إلى الحكم في أوّل انتخابات بُعيد الثورة أحزاب اكتوى قادتها ورموزها وأنصارها والمتعاطفون معها بألسنة الوشاة ما ساهم في تغذية مطلب الاطّلاع على سجلّ "القوّادين"

هكذا تعمّد المُعْرضون عن المكاشفة الصمتَ على جريمة الوشاية والتستّر على أصحابها وإخفاء أدلّة الإدانة، وهو فعل من شأنه أن يجعل صاحبه فردًا كان أو مؤسّسة موضوع إدانة، فقد جاء في المادّة 145 من الباب الثامن من المجلة الجزائية: " كلّ من علم بوقوع جناية أو جنحة أو كان لديه ما يحمله على الاعتقاد بوقوعها وأعان الجاني بأيّ طريقة كانت على الفرار من وجه القضاء إمّا بإيواء الجاني أو إخفاء أدلّة الجريمة.. يُعاقب طبقًا للأحكام ...".

أخفت أجهزة الدولة بعد الثورة أدلّة جريمة الوشاية، وساهمت في " تكفين" وثائقها، ورضيت لنفسها أن تكون " شيطانًا أخرس"، وتمّكنت بكفاءة خَطابيّة من تحويل هذا الاختيار إلى فعل بُطوليٍّ حكيمٍ، وقدّمت حُججا توحي بالرصانة وحسن التدبير والتحسّب للعواقب، نذكر منها سرديّة الخوف من ردود فعل انتقاميّة تطال "الصبّابة" و"القوّادين"، فهذه الفئة الضّالة الضارّة مبثوثة في كلّ دوائر تَشَكُّل المجتمع التونسيّ أسرةً وعائلةً وحيّا وريفًا ومدينة وإدارة وحزبًا.

أخفت أجهزة الدولة بعد الثورة أدلّة جريمة الوشاية وساهمت في " تكفين" وثائقها

هذا الانتشار الوبائيّ الخطير قد يجعل جميع المؤسّسات السياسيّة والاجتماعيّة والإداريّة مهدّدة بمزيد من الفوضى والتفكّك والثّأر والانتقام، وهو ما حوّل الخوف من "القوّاد" و"الصّبّاب" إلى خوف عليه، بل تحوّل البَوْحُ بأسماء الوشاة خاصّة في غمرة الحماسة الثوريّة إلى خُطوة متهوِّرة قد تفضي إلى ضرب من ضروب التناحر أو ما يشبه الحرب الأهليّة.

هذه المُبرّرات استساغها العديد من التونسيين من باب الاقتناع بموضوعيّتها أو بإيعاز حزبيّ، أو بدافع الشعور بالخوف، فأذعنت الغالبيّة وانقادت إلى مبدأ التكتّموردّدت الألسنةُ مستأنسة بآراء بعض القادة وتصريحات ثلّة من الساسة، براهينَ وقياسات وأمثالا متنوّعة فقهيّة وحِكميّة وتاريخيّة وشعبيّة من قبيل "ليس كلّ ما يُعرف يقال" و "الضرورات تبيح المحظورات"و" خلّي الهم مغطّي بجرتيلة" و"عفا الله عمّا سلف" و"من دخل دار أبي سفيان فهو آمن" و"هذا ما فعله نيلسون مانديلا" وغيرها من المقولات التي تمّ إخراجها من سياقاتها لتتحوّل إلى أُفيون يساهم في تعطيل التفكير في المحاسبة، فكانت هذه الخُطوة بمثابة "بروفو المصالحة" وعرض تجريبيّ لكلّ أشكال الإفلات من العقاب.

إذا غابت الرّسميّات فاحت التسريبات

في غياب القائمات الرسميّة للواشين والواشيات بدأت، منذ 2011 ، تظهر بعض الاعترافات والشهادات عن أسماء بعض " الصبّابة"، كما عَرضت صفحات المواقع الاجتماعيّة عيِّنات من التقارير التي عُثر عليها أيّام ذُروة الحراك الثوريّ مُلقاةً في الطريق أو في المراكز الأمنيّة أو في بعض الإدارات أو في مقرّات الحزب الحاكم التي تمّ اقتحامها أو إحراقها أو سرقة بعض محتوياتها أو " تأميمُها" أو الاستحواذ عليها.

نشرت رئاسة الجمهورية عام 2013 "الكتاب الأسود" الذي تضمن قائمة في الشخصيات المنخرطة في منظومة الدعاية لنظام بن علي

اقرأ/ي أيضًا: "العصا في المؤخّرة".. لا بأس بالتعذيب مادامت التهمة الإرهاب!

بعد هذه الخُطوات الفرديّة، ظهرت تسريبات أخرى أوسع عددًا وأدقّ أهمّها قائمة المناشدين لبن علي في انتخابات سنة 2009، ثمّ صدر عن مؤسّسة رئاسة الجمهوريّة عام 2013 "الكتاب الأسود" الذي ضمّ أسماء المخبرين من الإعلاميين، ورغم مصدره السياديّ فقد عُدّ تسريبًا غير رسميّ، بل وُصف بكونه انتقائيّا. وانتظر التونسيّون طويلُا هيئة الحقيقة والكرامة لتبوح بما تكتّمت عنه كلّ المؤسّسات الرسميّة، وهو ما جعل خبر الأربعين ألف "قوّاد" يتصدّر جلّ الصحف التونسيّة والأجنبيّة منذ الأسبوع الأوّل من جانفي 2019، وقد شُفع هذا الخبر بعناوين مثيرة من قبيل "بن علي والأربعون ألف قوّاد"، "التقرير الصادم" وغيرها من المقالات التي ركّز أغلبها على الكثرة، وقد كان العدد أربعون ألفًا مغريًا إيحائيًا ورمزيًا، إذ يُحاكي القصّة الخياليّة "علي بابا والأربعين لصًا" التي ألهمت العديد من المبدعين.

تسريبات فاحتجاجات فتكذيبات

خطورة التسريبات لم تكن تكمن في ضخامة عدد المُخبرين، فقد اعتبر بعض المطعونين بسهام الوشاية التِّعداد أدنى من العدد، أي أنّ الحجم الحقيقيّ للصّبابة يفوق كثيرًا الأربعين ألفًا. هذه التسريبات لم تشغل عامّة التونسيين، ولم تحظ لديهم باهتمام يُضاهي حجم المحنة التي واجهها التونسيّون زمن الاستبداد، فهل أصبحت هذه المعضلة مَثَلُهَا كمثل الذكرى البعيدة، هل عطّلت الهمومُ الآنيّةُ النفوسَ والأذهانَ عن الالتفات إلى مشاغل الماضي القريب، هل شُفي التونسيّون من مُخلّفات طاعون الوشاية؟

نشرت صفحات على مواقع التواصل الاجتماعي بكثافة أخبارًا عن نشر هيئة الحقيقة والكرامة لقائمة تضم 40 ألف واشيًا وهو ما نفته الهيئة لاحقًا

رغم هذا البرود الذي واجه به عامّة التونسيين خبر الأربعين ألف قوّاد فقد خلّفت الوثيقة المسرّبة أثرًا بعيد المدى في بعض الشخصيّات العامّة ممّن وردت أسماؤهم في قائمة " الصبّابة". فعلى سبيل المثال أكّد فريد بن جحا، المساعد الأوّل لوكيل الجمهوريّة بالمحكمة الابتدائيّة بالمنستير، لبعض وسائل الإعلام عزمه على رفع دعوى قضائيّة ضدّ أصحاب صفحات في مواقع التواصل الاجتماعيّ من أجل تهمة التدليس والثلب ومسك مدلّس واستعماله...".

تبرّأ العديد ممّن وردت أسماؤهم في القائمة المسرّبة، واحتجّوا، وتبرّموا، وسارعت هيئة الحقيقة والكرامة بدورها في موقعها الرّسميّ إلى تكذيب خبر الأربعين ألف قوّاد، وعَدّت رئيستها سهام بن سدرين تلك العمليّة مغالطة إعلاميّة يهدف أصحابها إلى بثّ البلبلة والتشويش على أعمالها، ووعدت بجعل الحقائق الرسميّة متاحة للجميع ضمن التقرير الختاميّ الشامل ".

اقرأ/ي أيضًا: شهادات ضحايا الانتهاكات بتونس.. قصص الألم والعبر

من الإفلات إلى الانفلات

بصرف النظر عمّا آل إليه ملفّ "الصّبّابة"، فإنّ الحقيقة التي لا تحتمل المراجعة والتقليب تؤكّد إفلات التونسيّين من قبضة الوشاة، وتحرّر ألسنتهم وأقلامهم، غير أنّ هذا الإفلات سرعان ما تحوّل إلى انفلات وظّفه أعداء الحريّة للنيل منها وعدّها مصدر الفوضى.

لا شكّ أنّ حريّة التعبير في تونس بعد الثورة قد بلغت ذروتها وأنّ الكثير من الإعلامّيين والسّياسيين والمواطنين قد حوّلوها إلى مَطيّة للمغالطة والكذب والثّلب والشتيمة والسّبّ.

بسبب هذا المسار، حاول المتيّمون بالمنظومة القديمة توظيف قلق التونسيين من فوضى التعبير وانحرافاته، فحثّوا على وضع خطّة لتكميم الأفواه من جديد. في المقابل، يحرص العُقلاء على إيجاد تفسير عقلانيّ لهذا الانفلات وردّه إلى حالة  الكبت" التي عاني منها الخاصّةُ والعامّةُ منذ عقود، فيما خَيَّرَ المتمسّكون بمكاسب الثورة حريّةَ التعبير المحفوفة بالفوضى على الاستبداد والرقابة والوشاية، وهو اختيار يستند إلى قياس بسيط مفاده أو المعاناة من طفل متهوّر ضالٍّ ( كناية عن الحريّة الهوجاء) يمكن ترشيده أفضلُ من المعاناة من كهل يعاني من إعاقة مستمرّة في النطق والسمع والحركة (إشارة إلى الاستبداد المفضي إلى ضروب من العجز).

سقوط الرّقابة وعطالة "الصّبّابة"

يُجمع جلّ التونسيين على أنّ مكسب الحريّة يمثّل أوفر الثّمار التي جناها المواطن بعد الثورة، تشكّلت هذه الحريّة فكريًا من خلال المناظرات والمساجلات والندوات العلنيّة المفتوحة، وتجسّمت عبر المظاهرات والاحتجاجات والاعتصامات بوجوه ظاهرة مكشوفة، ولحماية هذا المولود الثوريّ المشدود إلى عذوبة الأضواء والأنوار وجمالها حَرِصَ التونسيّون على تأصيله وتحصينه باعتماد التشريعات والقوانين المتّصلة بالأنشطة السياسيّة والجمعيّاتيّة والإعلاميّة والأكاديميّة.

لم تعد الحاجة بعد الثورة إلى الوشاية لترصد أخبار المعارضين باعتبار أن دعوات التمرد والعصيان باتت تُرفع علنًا في إطار حرية التعبير

هذا المسار الثوريّ دفع "الصّبّاب" إلى عطالة تلقائيّة، إذ لم يعد "الحاكم" في حاجة إلى ترصّد أخبار المعارضين وأحوالهم وأقوالهم. فقد أصبحت عبارات الرفض وآيات الممانعة مكشوفة في الصحف والإذاعات والتلفزات، وباتت دعوات التمرّد والعصيان مرفوعة في الساحات وأمام الوزارات وفي محيط البرلمان، ورغم ذلك يعود المحتجّ إلى بيته، إلى أهله وإلى عمله في سلامة وأمان، فلا عزاء بعد الثورة للواشي والصبّاب.

 

اقرأ/ي أيضًا:

الإخفاء القسري في تونس.. رهان الانتصار للحقيقة المُغيبة

كمال المطماطي.. الوفاة تحت التعذيب والجثة تبحث عن قبر