30-أبريل-2018

الفاعلون الدوليون يراقبون الانتخابات لتقييم التجربة التونسية (صورة تقريبية/فتحي بلعيد/أ.ف.ب)

يشهد الشارع السياسي التونسي أجواء أول حملة انتخابية تعددية لاختيار أعضاء المجالس البلدية، تُعقد عليها الآمال في التأسيس للحد الأدنى من الإدارة المحلية، والتخفيف من المركزية السياسية والاقتصادية والتنموية والخدمية التي وسمت نظام الحكم منذ منتصف خمسينات القرن العشرين. وبالتوازي مع تقدم الحملة الانتخابية، تتراكم المؤشرات والتفاصيل المساعدة على قراءة الحدث واستشراف المشهد السياسي القادم بفاعليه وتحالفاته وتحولاته. ولا تقتصر أهمية الانتخابات البلدية الحالية على سياقاتها السياسية والتشريعية - بوصفها الأولى في تاريخ البلاد - وعلى الآمال المعقودة عليها في التأسيس لقدر من الحكم المحلي فحسب، بل ترجع أهميتها أيضًا إلى العدد الكبير من المرشحين والقوائم المتنافسة، وإلى خصوصية المشهد المحلي الذي تدور فيه.

تُعقد على الانتخابات البلدية الآمال في التأسيس للحد الأدنى من الإدارة المحلية، والتخفيف من المركزية السياسية والاقتصادية والتنموية والخدمية

المرجعية التشريعية والسياق السياسي

تأتي الانتخابات البلدية، التي بدأ الاقتراع فيها يوم 29 نيسان/ أبريل بالنسبة إلى الأمنيين والعسكريين، ويوم 6 أيار/ مايو 2018 بالنسبة إلى عموم الناخبين المدنيين، في سياق أحكام الدستور المصدَّق في 26 كانون الثاني/ يناير 2014، الذي نص الفصل 14 منه على أن الدولة "تلتزم بدعم اللامركزية واعتمادها بكامل التراب الوطني في إطار وحدة الدولة"، وحدد فصله 131 التقسيم الإداري اللامركزي من خلال "جماعات محلية، تتكون من بلديات وجهات وأقاليم، يغطي كل صنف منها كامل تراب الجمهورية". ويعرِّف مشروع قانون الجماعات المحلية، الذي جرى تصديق فصوله في مجلس النواب، الجماعات المحلية بأنها "ذوات عمومية تتمتع بالشخصية المعنوية والاستقلالية الإدارية والمالية، تتكون من بلديات وجهات وأقاليم يغطي كل صنف منها كامل تراب الجمهورية". كما ينص مشروع القانون على أن البلدية "تتمتع بالاختصاص المبدئي العام لممارسة الصلاحيات المتعلقة بالشؤون المحلية".

اقرأ/ي أيضًا: سيدي بوزيد.. الانتخابات البلدية لم تمرّ من هنا؟

مثَّلت مطالب اللامركزية، والتمييز الإيجابي، ورفع التهميش المزمن عن الدواخل، وتحقيق حد من التوازن التنموي بين الجهات، أحد أهم مطالب المنتفضين إبان الثورة، وخلال موجات الاحتجاج التي عرفتها البلاد على امتداد السنوات السبع الأخيرة. ورغم أن "التمييز الإيجابي"، الذي نص عليه دستور 2014، ظل حاضرًا في البرامج الانتخابية بالنسبة إلى مختلف المتنافسين، في انتخابات 2011 وانتخابات 2014، فإن مركزية الجهاز البيروقراطي للدولة، إضافة إلى أسباب سياسية وتشريعية وهيكلية أخرى، مثّلت مانعًا من تحويل تلك الشعارات والبرامج إلى إجراءات على الأرض من شأنها تخفيف وطأة الأزمة التنموية والاجتماعية ومشاعر الغبن والحيف والتهميش.

لم تتحول الانتخابات البلدية إلى مطلب سياسي مُلحٍّ إلا بعد الانتخابات الرئاسية والبرلمانية لسنة 2014. ورغم أن الرئيس السابق محمد منصف المرزوقي، وحزبه، بكّرَا، في المطالبة بإجراء انتخابات بلدية، بعد أشهر قليلة من الثورة، فإن مطلبهما لم يلقَ تجاوبًا، وقتها، ولم يتحول إلى همٍّ مشترك للنخبة السياسية التي كانت أولويتها، حينها، انتخاب مجلس تأسيسي وصياغة دستور جديد. وازداد تراجع المطلب، مع تعمق حدة الاستقطاب بين حكومة "الترويكا" من جهة، وخصومها من جهة ثانية، ومع ما شهدته البلاد من اهتزازات أمنية واختناقات سياسية أدت إلى إعادة ترتيب المشهد السياسي وفق نتائج انتخابات 2014 التي منحت الصدارة للحزبين الرئيسين في معادلة الاستقطاب، النهضة ونداء تونس، اللذين انتقلَا، فيما بعد، إلى خيار التوافق والمشاركة في الائتلافات الحكومية، إلى اليوم.

منذ بدء رواج مطلب الانتخابات البلدية اختلفت درجات الانخراط فيه من مكون سياسي إلى آخر، ورغم أن الطيف الغالب من الأحزاب أبدى قدرًا من التوافق العلني حوله، فإن بعض الأحزاب سارعت إلى إبداء جملة من التحفظات بشأنه. وتتصدر أحزاب، مثل النهضة من الائتلاف الحاكم، وحراك تونس الإرادة، والتيار الديمقراطي، من المعارضة، قائمة الأحزاب التي أبدت حماسًا لإجراء الانتخابات، فيما أبدى حزب نداء تونس؛ صاحب النصيب الأكبر من الائتلاف الحكومي، موافقته على إجرائها من دون حماس ظاهر، في بداية الأمر. أما أغلب الأحزاب المنشقة عن نداء تونس، مثل حركة مشروع تونس، فقد أبدت جملة من التحفظات؛ من قبيل ضعف جاهزية المشهد السياسي، وتأخر تصديق مشروع قانون الجماعات المحلية، فضلًا عن التشكيك في حياد الهيئة العليا المستقلة للانتخابات، وغيرها.

منذ بدء رواج مطلب الانتخابات البلدية اختلفت درجات الانخراط فيه من مكون سياسي إلى آخر، ورغم أن الطيف الغالب من الأحزاب أبدى قدرًا من التوافق العلني حوله فإن بعض الأحزاب سارعت إلى إبداء جملة من التحفظات

ورغم أن المتحفظين عن إجراء الانتخابات أرجعوا تحفظهم إلى عوامل موضوعية، فإن البحث عن خيط رابط بين هويتهم السياسية والحزبية، ومواقفهم النمطية خلال السنوات الأخيرة، وطبيعة اصطفافاتهم في محطات سياسية سابقة، وخريطة انتشار قوائمهم الانتخابية، من جهة، وبين تحفظهم عن إجراء الانتخابات البلدية، من جهة أخرى، من شأنه الإحالة على أسباب غير معلنة؛ أولها عدم جاهزيتهم لخوض الاستحقاق الانتخابي البلدي، وهو ما تأكد من خلال عجزهم عن تقديم قوائم في أغلب البلديات، وثانيها الخشية من أن يقابل ضعف انتشارهم اكتساح الأحزاب الكبرى - وخاصة حركة النهضة - أغلب المجالس البلدية القادمة بعد أن تمكنت من اختيار قوائمها المرشحة منذ آب/ أغسطس 2017.

انتخابات محلية ورهانات كبرى

يترشح للانتخابات البلدية الحالية 53668 شخصًا، نصفهم من النساء، ضمن 2074 قائمة؛ تتوزع إلى 1055 قائمة حزبية، و159 قائمة ائتلافية، و860 قائمة مستقلة وينص القانون الانتخابي على التناصف بين الرجال والنساء في كل قائمة، وعلى التناصف الأفقي في القوائم الحزبية؛ أي التناصف في رئاسة القوائم داخل الولاية الواحدة، وهو الشرط الذي حال دون ترشيح عدد من الأحزاب الصغرى قوائم باسمها؛ فقد لجأت، بدلًا من ذلك، إلى تشكيل قوائم مستقلة أو ائتلافية.

اقرأ/ي أيضًا: تصويت الأمنيين والعسكريين.. سابقة عربية تونسية بعد جدل حادّ

ورغم أن السباق الانتخابي يدور على المستوى المحلي، في كل بلدية، فإن الرهانات التي تعقدها القوائم المتنافسة على نتائجه أكبر من ذلك كثيرًا، وبعضها يتجاوز حدود تونس. فالانتخابات البلدية الحالية، التي ولدت بعد تمنع ومخاض طويل، تجري بعد سنة واحدة من الانتخابات البرلمانية والرئاسية المقررة لسنة 2019، وهي الانتخابات التي تذهب أغلب المؤشرات إلى أنها ستجري تحت تأثير تداعيات نتائج الانتخابية البلدية، ولا شك في أن أي تغيير في المعادلة السياسية التي أفرزتها انتخابات 2014، ستتبعها - بمقادير مختلفة - مراجعات للتوافقات والتحالفات المعقودة وإعادة انتشار في مشهدَي المعارضة والحكم. ولا تخفى حالة الاستنفار العالية التي دخلتها مختلف الأحزاب، والتي بمقتضاها نزلت قيادات الصف الأول إلى الخِيَم الانتخابية والساحات والشوارع؛ للإشراف على الفعاليات والمهرجانات، ومعاضدة ناشطي المحليات في الترويج للقوائم الانتخابية ورفع حظوظها.

يدرك أغلب المتنافسين أن للانتخابات البلدية الحالية، وما ستفرزه من نتائج، أبعادًا لا تقف عند حدود تونس، بل تتعداها إلى المحيط الإقليمي والدولي الذي يتابع، باهتمام، مآلات المحطة الجديدة في التجربة التي انطلقت سنة 2011 ومرت باختناقات متتالية؛ وذلك في سياق محاصرة الثورات العربية، وتحويل وجهتها إلى الفوضى والدم، غير أنها حافظت على قدر من الفرادة والخصوصية. ورغم التعبئة الإعلامية والضخ المالي الإقليمي الموجه إلى الأطراف المحسوبة على الدولة العميقة، منذ سنة 2012 - وقد صار ذلك أمرًا معلنًا في انتخابات 2014 - فإن عملية "الانتقال الديمقراطي" تواصلت في أشكالها الدنيا، ومن بينها المحطات الانتخابية، كما ظل المشهد السياسي العام مستوعبًا للتعدد والاختلاف، ما وفَّر فرصة بقاء تيار الإسلام السياسي تحت سقف الأطر السياسية والمؤسساتية، وحال دون انخراطه في خيارات العنف والمغالبة.

المشهد الحزبي عشية الانتخابات

تُعد هوية القوائم المرشحة للانتخابات البلدية مؤشرًا، مبدئيًا، إلى مدى حضور المتنافسين وحظوظهم. ففي حين تمكنت قوائم النهضة من تغطية جميع الدوائر، وعددها 350 دائرة، تلاها حزب نداء تونس بـ 345 قائمة، لم تتمكن أي من الأحزاب الأخرى من تغطية ربع الدوائر. فقد حل حزب التيار الديمقراطي (وسطي ديمقراطي) في المرتبة الثالثة بعد النهضة ونداء تونس، بـ 69 قائمة، ثم حركة مشروع تونس، المنشقة عن نداء تونس، بـ 67 قائمة، وحراك تونس الإرادة، حزب الرئيس السابق منصف المرزوقي، بـ 46 قائمة. واستنادًا إلى هذه المعطيات، يصبح تقدّم حزبَي النهضة والنداء عن بقية الأحزاب أمرًا واقعًا، قبل الاقتراع، حتى في حال تحقيق كل منهما نتائج متوسطة أو دون المتوسطة، إلا في حال إحداث القوائم المستقلة اختراقًا مفاجئًا ونوعيًا، وهو احتمال ضعيف؛ لافتقارها إلى أي وحدة أو مرجعية أو تجانس تنظيمي، وإلى أي خزان انتخابي مضمون، وقياسًا على التجارب الانتخابية السابقة التي خرج منها المستقلون بنتائج ضعيفة وأماكن متأخرة جدًا، مع الأخذ في الاعتبار أنّ فرص المستقلين على المستوى المحلي أكبر من فرصهم على المستوى الوطني العام.

بالنظر لتغطية قائمات حزبي النهضة والنداء لكلّ الدوائر يصبح تقدّمهما عن بقية الأحزاب أمرًا واقعًا قبل الاقتراع حتى في حال تحقيق كل منهما نتائج متوسطة أو دون المتوسطة

وفي حين كانت الحملات الانتخابية لعدد من القوائم المستقلة، وحتى الحزبية، في حدودها الدنيا، باستثناء بعضها، شهدت معظم المدن والقرى حضورًا لافتًا للحزبين الشريكين في الائتلاف الحاكم (النهضة ونداء تونس)، من خلال الخيم الانتخابية في الساحات العامة، ومن خلال الفِرق التي تتولى توزيع المطبوعات الدعائية والبيانات الانتخابية. وإلى جانب ذلك، عقدت حركة النهضة مهرجانات جماهيرية؛ خصوصًا بالمناطق الداخلية بالجنوب والوسط والشمال الغربي، فيما يبدو أنها أرجأت اجتماعاتها في العاصمة وصفاقس والمدن الساحلية الكبرى إلى الأسبوع الأخير. أما حزب نداء تونس، فلم يعقد - حتى الآن - نشاطات من هذا النوع.

لم تسقط النتائج التي حققتها مختلف الأطراف السياسية في انتخابات 2011 و2014 من الاعتبار في هذا الاستحقاق أيضًا. ففي الجنوب الشرقي (ولايات قابس، ومدنين، وتطاوين)، الذي مثّل خزانًا انتخابيًا كبيرًا لحركة النهضة والرئيس السابق منصف المرزوقي، قدم حراك تونس الإرادة ما يقارب نصف قوائمه المرشحة، وبرمج رئيسه زيارات إلى معظم المدن، فيما دفعت حركة النهضة بقيادات الصف الأول للإشراف على المهرجانات. ومقابل ذلك، لم ترشح الجبهة الشعبية (تحالف أحزاب يسارية وقومية)، التي لم تغنم مكاسب تذكر في هذه الولايات في انتخابات 2014، سوى عدد محدود جدًا من القوائم، وصرفت أغلب جهدها في ولايات الوسط والشمال الغربيين، وفي بعض أحياء العاصمة.

اقرأ/ي أيضًا: ذوو الاحتياجات الخاصة في الانتخابات البلدية.. حطب بلا دخان

أما في العاصمة وولايات الساحل والشمال الغربي، التي شهد أغلبها تقدمًا لحزب نداء تونس والرئيس الباجي قائد السبسي، في انتخابات 2014، فيبدو أن جهود المتنافسين تنصب، أساسًا، على تثبيت تلك المكاسب. ورغم صعوبة الاستشراف، فإن تجاوز المشهد الحالي بعض التفاصيل التي مهدت لنتائج 2014، وفي مقدمتها الترويج للصراع بين الحداثيين والمحافظين، من شأنه إنتاج مخرجات مختلفة. ويبدو أن التوجه العام الذي انتهجته حركة النهضة في ترشيح وجوه نسائية تقطع مع الصورة النمطية للمرأة لدى الإسلاميين، فضلًا عن تقديم مرشحين من خارج منظومتهم الفكرية والسياسية - حتى من غير المسلمين - يأتي في إطار قطع الطريق عن أي عودة إلى الاستقطاب في هذا السياق، إضافةً إلى تقديم تطمينات وضمانات إلى الخارج الذي لا يُخفي هواجسه المزمنة إزاء مشاركة الإسلاميين في ترتيب المشهد السياسي في تونس

خاتمة

رغم أن نتائج الاستحقاق البرلماني والرئاسي لسنة 2014 تظل مرجعية صالحة للقياس، نسبيًا، وخاصة حتمية تقدم حزبَي النهضة ونداء تونس، بناءً على خريطة انتشار قوائمهما، فإن توقّع استنساخ هذه النتائج من دون مراعاة متغيرات كثيرة هو أمرٌ محفوف بالمخاطر. فحزب نداء تونس، مثلًا، يخوض الانتخابات الحالية وقد تشظت الجبهة التي استطاع تجميعها في سنة 2014 وتحولت إلى كيانات متنافرة، كما هجره عدد كبير من قياديِي الصفوف الأولى، وأغلقت الكثير من مكاتبه في الأحياء والقرى والمدن الداخلية، واختفت دعوات "التصويت المفيد" التي جلبت له أصوات أطياف من اليسار والنقابيين والنساء. وإضافة إلى ذلك، تخشى النخبة السياسية من حدوث عزوف كبير عن التصويت، في ظل اليأس من جراء تواصل الأزمة الاقتصادية وتصاعد الضغوط المعيشية رغم الوعود المتكررة بتجاوزها في كل مناسبة انتخابية.

وبغضِّ النظر عن نتائجها، تكتسب الانتخابات البلدية في تونس أهمية بالغة تتجاوز بُعدَها المحلي، ويُعوّل عليها في تثبيت ملامح المشهد السياسي الحالي أو إعادة ترتيبه، بعد سنة واحدة من الاستحقاق البرلماني والرئاسي. كما يراقبها الفاعلون الإقليميون والدوليون، باهتمام، في إطار تقييمهم للتجربة التونسية واتجاهاتها المستقبلية.

 

اقرأ/ي أيضًا:

"بدون تونس".. محرومون من المشاركة في الانتخابات

هل تتلاعب مؤسسات سبر الآراء بالرأي العام التونسي؟