جسد المرأة بين

جسد المرأة بين "البوركيني" و"البيكيني".. حرية اللباس في مواجهة المجتمع

جدل يتجدّد كل صيف بسبب منع بعض النزل من ارتداء "البوركيني" في المسبح الداخلي (فتحي بلعيد/أ.ف.ب)

 

أثار المنشور الحكومي بمنع ارتداء النقاب بالإدارات العمومية جدلًا واسعًا حول حرية اللباس في تونس، لتطفو على الساحة من جديد الحوارات حول هذا الموضوع سواء في المنصات الاجتماعية أو في النقاشات المباشرة بين التونسيين.

ولم تسلم حتى ملابس السباحة من هذا الجدل حيث تجد أينما تحل في الشواطئ التونسية خليطًا متنوّعًا من الملابس، وتختلف مساحات التعرّي من شخص لآخر حسب معتقداته وبيئته ومقدار الحريّة التي يضعها لنفسه أو حتى ما يفرض عليه غصبًا من المجتمع.

تختلف مساحات التعرّي من شخص لآخر حسب معتقداته وبيئته ومقدار الحريّة التي يضعها لنفسه أو حتى ما يفرض عليه غصبًا من المجتمع

أصبحت مواقع التواصل الاجتماعي جزءًا لا يتجزّأ في تحليل الظواهر الاجتماعيّة أو دراسة بعض السلوكيات التي تحتاج تناولًا معمّقًا. وقد تستوقفك في بعض الأحيان منشورات وتعاليق تجعلك تتساءل ما مدى انعكاس هذه الصورة في واقعنا.

ومنطلق حديثنا هو منشور لإحدى الفتيات تعرض فيه صورة لها وهي تلبس "البيكيني" في مجموعة من المجموعات النسائية، وكان من الممكن أن تكون مسألة عاديّة لولا السؤال المرفق للصورة والذي تتساءل فيه العضوة عن مدى جمال قوامها وجسدها. دقائق معدودة من النشر تتالت فيها آلاف التعليقات المختلفة ما بين مجاملة أو تنديد ووصلت في بعض الأحيان إلى السبّ والشتم.

شاهد/ي أيضًا: ماهي مواقف الكتل النيابية من منشور" منع النقاب" بالمؤسسات العمومية؟

وفي إحدى المجموعات الأخرى، فتاة تروي تفاصيل حادثة تعرّضت لها في إحدى النزل التونسيّة حينما وقع منعها من السباحة داخل المسبح الخاص بالنزل بسبب ارتدائها لـ"البوركيني" وهو عبارة عن لباس سباحة خاصّ بالمحجّبات. وهي حادثة لاقت نفس التفاعل وانهالت التعاليق بالمئات ما بين مساند لها أو مساند لقرار هذا النزل ووصلت بعض النقاشات إلى أدنى المستويات.

منع السباحة بالبوركيني ليس بجديد على الفنادق التونسيّة، حيث تتالت هذه الحوادث في عديد المناسبات سواء مع تونسيّات أو بعض السائحات العربيّات. وقد تواصل "ألترا تونس" مع بعض النزل لمعرفة أسباب هذا المنع وأكّدت أغلبها أنّ ذلك يشكل خطرًا على صحّة مستخدمي المسبح لأنّه يساهم في انخفاض نسبة الكلور داخل الماء.


لم تسلم حتى ملابس السباحة من الجدل (فتحي بلعيد/أ.ف.ب)

وفي نفس الإطار، تروي لنا ألفة (35 سنة) تفاصيل الموقف الذي تعرّضت له في إحدى فنادق مدينة سوسة الساحليّة، حيث أكّدت أنّها أحسّت بالإهانة أمام جمع الناس الذين كانوا متواجدين بالمسبح واعتبرت أنّ مثل هذه القرارات فيها سلب لحريّتها.

وتضيف ألفة أنّ الحادثة كان لها وقع كبير داخلها لأنّها وضعت في موقف محرج قائلة:" ما حزّ في نفسي أنّ هذا القرار يشعرك أنّك ستكون سببًا في تلويث مياه المسبح رغم أنّي قمت بنفس الخطوات التي يقوم بها مرتادوه. ومعلوم لدى الجميع أنّ طبيعة القماش الذي ألبسه هو نفسه الذي يصنع منه البيكيني فلماذا هذا التحامل على المحجّبات؟".

ألفة (35 سنة): معلوم لدى الجميع أنّ طبيعة القماش الذي ألبسه هو نفسه الذي يصنع منه البيكيني فلماذا هذا التحامل على المحجّبات؟

وقد تباينت الآراء تجاه هذا الموقف، إذ تعتبر رقيّة (29 سنة) في حديثها لـ"ألترا تونس" أنّ المسألة هي حريّة شخصيّة وعليه من حق الجميع السباحة داخل النزل بأي لباس كان، معتبرة هذا القرار نوعًا من التمييز العنصري الذي يصنّف الناس حسب ملابسهم وقناعتهم الفرديّة.

لكن يعارضها كريم علوي (45 سنة) الذي عبّر عن مساندته لهذا القرار لأنّ المسألة متعلّقة بالنظافة وسلامة بقيّة السباحين لذلك على الجميع احترام القوانين والالتزام بتوجيهات النزل، على حدّ تعبيره.

أمّا هالة الهمامي (25 سنة) فتقول إنّ كلّ نزل له حريّة تحديد نظامه الداخلي، لذلك على المتحجّبات التثبّت في المسألة قبل أن يقوموا بالحجز ليتجنّبوا هكذا مواقف خاصّة وأنّ بعض النزل لا تمنع السباحة بـ"البوركيني" وفق تأكيدها. وتضيف محدّثتنا أنّه على الراغبات في استعمال المسابح الخاصّة اختيار النزل الملائم لهنّ والتأكّد من قائمة الخدمات المقدّمة داخله.

هالة الهمامي (25 سنة): على المتحجبات الراغبات في استعمال المسابح الخاصّة اختيار النزل الملائم لهنّ والتأكّد من قائمة الخدمات المقدّمة داخله ومن حق كل نزل تحديد نظامه الداخلي

شاهد/ي أيضًا: فيديو: ما رأيك في لباس البوركيني في النزل؟

وتقول انتصار الشارني، صاحبة مشروع  لبيع البوركيني، إنّ هذه الحوادث ساهمت في إقبال الناس على شراء هذا النوع من ملابس السباحة. حيث أنّ عديد المحجّبات لم يكن في ثقافتهنّ اعتماد لباس خاص للسباحة وكنّ يكتفين بـ"الجبّة" أو "الجلباب" لكنّ "البوركيني" أضفى نوعًا من الأناقة بألوانه المشرقة فأصبح إلزاميًا عند العديد من الفتيات بمختلف الشرائح والأعمار على حدّ تعبيرها.

وتختلف العلاقة مع الجسد من امرأة لأخرى، والمسألة عادة ما تكون مرتبطة بالتنشئة والبيئة الاجتماعيّة، ولذلك أصبح مقياس التصالح مع الجسد، لدى الكثيرين، مرتبط بمساحات التعرّي.

إذ تعمد بعض النساء البحث من الملابس عمّا يخفي ما يعتبرنه عيوبًا في أجسادهنّ وأخريات تقمن بصرف مبالغ طائلة للحصول على جسد مثالي ممشوق كعارضات الأزياء وهو ما يسمح لهنّ بارتداء ما يحلو لهنّ خاصّة على الشواطئ، ولذلك من السهل عليهنّ ارتداء "البيكيني" للسباحة. وهو ما يثير حفيظة البعض، فيما يعتبر آخرون أنّ المسألة شخصيّة وأنّ كلّ شخص حرّ فيما يرتدي.

تختلف العلاقة مع الجسد من امرأة لأخرى (فتحي بلعيد/أ.ف.ب)

 

هاجر.س من الفتيات اللاتي لا يجدن حرجًا في لبس "البيكيني" متحدثة لـ"ألترا تونس" :"لقد أمضيت كامل السنة بين الحميات والرياضة فقط لأستطيع الحصول على شكل جميل لجسمي يجعلني ألبس البيكيني دون حرج". وتضيف أنّها كثيرًا ما تتعرّض للمضايقات من قبل المصطافين لكنّ الأمر لا يستفزّها لأنّها مقتنعة بما تلبسه، على حدّ تعبيرها. فيما تعتبر خلود التبيني أنّ كلّ إنسان حرّ في ما يلبسه ولا يزعجها أن ترى مظاهر التعرّي في الشواطئ ولكنّها لا تتخيّل نفسها في نفس الموقف، على حدّ تعبيرها.

جعلت الثقافة الاستهلاكيّة النساء تحت سيطرة الإعلانات والإشهارات وتدفعهنّ للبحث عن كلّ الطرق والوسائل لتبدين جميلات وأنيقات

أمّا خولة.ه فتقول إنّ المسألة أخلاقيّة وأنّ اللاتي يخترن التعرّي في الشواطئ "يفتقدن للحياء والحشمة وهما زينة المرأة"، على حدّ تعبيرها، وتؤكّد أنّ الأمر يزعجها كثيرًا خاصّة عندما تكون بصحبة زوجها فتضطرّ في كثير من المرّات لتغيير الموقع على الشاطئ غيرة على زوجها أو تحسّبًا لنظرات قد يسترقها في غفلة منها على حدّ تعبيرها.

قد تختلف الآراء والمواقف تجاه ملابس السباحة النسائية، لكنّ الذهاب للشواطئ أصبح اليوم يتجاوز مجرّد فسحة للاسترخاء والاستمتاع. فالثقافة الاستهلاكيّة جعلت من جزء واسع من النساء تحت سيطرة الإعلانات والإشهارات وتدفعهنّ للبحث عن كلّ الطرق والوسائل لتبدين جميلات وأنيقات، سواء بالبيكيني أو البوركيني.

 

اقرأ/ي أيضًا:

في تونس.. أطفال لا يعرفون البحر

لا صدر؟ لا بحر إذًا..