"رد بالك على عصفورتك".. عن عالم الجنس وبراءة الطفولة

أباء يجدون صعوبة في الإجابة على الأسئلة الجنسية لأبنائهم (Getty)

 

"رد بالك على عصفورتك"، "متخلّي حد يمسّك من غادي"، "حوتك متورّيها لحد"، كلمات نسمعها بانتظام من أولياء أعياهم قلقهم من استغلال أطفالهم جنسيًا أو التحرّش بهم. هي مبهمة أحيانًا، غير مفهومة للبعض وكأنها كلمة سرّ بين الأم وابنتها أو الأب وابنه للحفاظ على حرمة ذاك الجسد الصغير من عبث المرضى والشاذّين. ولكن هل يفهم الأطفال غاية هذه الكلمات؟ هل يستطيع الأولياء التعبير بلغة سليمة عن المفردات الجنسيّة لأطفالهم؟ وهل يحتاج أطفال اليوم لتربية جنسيّة تتوافق مع أعمارهم؟

تظهر الأبحاث أن الأطفال والمراهقين الذين لديهم فهم جيد لمختلف جوانب الصحة الجنسية هم الأكثر عرضة لتأخير أنشطتهم الجنسية أو لحماية أنفسهم من الأخطار المحتملة

الصحة الجنسية جزء مهم من هويتنا طوال حياتنا دون الاقتصار على مرحلة معينة، وبالتالي فهي تستحق أن تحظى بالاحترام والحماية. تظهر الأبحاث أن الأطفال والمراهقين الذين لديهم فهم جيد لمختلف جوانب الصحة الجنسية هم الأكثر عرضة لتأخير أنشطتهم الجنسية أو لحماية أنفسهم من الأخطار المحتملة عندما يتعرّضون للتحرّش أو الاستغلال. كما أن الأطفال والمراهقين الذين يتمتعون بصحة جنسية جيدة هم أكثر عرضة لصورة ذاتية جيدة ومهارات شخصية جيدة ومهارات قوية في اتخاذ القرار.

اقرأ/ي أيضًا: حراس المدارس.. أمناء على التلاميذ أم مغتصبون؟!

آباء حائرون وآخرون محرجون

يشعر العديد من الآباء بالتردد والإحراج عندما يتعلق الأمر بالحديث عن الجنس للأطفال إلا أن التربية الجنسية مهمة تعليمية هامة تساعد على حماية أطفالنا من كل أشكال التحرّش الجنسي.

نور وحازم زوجان انتقلا منذ فترة للعيش في فرنسا. تغيّرت البيئة والثقافة وخاصّة بالنسبة لطفليهما ذوي الأربع والست سنوات ممّا جعلهما في حيرة من تساؤلاتهما حول العلاقات وكيف أصبح ما كان محرّما في بلدهما الأم تونس على مرأى أعينهم اليوم.

تتحدّث نور عن هذه التجربة لـ"الترا تونس" قائلة: "كغيري من الأمهات تربّيت في بيئة محافظة يعتبر فيها الحديث عن الجنس والعلاقات محرّمًا. فكنت لا أتجرّأ عن سؤال أمي عن جسدي أو عن خصوصياتي ممّا جعلني جاهلة بعديد التفاصيل حتى وصولي للباكالوريا".

نور (أمّ):  تربّيت في بيئة محافظة يعتبر فيها الحديث عن الجنس محرّمًا

وأكّدت نور أنّ هذه المسألة كانت تمثّل لها مشكلًا وهذا ما أثّر على علاقاتها بأطفالها الذين يبحثون دائًما عن تفاصيل تعجز عن الإجابة عنها أحيانًا، مضيفة أن هذا التردّد أو العجز يجعل الأطفال غير مستوعبين للمسائل الجنسيّة وعرضة للاستغلال ويخافون البوح بها لآبائهم، حسب تعبيرها.

وأشارت إلى أن طفل اليوم يختلف عن طفل الأمس فهو ذكيّ ويستطيع استقاء المعلومات من أصدقائه أو من التلفاز.

ويشاطرها الرأي زوجها حازم الذي أكّد أن موضوع الثقافة الجنسيّة لم يعد محرّمًا في مجتمعنا اليوم ولم يعد "الغول" الذي يرهب العائلات، موضحًا أن الطفل منذ سن الرابعة يبدأ في اكتشاف جسده والتساؤل حوله لذلك يسعى أن يجيب أبناءه في نطاق المعقول، على حدّ قوله.

وفيما يتعلق بموضوع التحرّش، يقول حازم: "أعتمد دائمًا على الأسئلة بطريقة غير مباشرة وأوصيهم دائمًا أن هناك حدودًا في علاقتهم مع أصدقائهم أو مع الغرباء".

حازم (أب): موضوع الثقافة الجنسيّة لم يعد محرّمًا في مجتمعنا اليوم ولم يعد "الغول" الذي يرهب العائلات

اقرأ/ي أيضًا: احذر مثاليّتك فقد تدمّر طفلك!

وتختم نور الحديث معنا بالقول: "علينا أن نكون متصالحين مع أطفالنا ونكون المصدر الأساسي للمعلومة حتى لا يلجؤوا للغرباء. وعلينا أن نعلّمهم أنّ أعضاءهم الجنسيّة خط أحمر لا يمكن لأحد أن يراها أو يلمسها".

في المقابل، ترى فاتن، والدة طفل يبلغ من العمر عشرة سنوات، أن عديد الأولياء يتهرّبون من أسئلة أطفالهم لجهلهم بأسلوب إيصال المعلومة بطريقة مهذّبة، مبينة أن الطفل اليوم عرضة للإيحاءات الجنسيّة إما في الأغاني أو البرامج التلفزيّة وهذا ما يجعل الأمر يصعب على الولي.

وأشارت فاتن، في حديثها لـ"الترا تونس"، إلى أنّه في القدم كانت الأمّهات تعتمدن على "تصفيح الفتيات" لحمايتهنّ من الاغتصاب جهلًا منهنّ بمخلّفات الأمر نفسيًا وجسديًا على الفتاة، مضيفة أن أسلوب التربية التقليدي وتفادي الحوارات المتعلّقة بالجنس مع الطفل يجعله غير متصالح مع جسده ممّا يؤدي لاحقًا إلى عديد الاضطرابات الجنسيّة في حياته الزوجيّة.

"نحن نخلق الإحساس بالنقص لدى أطفالنا من خلال إجاباتنا السيئة"

"نحن نخلق الإحساس بالنقص و"عقدة النقص" لدى أطفالنا من خلال إجاباتنا السيئة"، هكذا عبّر المختص في الطب النفسي للطفل والمراهق، صادق جبلون، في تصريح لـ"الترا تونس"، عن أهميّة الإجابات التي يتلقاها الطفل بخصوص أسئلته الجنسيّة، مؤكدًا أن فراغ الثقافة الجنسية لدى الأبوين أو الطفل تحيلهم لوعي الشارع وتحقير الأعضاء الجنسيّة والسخرية منها.

 الطفل اليوم عرضة للإيحاءات الجنسيّة (Getty)

ويبيّن جبنون أن كل ما يطرح في فترة الطفولة من ميولات جنسيّة لا يدخل في الإطار المرضي وذلك لأن الطفل ما يزال في فترة نمو لغوي وثقافي وتطور ذهني وفكري، ووعيه الاجتماعي بجسمه مرتبط بالبيئة التي ينمو فيها، قائلا إن "السلوكيات الجنسيّة التي نلاحظها تتطوّر حسب درجة وعي الوالدين وتأخذ منحاها الطبيعي حسب ثقافة الأسرة"، حسب تعبيره.

وعن التعرض للإيحاءات الجنسية في المشهد الإعلامي، يوضح محدثنا أن مدى التأثّر مرتبط بردود فعل الأبوين وكيفيّة تعاملهم مع الموقف مضيفًا أن هناك فرقًا كبيرًا بين أبوين يملكان القدرة على التربية والتعليم والتنشئة الواعية وبين غيرهم من الأولياء.

صادق جبلون (مختص في الطب النفسي للطفل والمراهق): فرق كبير بين أبوين يملكان القدرة على التربية والتنشئة الواعية وبين غيرهم من الأولياء

اقرأ/ي أيضًا: من الكابتن ماجد إلى "الأيباد": كيف أصبح الطفل وحيدًا؟

ويبزر أن الطفل يتفاعل مع الشاشة من خلال ردود أفعال الكبار التي تعطي لتلك الايحاءات معنى يرسخ في ذهنه مبينًا أن غالبيّة الأطفال في الفترة العمريّة الأولى لا يتفطّنون لشيء ويستهلكون ردود الأفعال عن غير وعي.

أما في الفترة التي يتراوح فيها عمر الطفل بين 11 و 12 عامًا، يقول الإخصائي إن الطفل يتطور بدنيًا ويصبح لديه اهتمامات جنسية ويلتقط الألفاظ الجنسية من الشارع مشيرًا إلى أن ردّة فعل أبويه غير الواعية تدفعه بطريقة لا شعورّية إلى سلوكيات فيها تعلق بكل ما يوحي بالجنس.

ويضيف جبلون أن "بداية الثقافة هي اللّغة والإجابة التي تقدمها لابنك في كل مراحله العمريّة. إجابة يجب أن تطمئنه وتمنحه إحساسًا بالثقة في نفسه بمصطلحات يعرفها ويفهمها دون استعمال الكلام البذيء".

ماذا نقصد بالثقافة الجنسيّة وكيف يمكن تدريسها؟

ما يزال إلى يومنا هذا موضوع التطوّر الجنسي للطفل موضوعًا محرًّما. والكثير من الآباء مازالوا لا يعرفون بالضبط ما يحتاجه الطفل في هذا المجال، ومن هنا يأتي الحديث عن الثقافة الجنسيّة للأطفال.

وغالبًا ما يكون التعليم الجنسي مساويًا للنقل المعلوماتيّ، لكن انتقال المعرفة حول قضايا الجنس والإنجاب ليست سوى جانب واحد من جوانب التربية الجنسية، إذ يتضمن أيضًا دعم الأطفال في تطورهم الحسي وإعطائهم الفرصة ليكون لديهم تصور إيجابي لأجسامهم وحياتهم الجنسية.

سماح برادعي (مختصة في الديداكتيك): على الوالدين في نهاية الطفولة وبداية المراهقة طرح موضوع البلوغ مع الطفل بطريقة مبسّطة 

وفي هذا الإطار، تقول المختصة في الديداكتيك (علم التدريس) سماح برادعي لـ"الترا تونس" إنه على الوالدين في نهاية الطفولة وبداية المراهقة طرح موضوع البلوغ مع الطفل المراهق بطريقة مبسّطة والحرص على ربط علاقة جيّدة مع طفلهم حتى يضمنا لجوءه إليهما عند الحاجة إلى الاستفسار عوض اللجوء لغيرهم.

أمّا بخصوص كيفيّة تدريس أو إيصال التعليم الجنسي للطفل، توضح برادعي أن النقل التعليمي من المعرفة العالمة "savoir savant" إلى المعرفة المدرّسة "savoir enseigné" فيما يخص الثقافة الجنسية يجب أن يكون تبسيطيًا وليس إفراغًا للمحتوى وذلك بهدف ضمان الهدف من تدريس هذه المادّة وهو توعية الأطفال لحفظهم من التحرّش أو الاستغباء".

وعن كيفيّة تعامل الأولياء مع أسئلة أطفالهم، فتوصي سماح برادعي بعدم مدّ الطفل بمعلومات خاطئة مهما كان عمره مؤكدة أنه يتعين عليهم مراعاة مستوى نضج الطفل ووعيه وقدرته على الفهم.

وفي نفس الإطار، يقول الدكتور مصدّق جبلون إنه وفي غياب توعية مبكرة وتدني المستوى والوعي بقيمة الجنس في حياة الإنسان، يجب تثقيف المعنيين بالأمر وخاصّة في رياض الأطفال من خلال اعتماد أشخاص أكفّاء وإدراج الاختلاف بين الجنسين في البرنامج، لافتًا إلى إمكانية اعتماد عبارات مبسّطة ومهذّبة لإيصال المعلومة وضرب الأمثلة من عالم الحيوانات.

صادق جبلون (مختص في الطب النفسي للطفل والمراهق): على الأولياء التركيز على مفاهيم الحب وأهميته في العلاقة الجنسيّة لكي لا يعتبرها الطفل مجرّد شهوة

ويؤكد جبلون أنه على الأولياء التركيز على مفاهيم الحب وأهميته في العلاقة الجنسيّة لكي لا يعتبرها الطفل مجرّد شهوة أو تناسل، مبينًا أن كلّ هذا سيؤثث لحياة زوجيّة وجنسيّة متوازنة يستمتع فيها كلا الطرفين دون عقد أو إحساس بالنقص.

لا بد إذًا من توفير التربية الجنسية وفقاً لواقع الطفل ودرجة تطوره. فالأطفال لا يتعلمون فقط المشي والكلام، وليس لديهم نفس العطش للمعرفة حول القضايا الجنسية. فالبعض منهم يسأل أسئلة حول الجنس في وقت مبكر، والبعض الآخر يفعل ذلك في وقت لاحق، ولكن يبقى الأهم مراقبة الأطفال بشكل جيد ومرافقتهم في مسارهم لتنميتهم وتطوير إدراكهم بطرق سليمة.

 

اقرأ/ي أيضًا:

المواليد خارج إطار الزواج.."إذا وصفونا بأبناء الحرام.. سنقول نحن آدميون"

في تونس.. أطفال لا يعرفون البحر