طفل الأنبوب ... السّعي وراء حلم الأمومة

طفل الأنبوب ... السّعي وراء حلم الأمومة

يوجد مركزان عموميان و10 مراكز خاصة للمساعدة على الإنجاب في تونس (Getty)

 

"الأمومة حلمة نخاف ما تتحققش.. نحسها كي نخزر (ننظر) في عينين صغير يضحكلي وإلا يبوسني وإلا يقلي نحبك نتمنى كان جا ولدي.. خسرت فلوس وتعبت بدنيًا ومازلت مستعدة نخسر ونتعب باش نحقق الحلم متاعي"، كان ذلك ملخص حكاية منية التي انطلقت قبل ثلاث سنوات بعد تأخر إنجابها وانتهت بقرار التوجه إلى التلقيح الاصطناعي. هي واحدة من النساء اللاتي تعزمن على المحاولة غير عابئات بفشل المحاولة الأولى أو الثانية أو العشرين قبل أن تظفر بنبض صغير لا تدّخر من أجله جهدًا ولا مالًا.

تُجرى في تونس 10 آلاف عملية طفل الأنبوب، وهي عبارة عن عملية تلقيح اصطناعي أو تخصيب خارج الرحم قبل أن يتم نقل البويضة المخصّبة إلى الرحم، تمر عبر عدة مراحل وإجراءات. وفي العالم ولدت أول طفلة أنبوب سنة 1978، وتمتاز هذه العملية عن التلقيح الطبيعي بنسبة نجاح عالية تتراوح بين 40 و50 في المائة أي ضعف نسب نجاح الحمل الطبيعي.

اقرأ/ي أيضًا: إنجاب سنة أولى زواج.. أمومة لإرضاء المجتمع أحيانًا

نساء بين المطرقة والسندان

طريق من يواجهون صعوبات في الإنجاب ليست سالكة نحو خوض تجربة الأمومة أو الأبوة، في ظلّ ارتفاع التكلفة المالية ومحدودية نسبة النجاح في مرة واحدة، عدا عن انعكاسات جانبية للأدوية الهرمونية الموصوفة. لكن يظل الانتظار وخيبة الأمل والإصرار على المحاولة ولو مئة مرة من أجل الحصول على نتيجة إيجابية وتحقيق الحلم.

هو طريق شاق ووعر تشقه الزوجة في أغلب الحالات وحيدة في ظل معارضة الزوج وامتناعه عن العلاج، وتدخل أهله في خياراتهما ومحاولاتهم للتأثير على علاقتهما أمام نظرة المجتمع.

تدفع منية كل ما تجنيه من عملها في التحاليل وعيادة الأطباء لتجري عمليتين لتلقيح اصطناعي واحدة في مركز عمومي وأخرى في مركز خاص

أسباب ذاتية واجتماعية دفعت محدثتنا منية التي حرمتها تعقيدات صحية لدى زوجها من إحساس الأمومة منذ زواجها قبل 3 سنوات، تدفع كل ما تجنيه من عملها في التحاليل وعيادة الأطباء لتجري عمليتين لتلقيح اصطناعي واحدة في مركز عمومي وأخرى في مركز خاص لم تكلل بالنجاح لكنها تعتزم إجراء أخرى.

تبلغ تكلفة سحب البويضات في المستشفى العمومي 250 دينار مقابل حوالي 2000 إلى 2500 دينار في المراكز الخاصة دون احتساب تكاليف الأدوية والتحاليل الباهضة بحسب عدد ممن التقيناهنّ. ويتكفّل صندوق التأمين على المرض بتوفير جزء فقط من الحقن المطلوبة.

قبل ثلاث سنوات، اضطرّت سناء، هي الأخرى، إلى طلب قرض لإجراء عملية تلقيح اصطناعي ثانية كللت بالنجاح بعد فشل الأولى وذلك بعد تأخر الإنجاب لمدة 15 سنة.

تبلغ تكلفة سحب البويضات في المستشفى العمومي 250 دينار مقابل حوالي 2000 إلى 2500 دينار في المراكز الخاصة دون احتساب تكاليف الأدوية والتحاليل الباهضة

وغالبًا ما يرفض الأزواج إجراء التلقيح الاصطناعي والتداوي في حالة تأخر الإنجاب، وهو نتاج لتنشئة اجتماعية تربط بين الخصوبة والفحولة، فتضطر الزوجة إلى تحمل نفقة المساعدة الطبية على الإنجاب في حالات كثيرة.   

سوار أيضًا ثلاثينية، تأخر الإنجاب لديها ثلاث سنوات، لكنها الآن تفكّر في التوجه الى مركز للمساعدة على الإنجاب بعد استنفاذ كل المحاولات الأخرى. تطور الاختلاف بين زوجة تبذل ما بوسعها للإنجاب وزوج يرفض العلاج الى خلافات داخل العائلة وضغط تسلطه أسرة الزوج وفق ما جاء على لسان من حاورتهن "ألترا تونس". فتقول منية عن قسوة المجتمع أن البعض يتعمدون تذكيرها بتأخّر إنجابها ولا يدخر البعض الآخر جهدًا لإخفاء نظرات الشفقة كلما حضنت طفل أحدهم.

اقرأ/ي أيضًا: من شمّ الدخان والبنزين إلى أكل التراب والطين.. ما حقيقة وحم الحامل؟

إشعاع تونسي في مجال المساعدة على الإنجاب

في تونس، يوجد مركزان عموميان للمساعدة على الإنجاب في كل من تونس العاصمة وسوسة إضافة لعشرة مراكز خاصة. "ألترا تونس" زار مركز المساعدة على الإنجاب بمستشفى عزيزة عثمانة حيث 80 في المائة من المرضى غايتهم الحصول على مساعدة للإنجاب.

ويجري المركز الناشئ سنة 2002 ما معدّله 800 عملية طفل أنبوب في السنة، 25 في المائة منها تنتهي بالولادة وهي نسبة تعادل النسب العالمية وفق ما أفادنا به الدكتور مروان براهم أستاذ جامعي مساعد بكلية الطب في طب النساء والتوليد والمساعدة على الإنجاب. وأفادنا أن المدة الضرورية للإنجاب عبر التلقيح الصناعي حوالي عام ونصف مفيدًا أن نسبة النجاح تختلف من أزواج إلى آخرين.

د. خديجة قاسم بالرّجب: التلقيح الاصطناعي يبقى الحل الوحيد لعدة حالات من العقم خاصة منها انسداد القنوات وضعف الحيوانات المنوية وضعف البويضات وتقدّم الزوجة في السن

في هذا السياق، قالت الدكتورة خديجة قاسم بالرّجب، أستاذة مبرّزة في علم الأنسجة والأجنّة، إن التلقيح الاصطناعي يبقى الحل الوحيد لعدة حالات من العقم خاصة منها انسداد القنوات وضعف الحيوانات المنوية وضعف البويضات وتقدّم الزوجة في السن، مشيرة إلى أن نسبة النجاح تتراوح بين 10 و50 في المائة تحدّدها عوامل عدة تختلف من مريض لآخر. وأضافت أن عملية التلقيح المجهري للرجال الذين يشكون صعوبات في الإنجاب هي نفسها التقنيات التي تعمل على تحسين الأجنّة.

د. مروان براهم و د. خديجة قاسم بالرّجب من مركز المساعدة على الإنجاب بمستشفى عزيزة عثمانة (رجاء غرسة/ألترا تونس)

 

ويتم الحقن المجهري على ثلاث خطوات بعد استكمال التحاليل اللازمة وتحديد سبب العقم، يتم تنشيط المبيض. يبدأ تحضير الزوجة للحقن المجهري أول يوم أو ثاني يوم من الدورة الشهرية حيث يتم إيقاف الدورة بإعطاء الزوجة سلسلة من الأدوية الهرمونية التي تعمل على إيقاف عمل الغدة النخامية والدرقية ولزيادة فرص الإنجاب تعمل هذه الأدوية على إنجاب عشر بويضات على الأقل وتساعدها على النضوج قبل حفظها في حاضنات بدرجة 37 درجة مائوية ورطوبة 98 في المائة وتتم تغذيتها مخبريًا.

كما تُأخذ عينات من الحيوانات المنوية للزوج واختيار الحية منها وفي حالة وجود عقم لدى الزوج يتم سحبها من البربخ أو من الخصيتين. ثم يتم التلقيح بتحديد حيوان منوي واحد لكل بويضة ثم تحفظ في حاضنة حتى تنقسم لعدة خلايا مكونة الجنين الذي يتم إعادته إلى رحم الأم.

ويتردد على مراكز المساعدة على الإنجاب مرضى من الأقطار العربية وخاصة من الجزائر وليبيا. "صوريا" هي مواطنة جزائرية اختارت تونس وجهة لها للمرة الثانية لتحقيق حلمها بالأمومة، خاصة بعد نجاح صديقة لها في الحمل عبر تقنية التلقيح الاصطناعي في تونس، و"حتى لو كان الأمل في الحمل 1 في المائة فقط سوف لن أتأخر عن المحاولة"، كما تقول لـ"ألترا تونس".

د. مروان براهم: تونس أصبحت وجهة لمن يريد المساعدة على الإنجاب بفضل تطور التقنيات وتوفر المختصين وكل مراحل التلقيح الاصطناعي في مركز المساعدة على الإنجاب تتم بأيادي تونسية

يقول الدكتور مروان براهم أن تونس أصبحت وجهة لمن يريد المساعدة على الإنجاب بفضل تطور التقنيات وتوفر المختصين والتكوين التونسي، مشيرًا في هذا الباب إلى أن كل مراحل التلقيح الاصطناعي في المركز تتم بأيادي تونسية.

وفي سياق متّصل، أعلن مركز المساعدة الطبية على الإنجاب بمستشفى العزيزة عثمانة، في جويلية/يوليو الماضي، ولادة أول طفل من بويضة مجمّدة في المؤسسة العمومية، كان حسب الدكتورة بن رجب مؤشرًا ايجابيًا لنجاح مئات العينات المجمدة من البويضات والحيوانات المنوية بغاية الحفاظ على الخصوبة لدى عدد من المرضى.

وقد انطلق المركز في تجميد السائل المنوي سنة 2014 والبويضات لدى النساء سنة 2015، وهو إجراء يتم اعتماده لدى المرضى ممن يتعاطون أدوية تؤثر على الخصوبة وخاصة منها الأدوية الكيميائية، وهو ما يضمن حقهم في الإنجاب بعد انتهاء فترة علاجهم.

مراسلة "ألترا تونس" مع الدكتور مروان براهم أستاذ جامعي مساعد بكلية الطب في طب النساء والتوليد والمساعدة على الإنجاب

 

اقرأ/ي أيضًا:

منية.. أمّ لـ8 أطفال لم تلدهم

مونولوج الإجهاض: "لن أحمل مجددًا لأني لم أكبر بعد"