جمال مسلم: منع شبان من السفر على خلفية تدوينات.. وللحقوق نقول

جمال مسلم: منع شبان من السفر على خلفية تدوينات.. وللحقوق نقول "توة" (حوار-1/2)

رئيس الرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان جمال مسلم (رحمة الباهي/ الترا تونس)

تعيش تونس اليوم في فترة انتقالية تتميّز باضطرابات سياسية وتحولات مجتمعية ونقاشات لم يشهدها المجتمع التونسي سابقًا خاصة قبل الثورة، وتهم بشكل خاص الحقوق والحريات، بمجاليها العام والخاص، هذا إلى جانب التحديات التي تواجهها الديمقراطية الهشة في ظلّ صعوبات وتحديات اقتصادية واجتماعية.

ولئن كانت الحريات تعيش موجات مدّ وجزر، فإن المجتمع المدني مثّل لاعبًا محوريًا في الحفاظ على مكتسبات الثورة خصوصًا تلك المتعلقة بحرية التعبير والتنظم والدفاع عن المنظومة الكونية لحقوق الإنسان، بل إن بعض المنظمات كان لها دور في الحفاظ على نوع من الاستقرار السياسي الذي عرفته البلاد التونسية مقارنة بغيرها من بلدان الربيع العربي، ومن بينها الرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان التي طالما مثلت منذ تأسيسها في سبعينيات القرن الماضي حصنًا منيعًا للدفاع عن الحقوق والحريات المدنية والسياسية في مواجهة الاستبداد والديكتاتورية.

وفي هذا السياق، كان لـ"الترا تونس" لقاء مع رئيس رابطة الدفاع عن حقوق الإنسان جمال مسلم للحديث عن واقع الحريات والحقوق في تونس سبع سنوات بعد الثورة والتحديات التي تواجهها هذه المنظومة.

اقرأ/ي أيضًا: روضة العبيدي: قريبًا قانون للتصدي لمكاتب التشغيل الوهمية في تونس (حوار)

  • كيف تقيمون وضعية الحقوق والحريات اليوم في تونس بعد سبع سنوات من الثورة؟

لا مجال اليوم للمقارنة بين ما قبل 2011 وما بعد 2011 في عدة مجالات. أولًا في المجال التشريعي بعد 2011 تونس أمضت على عدد من الاتفاقيات تهمّ حقوق الإنسان مباشرة وتهمّ الحرمة الجسدية والحريات. وانخرطت تونس في أعمال تحضيرية للإصلاح التشريعي في علاقة بمشاريع قوانين وعرضها على المجلس الوطني التأسيسي سابقًا ومجلس نواب الشعب اليوم. ونعتبر أنه في المجال التشريعي حققنا مسافات هامة جدًا في وضع قوانين ونكون بذلك تقدمنا بخطوة لتطبيق القوانين في اتجاه إرساء مجتمع عادل وتنتفي فيه عديد أشكال الاضطهاد وعديد أشكال الانتهاكات الموجهة لحقوق الإنسان في مجال احترام الحرمة الجسدية.

في 2017 شهدنا قانونًا عملنا عليه كثيرًا وهو قانون مناهضة العنف ضدّ المرأة ثمّ قانون تجريم الميز العنصري الذي تمت المصادقة عليه في 2018، إلى جانب تركيز هيئات على غرار الهيئة العليا لحقوق الإنسان والحريات الأساسية.

رئيس رابطة الدفاع عن حقوق الإنسان لـ"الترا تونس": نود أن تكون تونس أول البلدان العربية التي تلغي عقوبة الإعدام

  • لكن في مقابل التطور التشريعي مازالت آليات التفعيل غائبة والممارسات لم تتغيّر كثيرًا؟

صحيح. مثلًا قانون مناهضة العنف ضد المرأة، العنف ضدّ المرأة ممارسة موجودة ومقبولة في عديد الجهات والأوساط الريفية لأن الموروث الثقافي يسمح بذلك تاريخيًا، علاوة على ذلك هناك أشكال العنف الذي تتعرّض له المرأة في المدينة وأماكن الشغل والدراسة والأماكن العامة في الفضاء العام ولا بدّ من قانون يجرّم أشكال التحرش والانتهاك والاعتداء. بالنسبة للعقلية ستبقى متواصلة ووضع قانون والمصادقة عليه لن يوقف أمرًا له خلفيات عميقة في المجتمع وتفعيل الوقت يحتاج إلى قانون.

كذلك القوانين التي تتم المصادقة عليها تحتاج إلى آليات لتطبيقها وآليات التطبيق تتطلّب وقتًا وحيزًا من الزمن لكن نحن نرفض أن هذا الوقت يطول ولا بدّ من وضع الآليات في أقرب الآجال وهنا يدخل دور المجتمع المدني ودور الهيئات الرقابية مثل مجلس نواب الشعب.

وإثر ذلك نستطيع القيام بدراسات تتعلق بما قبل القانون وما بعده والمسافات التي مازلنا سنقوم بها في اتجاه الوصول إلى نتائج ملموسة. ونحن في الرابطة قمنا بعديد أشكال المناصرة كي يقع تبني القواني التي تحترم حقوق الإنسان أو تساهم في إرساء مجتمع عادل تعددي ديمقراطي. وأول نص قانوني في هذا الإطار هو الدستور باعتبار أنه يتضمن عديد الفصول التي تحترم حقوق الإنسان رغم تضمنه لفصول لم نستطع إزالة فصول تمسّ من حقوق الإنسان مثل عقوبة الإعدام التي نعتبرها انتهاكًا لأول حق للإنسان وهو الحق في الحياة.

  • في المقابل هناك من يتمسك بعقوبة الإعدام بل ويعتبرها شرعًا يجب تطبيقه؟

نحن في رابطة الدفاع عن حقوق الإنسان شكلنا ائتلافًا في المجتمع المدني لمناهضة عقوبة الإعدام لأننا نعرف أن أغلب بلدان العالم قامت بإلغائها ومن بينها عدة دول إفريقية ولكن تبقى البلدان العربية ونود أن تكون أول بلد يلغي هذه العقوبة.

  • لكن أحكام الإعدام في تونس لا تنفذ؟

صحيح. وآخر حكم إعدام تمّ تنفيذه عام 1991. إلغاء التنفيذ لا يعني إلغاء الأحكام لأن الأحكام متواصلة. وقد تعرضنا لقوانين تنصّ عدة فصول منها على عقوبة الإعدام على غرار قانون الإرهاب الذي تمت المصادقة عليه سنة 2015. خلال النقاشات المتعلقة به تعرّضنا للعقوبات السالبة للحياة خاصة مقارنة بقانون الإرهاب لسنة 2003 الذي لا يتضمن حكومة الإعدام.

صحيح أنه لم ينفذ أي حكم إعدام منذ 1991 ولكن لا توجد ضمانات قصوى وكاملة كي يتواصل عدم تنفيذ عقوبة الإعدام. اليوم نحن نعيش في فترة انتقال صعبة تتسم بوجود اضطرابات على المستوى السياسي ومستوى تركيبة مجلس نواب الشعب وبتحالفات وإعادة تحالفات وتشكل وإعادة تشكّل على مستوى مختلف الكتل. ونخشى أن نتجه أكثر في اتجاه الضغط من أجل تنفيذ عقوبة الإعدام خاصة في الجرائم الفظيعة والخطيرة التي تتعلّق بالإرهاب أو بعض الحالات كاغتصاب الأطفال والقتل بعد الاغتصاب.

أكد جمال مسلم لـ"الترا تونس" ضرورة الوقاية من التطرف العنيف (الترا تونس)

  • بعد وقوع مثل هذه الجرائم، كثيرًا ما تبرز دعوات مطالبة بإعدام المذنب وحتى التنكيل بجثته في مكان عام من قبل مواطنين تونسيين وحتى بعض "المثقفين"، أي دور لرابطة حقوق الإنسان هنا؟

نحن كرابطة مع حقوق الإنسان ومع الحق في الحياة ونعمل مع عديد المنظمات والجمعيات في اتجاه الضغط من أجل إلغاء عقوبة الإعدام بالاعتماد على ما يحدث في العالم، تطبق حكومة الإعدام أولًا غالبًا ما يطال الفقراء الذين ينتمون إلى فئات معدمة وهشة. وثانيًا هناك التصفية السياسية للمعارضين السياسيين وهذا أمر رائج مثل الحكم على 75 شخصًا في مصر بالإعدام وهي في الحقيقة تصفية سياسية وكان يمكن الحكم عليهم بعقوبات أخرى. نحن مع عملية الردع وتشكيل المجتمع في اتجاه تنتفي فيه أو تتقلّص فيه الجرائم لكن هناك اليوم جرائم ليست في الواقع جرائمًا مثل حرية العمل السياسي والبعض ممن يمارس النشاط السياسي يُحكم عليه بالإعدام باتهامات كبرى بما فيها الإرهاب والتآمر على أمن الدولة إلخ وهي في الحقيقة تصفية للمعارضين السياسيين.

هناك أمر ثالث نعمل عليه وهو الأخطاء القضائية وبعضها نعيشها حتى في تونس على غرار وجود أشخاص حُكم عليهم بالإعدام ولكن يتم الاكتشاف لاحقًا أن الجريمة التي حوكم بمقتضاها غير موجودة على غرار قضية في ولاية صفاقس أين وقع الاكتشاف صدفة أن متهمًا موقوفًا ينتظر حكم الإعدام ليس المجرم الحقيقي.

من هذا المنطلق وبناء على كلّ هذه المعطيات ورغبتنا في تطوير منظومة حقوقية يقع فيها احترام الحرمة الجسدية، نحن ضد عقوبة الإعدام وتقريبًا نحن من بين قادة ائتلاف من أجل العمل في عدة أوساط بما فيها الأوساط الشبابية والقضائية والكتل النيابية في مجلس نواب الشعب بهدف تعزيز التوجه أكثر نحو المنظومة العالمية لحقوق الإنسان.

جمال مسلم لـ"الترا تونس": هناك اضطرابات على المستوى التشريعي والمستوى السياسي لها تأثيرات على البلاد

أمر آخر نحن نعرف أن القانون يسبق الواقع وأن تطبيقه يحتاج إلى وقت ودورنا بعد صدور القانون، ومن الوارد أن نكون قد ضغطنا في اتجاه تحسين هذا القانون وتعديله ومواءمته مع المنظومة الكونية لحقوق الإنسان لكن دون ضمانات لتنفيذه، هو العمل على أن يقع تطبيقه وتغيير السلوك الاجتماعي ولا بدّ إذن من عمل آخر على مستوى مختلف الفئات كي يقع تغيير السلوك. على سبيل المثال لدينا التمييز العنصري، نحن في حديثنا العادي نستعمل عديد العبارات العنصرية وهذه العبارات اليوم يقع تجريمها بخطية أو بالسجن لمدة معينة وبالتالي إذا وجد عمل عنصري ستكون العقوبة أقصى. فالسلوك يتغيّر عندما يتمّ تطبيق القانون وهذا يتطلب وقتًا كما يحتاج إلى أن يعرف الناس بوجود القانون والعقوبات والمشكل وسببه وعندما يعرفون أن هناك قانونًا يُطبّق يتقلّص السلوك العنصري تدريجيًا إلى أن يختفي. ومن الصعب أن يختفي السلوك العنصري تمامًا في مجتمعات مثل مجتمعاتنا.

ونفس الشيء بالنسبة لقوانين أخرى تسبق الواقع. ولا بد هنا من عمل في العمق للتشريعيين والسياسيين ومنظمات المجتمع المدني ونحن نريد في تونس التي لها مجتمع مدني قوي له كلمته ومقترحاته ونشاطه أن يتدعم نشاط هذه المنظمات ويتدعم بمنظمات وجمعيات أخرى تعمل في مجالات معينة كي تزيد نسبة تأطير أفراد المجتمع التي لا تزال ضعيفة رغم وجود عديد المنظمات والجمعيات، خصوصًا في الأوساط الداخلية والريفية والشباب والمرأة الريفية...

اقرأ/ي أيضًا: حوارـ غازي الشواشي: الشاهد وظّف "أساليب غير ديمقراطية" لتكوين كتلته البرلمانية

  • ولكن ربما لأن هذه الفئات تشعر أن الجمعيات والمنظمات لا تهتم بما يمسها مباشرة على الصعيد اليومي الملموس كالتنمية والفقر والبطالة، حتى أن هذه الفئات يكون ردها عادة "مش وقتو"؟

هذا ما نعيشه اليوم في النقاش المجتمعي الموجود حول تقرير الحريات الفردية والمساواة. هناك العديد من الشرائح والأفراد الذين يقولون إن هذه المسائل ليست مشكلتنا الأولى بل أولوياتنا تتعلق بالتشغيل وتطور الاقتصاد وتحقيق التوازن بين الجهات وإعطاء الفرصة للجهات الداخلية كي تحصل على التنمية وتطوير التنمية. ولكن الحريات الفردية والمساواة نحن طالبنا بها قبل أن يصدر هذا التقرير ومنذ أن تأسست رابطة الدفاع عن حقوق الإنسان ومازلنا نطالب بها ونقول بخصوص كلّ ما يتعلّق بالحقوق "توة توة"، الآن نعمل ونصل إليها أو لا نصل تلك مسألة أخرى. اليوم هناك مشروع مجلة الحريات الفردية والمساواة قدمته مجموعة من النواب للبرلمان.

  • نعم بهذا الخصوص هل اطلعتم عليه كرابطة؟

نحن ننتظر مبادرة رئيس الجمهورية إثر تكوين اللجنة إذ لم يصدر بعد أي مشروع قانون مرّ إلى مكتب مجلس نواب الشعب كي يُعرض على جلسة عامة للتصويت. لماذا لم يُعرض ولماذا لم تعرض كذلك عديد القوانين التي تهمّ الحقوق والحريات وتهمّ المنظومة الكاملة لحقوق الإنسان؟ لأننا نعيش في صراعات غير واضحة فاليوم الكتل النيابية تختلف عما كانت عليه منذ أسبوعين وبعد شهر لا نعرف كيف ستكون.

كما قلت هناك اضطرابات على المستوى التشريعي والمستوى السياسي لها تأثيرات على البلاد والوضعية قد تنقلب رأسًا على عقب بمعنى أن حزبًا أغلبيًا اليوم قد يصبح في المعارضة قبل الانتخابات. وهذه جوانب منتظرة في المرحلة التي نعيشها وهي مرحلة الانتقال الديمقراطي من أجل تركيز مؤسسات الدولة ومن أجل بناء مجتمع تعددي ديمقراطي تسود فيه العدالة ودولة المؤسسات والقانون كي يقع تطبيق القوانين. ونحن نشهد ضعفًا من الدولة في تطبيق القانون لذلك هناك أشخاص يردون بالفعل ويقولون إنه قبل الثورة كان هناك استقرار أكثر ولكن هؤلاء لا يشعرون بالتحول العميق الذي يشهده المجتمع في اتجاه إرساء المجتمع الديمقراطي المنشود.

بالعودة إلى السؤال السابق، هناك أناس تطالب بتطبيق الإعدام والتنكيل بالجثة واليوم نحن في عصر تداول فيه المعلومة خاصة عبر وسائل الاتصال الاجتماعي وهناك تقريبًا حوالي 8 ملايين تونسي يستعملونها، وأحيانًا قد يدغدغ موضوع ما الشعور خاصة عندما يكون هناك صور تتعلق بجرائم الإرهاب والاغتصاب والقتل خاصة أننا في مجتمعنا عشنا هذه الجرائم. وتقع المحاسبة والوقاية ونحن اليوم نحتاج إلى وقاية أكثر من الجرائم وأسبابها التي تركت الجرائم تظهر على مستوى الاغتصاب والعنف المستشري والجرائم الاقتصادية الموجودة اليوم من خلال المحتكرين الذين دفعوا باقتصادنا الرسمي إلى التهلهل.

على مستوى القضايا الإرهابية مازال الخطر موجودًا ولكن يجب أن نعمل على الوقاية ورابطة الدفاع عن حقوق الإنسان فهمت هذا وهي بصدد إنجاز برامج من أجل الوقاية من التطرف العنيف على مستوى عديد الفئات التي قد تكون مستهدفة بالتأثيرات الإيديولوجية والتأثيرات الفكرية.

 رئيس رابطة الدفاع عن حقوق الإنسان لـ"الترا تونس": مواطنان منعا من استخراج جوازات السفر على خلفية تدوينات

  • أي برامج؟

هناك عدة أمثلة. نحن الآن بصدد إنجاز مشروع يعمل على الوقاية من التطرف العنيف. قمنا أولًا بإرساء مرصد للوقاية من التطرف العنيف في تونس متكون من عديد الجمعيات والمنظمات على غرار الرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان والاتحاد العام التونسي للشغل والجمعية التونسية للنساء الديمقراطيات وجمعيات مقيمة في تونس تتخصص في العمل اللاعنفي، ونعمل على شرائح مختلفة. وقد أظهرت التجربة وبعض الإحصائيات، رغم أنها غير مكتملة وغير واضحة، أن عددًا من مساجين الحق العام يقع التأثير عليهم وعند مغادرتهم السجن انخرط عدد كبير منهم في التطرف والإرهاب. وهنا نحن نعمل مع المساجين في إطار الوقاية لا عن طريق الخطاب ولكن عبر إنتاجات فنية وثقافية داخل المؤسسات السجنية كي نتمكن من المساهمة في الوقاية وكي يدركوا أنهم قادرون على القيام بنشاطات أخرى بخلاف الاستماع إلى خطابات تؤثر عليهم.

كما نعمل أيضًا في أوساط الشباب والسنة الفارطة نشطنا حوالي 1600 شاب بصفة دورية تكاد تكون أسبوعية في اتجاه تطوير الفكر المواطني ونشر ثقافة حقوق الإنسان وكونيتها، وكذلك للتصدي للتطرف العنيف بالعمل الدائم والطرق البيداغوجية الحديثة البعيدة عن الخطاب المسقط عبر إنتاجات فنية سواء في السينما أو المسرح أو الرقص، بمعنى أن كلّ الإنتاجات الفنية قد تكون وسيلة للعمل في وسط المجموعات الشبابية ولكن هذه المجموعات يجب أن تخرج بدورها لبقية شرائح المجتمع وتعمل عليه.

لدينا الكثير من البرامج التي تسير في اتجاه محاولة التقليص من تأثيرات العنف المتطرف وهذا هو العمل الحقيقي باعتبار أن المقاربة الأمنية هامة جدًا ولكن وحدها لا يمكنها معالجة مثل هذه القضايا ولا تخلق الوقاية اللازمة.

  • بالنسبة للحريات السياسية والعامة اليوم، هل يمكن القول إنها تواجه تهديدات مقارنة بأولى السنوات بعد الثورة؟

في تونس وحتى 2014 وقع احترام العمل السياسي في إطار ضوابط يضبطها القانون. وشهدنا بعد 2011 بعد الثورة انفجارًا في عدد الأحزاب الذي تجاوز المائتين. لكن الأمر يختلف على مستوى العمل الفعلي والتأثير فنحن لم نر أحزابًا كثيرة تتقدم للانتخابات أو نتابع أنشطة لها، وهذا أمر طبيعي بعد مرحلة كانت تتسم بالديكتاتورية والضغط وانعدام حريات التنظيم والتعبير والانتقال إلى وضع تسود فيه حرية التعبير والتنظم سواء كان ذلك على مستوى الأحزاب أو الجمعيات. والتاريخ يعرف أن هذه الفترات تشهد تطورًا كبيرًا في العدد لكن تتمّ الغربلة الطبيعية وتظهر خاصة على مستوى سياسي إذ تظهر بعد الاستحقاقات الانتخابية الأحجام الحقيقية للأحزاب وبالتالي يمكن أن تبرز أحزاب وتنتفي أخرى.

  • ولكن اليوم هناك أشخاص قد يوقفون بسبب تدوينة على الفيسبوك أو مدنيون يحاكمون أمام القضاء العسكري؟

هذا الأمر يتعلّق  بالحريات العامة وخاصة حرية التعبير. واليوم نحن نشهد منعًا للسفر وقد استقبلنا مؤخرًا شابين منعوا من استخراج جوازات سفر على خلفية تدوينات.

  • منعهم تم على أساس إجراء الـ"اس 17"؟

نعم الـ"اس 17" وهناك أيضًا الـ"اس 19"، وهو يتعلق بمنع استخراج جواز السفر. لقد أصبحت هذه الظاهرة كبيرة ولدينا مئات الملفات. وزارة الداخلية تقول إن دورها يتمثل في العمل على أن يستتب الأمن في البلاد وهو دور وقائي وهذه الإجراءات وقائية لأنها تمتلك إشارات وإشعارات بخصوص أشخاص سواء تعلّقت بتدوينات أو اعترافات، وفق ما تقوله. ولكن أحيانًا هناك أشخاص مورست عليهم هذه الإجراءات دون أن يكون هناك أي مبرّر ونحن في اتصال مع وزارة الداخلية بخصوص جميع الملفات التي تصلنا ونطلب منهم التثبت مما إذا كان هذا الإجراء المتعلق بالمشتكي صحيحًا. كما أن يُمنع من السفر يمكنه اللجوء إلى المحكمة الإدارية التي في أحيان كثيرة كسرت إجراءات منع التنقل.

صحيح أن دور وزارة الداخلية وقائي، ومؤخرًا وقع تفجير إرهابي في مكان رمزي وهام في تاريخ تونس والثورة ونتيجته كان من الممكن أن تكون أسوأ والخطر هو أنا أشخاصًا يصلون للاقتناع بتفجير أنفسهم وقتل أناس آخرين وهم غير معروفون، ولهذا تقول الداخلية إنه إذا قلّصت من هذه الإجراءات يمكن أن تقع عمليات مثل هذه أو أكثر وهو كلام صحيح ولكن نريد أيضًا احترام حقوق الإنسان في التنقل والعيش وفي الحرمة الجسدية طبعًا.

وزارة الداخلية عندما نراسلها في هذا الخصوص تجيبنا في عديد ولنا لقاءات دورية معها ولكن هناك ملفات تقول إنها تتعلق بأمن الدولة ولا يمكن رفع إجراء منع السفر. وعديد الأشخاص يأتونا إلينا للرابطة لفهم أسباب منعهم من السفر ومحاولة الحصول على إجابات من وزارة الداخلية.

وزير الداخلية قال في وقت من الأوقات إنه تمت إعادة 5000 شاب من المطار، وهؤلاء كانوا سيسافرون قانونيًا الأمر الذي يدق نواقيس الخطر باعتبار أن هذا الرقم الذي قد يكون صحيحًا وقد يكون مبالغًا فيه، يضاف إليه أولئك الذين لم يصلوا إلى المطار والسفر القانوني وسافروا بطرق أخرى، وبالتالي لدينا مجموعة قد تكون قنابل موقوتة على المجتمع لهذا تبرز أهمية مشاركة أطراف أخرى إلى جانب الجمعيات في العمل للوقاية من التطرف والتعصب والوقاية من الأشخاص الذين يظنون أنهم يمتلكون وحدهم الحقيقة والآخرين لا يمتلكونها والناس الذين يرفضون الآخر بسبب اختلاف بسيط في تفسير مسألة دينية، على كلّ وزارة وإدارة عامة أن يكون لها دور في هذا.

نحن نريد في مجتمعنا قيم التسامح والقبول بالآخر ويجب أن تتركز هذه القيم سواء كان ذلك في علاقة بالدين أو العنصرية، ولهذا وجد القانون الذي يستطيع إيجاد حلول لتقلّص مثل هذه الظواهر وغيرها كالعنف ضد المرأة والميز العنصري. نستطيع التقدم تدريجيًا خاصة أن آليات تطبيق الرقابة تستطيع أن تقوم بها منظمات المجتمع المدني واليوم لدينا جمعيات مختصة في مجالات معينة في حين أننا كرابطة لسنا مختصين بل نحن رابطة للدفاع عن كلّ الحقوق مهما كانت مدنية ثقافية سياسية بيئية اجتماعية اقتصادية.

يتبع..

 

اقرأ/ي أيضًا:

جنان الإمام: منابر دينية وإعلامية توظّف للحشد ضدّ الحق في الإجهاض (حوار)

فوزية باشا: 673 مليون دولار ديون الشركات الأجنبية النفطية لصالح تونس (حوار)