"رائحة رمضان".. كيف تستعدّ المدينة العتيقة بسوسة للشهر؟

عادات وتقاليد متوارثة لاستقبال الشهر الكريم في مدينة سوسة العتيقة (Getty)

 

"رائحة رمضان" هي العبارة التي يستعملها التونسي لاستقبال شهر متميز عن باقي أشهر السنة، هي رائحة يتمازج فيها الديني والتراثي والاجتماعي والاقتصادي. في مدينة سوسة، ترتفع صدى المآذن بتلاوة القرآن والذكر والمدائح كلما اقترب الشهر المبارك خاصة منذ المنتصف الثاني من شهر شعبان.

تشهد المعالم الدينية للمدينة العتيقة حركيّة مختلفة عن باقي أيام السنة، تتدثّر المساجد والجوامع بكساء وحلّة جديدة فترى أهل المدينة وأطرها المسجدية يتسارعون نحو إعادة التهيئة من طلاء وتغيير للفوانيس وتغيير السجاد والاعتناء بالميضة واستبدال مكبرات الصوت. هنا يتهيأ مرتادو المساجد لاستقبال شهر التقوى والعبادة بالمجالس الدينية وتدريس معالم الدين، ويشعر سكان المدينة أن الاستعداد لاستقبال الشهر الكريم ينطلق حتمًا من أماكن العبادة ثم يشع على باقي مكونات المدينة التجارية والحرفية والثقافية والتراثية.

إعادة تهيئة جامع سوسة الكبير استعدادًا لشهر رمضان (ماهر جعيدان/ألترا تونس)

 

اقرأ/ي أيضًا: المهن الموسمية في رمضان.. باب رزق

الشيخ مصطفى، أحد المشرفين على الجامع الكبير بسوسة، يتهيأ لاستقبال شهر رمضان بإشرافه على أشغال الصيانة بعد صلاة الفجر من كل يوم داعيًا المصلين إلى التطوع فتتكثف مشاركتهم على غير العادة. وقد دأب شق من التونسيين على ارتياد المساجد في شهر رمضان فقط فترى إقبالًا متزايدًا ومتميزًا على الصلوات الخمس ناهيك عن صلاة التراويح. ومن بين الاستعدادات في دور العبادة اقتناء أنواع شتى من العنبر والمسك عدا عن اقتناء المصاحف.

وعلى غرار الجوامع، تكتسي الزوايا حلّة جديدة في المدينة العتيقة بسوسة فهي التي تستعدّ لاستقبال الصدقات من كل حدب وصوب، ويأتي أصحاب الخير بـ"قفة رمضان" أين يأتي مستحقوها من ذوي الفئات الضعيفة فيتسلّموها كمساعدة على تحمل مصاريف هذا الشهر. هذه "القفة" هي عنوان تضامن وتوطيد أواصر الرحمة بين أهل البرّ والإحسان. وليست هذه الإعانات الرمضانية أمرًا مستجدًا في مدينة سوسة بل ضاربة في القدم، وهي تحترم كيان الأفراد وتعكس كرم الرجال ورفعة الأخلاق وتدعم التآزر بغير رياء أو اعتداء على الكرامة الإنسانية.

يتهيأ الشيخ مصطفى، أحد المشرفين على الجامع الكبير بسوسة، لاستقبال شهر رمضان بإشرافه على أشغال الصيانة بعد صلاة الفجر 

وعبر تاريخ سوسة الحديث، كانت الجمعية الخيرية الإسلامية التي أسسها محمود بن محمد الزين بوراوي، مفتي سوسة، منذ عام 1907 تتكفل بإطعام المساكين والفقراء وذوي الحاجة، وتقدم لهم الكساء من "كدرون" و" بلوزة" خاصة عند استقبال المناسبات الدينية. وقد توارثت جمعيات إلى اليوم هذا التقليد النبيل.

هكذا بدت لنا مظاهر الاستعدادات لاستقبال الشهر المعظّم في دور العبادة بالمدينة العتيقة بسوسة، وقد عجّت الأسواق بالمتسوقين والتجار نسوة ورجالًا. إذ ازدهرت التجارة بالسوق المركزية برج الرشيد بباب الجديد، وكذلك سوق العراوة، وسوق القايد، والربط، والربع حيث يقبل المواطنون من كافة المدن المجاورة لاقتناء مستلزمات الشهر من الخضار والغلال واللحوم والأسماك والحلويات والتوابل والبهارات وغير ذلك من الأردية والأسترة.

تزدهر التجارة بالسوق المركزية بسوسة (ماهر جعيدان/ألترا تونس)

 

وخلال جولة "ألترا تونس" بالسوق المركزية، لاحظنا إقبالًا شديدًا رغم تشكيات المواطنين من غلاء أسعار المواد الغذائية في الأسبوع الأخير من شهر شعبان، وقد التقينا محمود وهو مواطن يرى أن غلاء المعيشة في تونس وتدهور قيمة العملة واشتداد الأزمة الاقتصادية كلها عوامل قد تؤثر على لهفة المواطن هذه السنة وتجعله يتردد في تحمل مصاريف إضافية مشيرًا إلينا بارتفاع أسعار الغلال واللحوم والأسماك.

واعترضتنا السيدة سالمة عند تاجر البهارات التي سألناها عن استعداداتها لهذا الشهر فقالت: "أصرّ دائمًا على قضاء أغراضي المنزلية من توابل وبهارات استعدادًا لشهر رمضان، فلا نكهة لهذا الشهر إلا إذا ما اقتنيت لوازمي وإن ارتفع ثمنها. هذه تقاليدنا التي سنبقى على العهد بها".

اقتناء البهارات هو تقليد ضروري استعدادًا لشهر رمضان (Getty)

 

اقرأ/ي أيضًا: البريك.. الشمس التي لا تغيب عن مائدة رمضان

وفي إحدى منعرجات المدينة العتيقة، اعترضنا محمد الذي يلقبه أهل المدينة بـ"كريستو" رجل في الستين من عمره نشأ وترعرع في هذه الأنهج والأزقة. حدثنا عن تقاليد المدينة في استقبال هذا الشهر قائلًا: "كنا نستعد لهذا الشهر كبارًا وصغارًا، كان أطفالنا يتهيؤون إلى اللعب بالقناديل وصناعة "الكروسة" وهي عبارة عن لوحة خشبية بعجلات وصنع "الطراشق" بالمفاتيح وهي أداة تحدث صوتًا عند آذان المغرب إيذانًا بالإفطار".

محمود (مواطن): غلاء المعيشة في تونس وتدهور قيمة العملة واشتداد الأزمة الاقتصادية هي عوامل قد تؤثر على لهفة المواطن هذه السنة

وواصل محدثنا بالقول: "كنا صغارًا نمسك بالقناديل وهي عبارة عن علب طماطم ونثقبها ونضع فيها فتيلًا مضاء بالزيت فينبعث منها ضوء، وكنا أكثر من عشرين ولدًا نصعد جبل منارة برج خلف أعلى المدينة العتيقة تحت الناظور فنضيء المكان حتى يراه الأهالي عن بعد في حلّة جديدة".

وتابع "كريستو" حديثه لـ"ألترا تونس" مشيرًا إلى الحفاظ في أسواق المدينة على عادات استقبال شهر رمضان وبالخصوص عادة ارتياد "الرحاي" الذي يطحن التوابل والقمح والشعير والدرع وغير ذلك من مكونات "البسيسة" و"الدردورة " التي تعتبر الغذاء الرئيسي في السحور وذلك عدا عن اقتناء الكعك بالتمر و"البشكوطو" وفق ما حدثنا.

مراسل "ألترا تونس" مع عمّ محمّد الشهير بـ"كريستو" في مدينة سوسة العتيقة

 

ولعل أهم ما يميز شهر رمضان في سوسة عربات حلوى "النوقا" في سوق الذهب التي تنتصب بمناسبة الشهر المعظم، وتكون قبلة الزبائن من كل حدب وصوب، فيبدأ تجار هذه الحلوى خلال هذه الأيام في الاستعداد بتصفيف عرباتهم وحيازة الأمكنة حسب أعراف تداولوها منذ زمن.

عادات لم تندثر إلى اليوم رغم اختلاف الزمن حافظت عليها أسوار المدينة العتيقة بسوسة، ولا تزال تحافظ المدينة أيضًا على أنشطتها الثقافية من خلال إعداد التظاهرات والاحتفالات والسهرات الليلية في المقاهي العتيقة والدور الثقافية والفضاءات الخاصة والمتاحف. إذ تستقبل مدينة سوسة عددًا هامًا من السياح التونسيين والعرب والأجانب وتستقطب فضاءاتها الثقافية الزوار في إطار تنشيط المدينة وإحياء تراثها.

ولم تكن بمنأى عن استعدادات مدينة سوسة تلك الإحاطة الأمنية البارزة في كل المناسبات الدينية والوطنية، جزء بات أساسيًا في عملية تأمين الأنشطة الرمضانية وحماية المواطنين من كافة أشكال التهديدات خاصة خلال السنوات الأخيرة.

 

اقرأ/ي أيضًا:

تراجيديا شهر رمضان: "اسكت أنا محشّش"

مدفع رمضان.. دوي بطعم الحنين