تونسيات:

تونسيات: "لم أتزوج".. ولا أريد "لا ظل رجل ولا ظل حيط"!

34541 مشاهدة
لا يزال المجتمع التونسي ينظر بعين الشفقة للفتاة غير المتزوجة (getty)

في مقهى المدينة بالعاصمة حيث الضجيج المعتاد والوجوه التي تبدو مختلفة، كانت جليستي راوية (اسم مستعار) خريجة المسرح التي تجاوزت العقد الثالث بسبع سنوات، تتحدث يومها عن درس جديد لتدريب بعض تلاميذ نوادي المسرح. يتعلّق الدرس بدور فتاة "عانس" في مجتمع لا يتوانى عن السخرية ونعت المرأة غير المتزوجة بذلك اللفظ الذي يأتي في سياق التحقير من شأنها.

حدّثتني أنّ الفكرة كانت مستوحاة في جانب كبير من حياتها الخاصة، فهي حسب المجتمع والعائلة تستحق هذا اللنعت القبيح لأنّها تجاوزت الثلاثين من العمر ولم تتزوّج. تقول راوية إنّ "أهم تجلّيات التخلّف في مجتمعنا هو رسوخ القناعة في الأذهان أنّ المرأة لا تكتمل سوى باقتران وجودها برجل في إطار الزواج. ورغم تطوّر المجتمع وانصياعه لتطوّرات الحداثة وتغيّر نمط الحياة، إلا أنّ فكرة الزواج لم تنتقل من خانة الوجوبيّة إلى خانة الاختيار الشخصي. وهذا ما يجعل الفتاة التي تأخر سن زواجها كأنّها وصمة عار لدى العائلة حتى وإن لم يكن الأمر باختيار منها".

راوية (اسم مستعار): أهم تجلّيات التخلّف في مجتمعنا هو رسوخ القناعة في الأذهان أنّ المرأة لا تكتمل سوى باقتران وجودها برجل في إطار الزواج

وتضيف محدّثتنا أنّ أغلب العائلات وإن كانت مقتنعة بنجاح المرأة خارج إطار الزواج أو المؤسسة الزوجية، وقدرتها على إثبات مكانتها في المجتمع، إلاّ أنّ نجاحها في أذهان الأغلب لا يكتمل إلاّ بزواجها وإكمال نصف دينها كما يقال.

لذلك تقول صديقتنا راوية "أرفض الحديث في الموضوع مع عائلتي وأهرب من مجرّد النقاش في الأمر مع والدتي، ويزعجني السؤال أكثر حين أجتمع في مناسبة مع العائلة الموسعة. فلا أحد يستوعب فكرة أنّ المرأة قادرة على عدم الارتباط برجل، ليبقى خيار الزواج خاصًا بها وحدها، فقط طموحها في الحياة هو العمل. ولا أحد يستوعب أنّ فكرة الأمومة لا تستهويني أو أنّ اختيار شخص يشاركني تفاصيل حياتي ويقيد بعضًا منها، ويرسم حدودًا لها أمر يزعجني. فمجرد فكرة أن أتقاسم يومي مع شخص آخر فكرة جد مزعجة".

تضيف رواية: "أكره المثل القائل "ظلّ راجل ولا ظلّ حيط" الذي يتداول في أغلب المجتمعات العربية ولكننّي "لم أتزوج" ولا أريد لا ظلّ راجل ولا ظل حيط".

اقرأ/ي أيضًا: لأجل من تقام حفلات الزواج؟

تتحدّث راوية دون أنّ تخفي انزعاجها من كلمة "عانس/بايرة" التي بقيت وكأنّها اتهام تدان به الفتاة دون ذنب، ودون أن تتحمّل المسؤولية في عدم زواجها. كلمة تحمل في طياتها كلّ الإجحاف والظلم للمرأة، والتمييز بينها وبين الرجل الذي لا يقال عنه ذلك، وإن بقي مدى الحياة دون زواج.

ولم تكن كريمة (37 سنة) هي الأخرى مضطرة للموافقة على أي طارق لباب الزواج لمجرّد التخلّص من كلمة "عانس"، فقط كانت لها شروطها لاختيار رفيق حياتها، ولكن عدم توافقها مع من عرفتهم لم يجعل أي علاقة تتوج بالزواج كما تقول. تشير كريمة أنّها لا تريد من الرجل أن يكون لها مجرّد زوج ترضي به العائلة والمجتمع، ولو كانت تريد ذلك لاختارت الزواج بأي كان، وحينها قد تستبدل فيما بعد لقب "العانس" بالمطلقة فتنتقل إلى خانة انتقادات جديدة لا تختلف كثيرًا على الأولى كما تقول.

كريمة (37 سنة): لو اخترت أي شخص ليكون زوجًا لي لانتقلت من لقب"العانس" إلى المطلقة وبالتالي إلى خانة انتقادات جديدة لا تختلف كثيرًا على الأولى

ورغم أنّ البعض يرجع نصف الأمر للنصيب، والنصف الآخر إلى أنّ المرأة لم تجد الرجل المناسب الذي يدفعها للزواج إلاّ أنّه لا مفرّ من نعتها بهذا اللفظ دون مراعاة لما قد يؤثر في نفسيتها وحتى حياتها اليومية. إذ تدخل المرأة في هذه الدائرة إذا ما تجاوزت سن الثلاثين في الغالب في كثير من المجتمعات العربية، وأحيانًا وهي لا تزال في العشرين من عمرها خاصة في بعض البيئات القروية وفق ما تحدده ثقافة المجتمع.

اقرأ/ي أيضًا: "سكّرتك بالشروليّة على كل بنية".. وللفتيان نصيب من التصفيح في تونس

وتشير عائشة (34 سنة) التي تروي هي الأخرى تجربتها إلى أنّ لقب "عانس" بالنسبة لها هو مجرّد لفظ لغوي يُطلق على من لم يتزوج ذكراً كان أو أنثى. وأما حول شعورها تجاه اللفظ فهو عدم الاكتراث، إذ أنه لا يشكل لها أيّ مشكلة، وتتفادى أي نقاش حوله. ولا تجد مشكلًا في ذلك في وسطها الذي تعيش فيه ولا مع العائلة والأصحاب، فالأمر ليس بيدها ولكن هو النصيب كما تقول. وتضيف لـ"الترا تونس" أنّ الأمر يزعجها فقط إذا كانت في زيارة إلى العائلة الموسعة، ففي تلك البيئة الريفية التي أغلب البنات فيها يتزوجن في العشرينات تعتبر "فاتها القطار"، وفق ما تقول ساخرة، وهو ما جعلها تتجنّب هذه الزيارات.

عائشة (34 سنة): أنا محظوظة جدًا لأنني أنتمي لأسرة تُقدّر اختياراتي فالأهم بالنسبة لهم أن أتزوج وفق قناعاتي وليس لمجرد زيجة أرضي بها المجتمع

ولكن تقول عائشة أيضًا "أنا محظوظة جدًا لأنني أنتمي لأسرة تُقدّر اختياراتي، فالأهم بالنسبة لهم أن أتزوج وفق قناعاتي، وليس لمجرد زيجة أرضي بها المجتمع لاسيما وأنّ الأمر يصعب أكثر على من تخطى الثلاثين لأنّ طموحاتها تزداد أكثر. لكن كلّما حضرت أحد حفلات الزفاف كنت أرى نظرات الشفقة في أعين قريباتي خاصة كبار السنّ. وأسمع تلك العبارات من قبيل "مسكينة لا ينقصها شيء ومع ذلك لم تتزوج" وكأنّ الأمر يشكل كارثة بالفعل". وتضيف ساخرة "أنا أمقت بعض الخرافات، في هذا الجانب، من قبيل يجب أن أقرص العروس لأتزوج بعدها أو أضع بعضًا من الحناء التي تجملت بها العروس لأنّ ذلك يرفع أسهم حظي في الزواج".

 

اقرأ/ي أيضًا:

"قفة العروس" في سوسة.. سلة الاحتفالية والجمال والتحصين من الشرور

منية.. أمّ لـ8 أطفال لم تلدهم