تأجيل الانتخابات البلدية في تونس.. ارتداد آخر عن مسار التحول الديمقراطي

تأجيل الانتخابات البلدية في تونس.. ارتداد آخر عن مسار التحول الديمقراطي

1384 مشاهدة
تأجلت الانتخابات البلدية في تونس رغم ضروريتها (الشاذلي بن إبراهيم/Getty)

لم يكن مفاجئًا أن تعلن الهيئة العليا المستقلّة للانتخابات في تونس، أمس الإثنين، تأجيل الانتخابات البلدية بصفة رسمية، بعد أن كان من المفترض عقدها يوم 17 كانون الأول/ديسمبر العام الجاري، وذلك بعد تكثّف المؤشرات نحو هذا الاتجاه، خاصّة خلال الأسبوعين الأخيرين، ومنها فشل البرلمان في التوافق على الأعضاء الجدد في هيئة الانتخابات، فيما عكس ضمنياً رغبة أحزابٍ حاكمة ومعارضة على حدٍ سواء، في تبرير التأجيل.

ويأتي هذا المستجدّ ليعزّز المخاوف من إرباك مسار الانتقال الديمقراطي في البلاد، خاصةً أنه يأتي بعد المصادقة على قانون المصالحة، وهو ما يعني مسّ الصورة الوردية لتونس التي تعمل على ترويجها في الوطن العربي والعالم.

تأجيل الانتخابات البلدية في تونس ومن قبله المصادقة على قانون المصالحة، يعزز المخاوف من إرباك مسار الانتقال الديمقراطي في البلاد

ماهي أسباب التأجيل؟

عدم إصدار الرئيس التونسي الباجي قايد السبسي، أمر دعوة الناخبين في موعده الأقصى، أي 17 أيلول/سبتمبر الجاري، أي قبل ثلاثة أشهر من موعد الانتخابات؛ مثّل السبب المباشر لتأجيل الانتخابات من الناحية القانونية.

اقرأ/ي أيضًا: الانتخابات البلدية في تونس.. اختبار صعب لديمقراطية ناشئة

إلا أن قرار التأجيل أصبح قناعة راسخة لدى الطبقة السياسية، منذ اشتراط السبسي، في حوار صحفي قبل أسبوع، سدّ الشّغور في هيئة الانتخابات قبل إصداره أمر دعوة الناخبين، وذلك رغم أن الهيئة نفسها أكدت جاهزيتها على جميع المستويات لتنظيم الانتخابات في موعدها المحدّد. ليكون بذلك الشرط الذي وضعه السّبسي هو المظلّة التي اتخذتها الأحزاب المتحفّظة على موعد الانتخابات، لتمرير مطلبها. وكانت قد دعت ثمانية أحزاب منها ثلاثة مشاركة في الائتلاف الحكومي، بداية الشهر، إلى تأجيل الانتخابات بحجّة أن "شروط إنجاحها غير متوفرة حاليًا"!

بيد أن قرار التأجيل الذي تقول المعارضة إنه "طُبخ في قصر قرطاج"، يظلّ مفاجئًا بالنظر لمعطى سابق، وهو دعوة البرلمان لدورة استثنائية لسدّ الشغّور في هيئة الانتخابات، وهو ما يعني عمليًا الالتزام بتنظيم الانتخابات في موعدها، رغم أن سدّ الشغور لا يمثل شرطًا لمواصلة الهيئة أعمالها، وهي التي أعلنت التعبئة العامّة خاصة في فصل الصيف، من أجل تنظيم الاستحقاق الانتخابي.

وفي الجلسة البرلمانية الاستثنائية، فشلت الأحزاب الرئيسية، وتحديدًا حركة النهضة وحزب نداء تونس، في التوافق على الأعضاء الجدد، بل لم تحقّق الجلسة نصابها القانوني، إذ يفرض قانون الهيئة أغلبية الثلثين، وهو ما يستدعي حضور نواب الائتلاف الحاكم على الأقلّ. ثم وعلى خلاف ذلك، قام البرلمان في دورته الاستثنائية بالمصادقة على قانون المصالحة، وهو القانون الأكثر إثارة للجدل في البلاد، والذي تأمل المعارضة حاليًا لاسقاطه لعدم دستوريته.

ولم يكن الفشل في التوافق على الأعضاء، إلا كاشفًا في حقيقته عن وجود نوايا لتأجيل الانتخابات من حزب نداء تونس تحديدًا، فرغم إعلان الحزب رسميًا دعمه للموعد الأصلي للانتخابات، خالفت ممارساته على الأرض هذا التوجّه، على النحو التالي:

أولًا: من خلال تعطيله إصدار قانون الجماعات المحليّة. 

ثانيًا: من خلال تغيّب غالبية أعضائه بصفة متعمّدة عن سدّ الشغور. 

ثالثًا: من خلال رفض رئيس الجمهورية، الذي ينتمي إليه الحزب، إصدار أمر دعوة الناخبين ليفرض استحالة قانونية تحول دون تنظيم الانتخابات.

وعلى خلاف ذلك، دفع حزب النهضة نحو تنظيم الانتخابات، وكان قد تحدث رئيس كتلتها، في وقت سابق، عن "وجود أجندة خارجية تسعي لتأجيل الانتخابات البلدية لإرباك الأوضاع بالبلاد".

سعي حزب نداء تونس الحاكم لتأجيل انتخابات البلدية، يكشف عن عدم استعداده خوض الانتخابات، ما يعني تقديم مصلحة الحزب على مصلحة الوطن

ويبقى السؤال: لماذا دفع حزب نداء تونس نحو تأجيل الانتخابات؟ تقول المعارضة إن الحزب الذي يعيش صراعات بين أجنحته غير مستعدّ بعد لانتخابات تفترض ترشيح أكثر من 7 آلاف مرشّح على قوائم البلديات في مختلف المحافظات. وفي هذا السياق، كتب طارق الكحلاوي، وهو قيادي في "حراك تونس الإرادة"، عبر حسابه على فيسبوك، إنه تحصلّ على معطى يفيد بأن جاهزية نداء تونس لم تتجاوز 70 قائمة بلدية فقط من أصل 300 قائمة على الأقل، معتبرًا ذلك "السبب الرئيسي في قرار السبسي الفردي في تأجيل الانتخابات".

في المقابل، قامت هياكل حركة النهضة خلال الأسابيع الماضية بانتخاب مرشحيها في مختلف البلديات وذلك مناصفة بين أعضائها ومستقلّين. وهو ما جعل غازي الشواشي، أمين عام حزب التيار الديمقراطي المعارض، يصرّح بأن "نداء تونس مرتعب من فوز النهضة في البلديات".

إرباك مسار الانتقال الديمقراطي

بعدم تنظيم الانتخابات نهاية السنة الجارية كما كان مزمعًا، تدخل تونس السنة الثامنة بدون انتخابات بلدية، والتي من المنتظر أن تكون الأولى من حيث نزاهتها، مقارنة بتلك الصّورية التي انتظمت زمن الأنظمة السابقة، والتي كانت آخرها سنة 2010، قبل أشهر من اندلاع الثّورة.

اقرأ/ي أيضًا: نداء تونس.. تفكك مستمر وهواجس انهيار

ويزيد هذا التأجيل من المخاوف حول التزام الطبقة السياسية الحاكمة بمواصلة مراحل الانتقال الديمقراطي، وبإنفاذ الدّستور الصادر بداية 2014، والذي لم تدخل عديد أبوابه مجال التطبيق على غرار إنشاء المحكمة الدستورية والهيئات المستقلة، إضافة لباب الجماعات المحليّة.

وحينما تُرجع أسباب تأجيل الانتخابات البلدية لعدم استعداد أحزابٍ حاكمة وأخرى معارضة، في مقابل التزام هيئة الانتخابات بتنظيم الانتخابات في موعدها؛ فيتأكد بذلك سيطرة منطق المصلحة الحزبية على المصلحة العامّة في تسيير شؤون البلاد، خاصة وأن تأجيل الانتخابات البلدية سيكلّف خمسة ملايين دينار (2 مليون دولار) في الوقت الذي تعرف فيه البلاد عجزًا ماليًا حادًا.

من جانب آخر، سيؤثر تأجيل الانتخابات للسنة القادمة -وسط حديث حول تنظيمها في آذار/مارس 2018- على مبدأ دورية الانتخابات كأساس للأنظمة الديمقراطية من حيث تجديد الشرعية الشعبية لأجهزة الحكم في الدّولة، إذ إنه من المنتظر أن تنتظم الانتخابات الرئاسية والبرلمانية في خريف 2019، ليكون موعد الانتخابات التي تليها بعد أربع سنوات، وذلك سنة 2023، وهي الانتخابات البلدية الثانية على فرض تنظيم الأولى السنة القادمة.

ويمثّل فارق أربع سنوات بين استحقاقين انتخابيين من صنفين مختلفين، عنصرًا مخلًّا بمبدأ تجديد الشرعية على غرار ما هو معتمد في أعتى الديمقراطيات، وهو ما يَحرم الناخب من تقييم خياراته ومعاقبة الأحزاب الحاكمة خصوصًا. كما يمثل تأجيل الانتخابات، في نفس السياق، عنصرًا مشككّا في سير تونس نحو إرساء ديمقراطيتها أمام العالم، خاصّة وأن الأسباب المُعلنة لتأجيل الانتخابات غير مقنعة.

يأتي تأجيل انتخابات البلدية في الوقت الذي تعاني فيه تونس أزمة اقتصادية حادة، في حين أن هذا التأجيل سيكلفها 5 ملايين دينار!

ويظلّ الرّهان حاليًا في التزام الطبقة السياسية بالموعد القادم للانتخابات الذي يُرجح أن يكون في ربيع 2018، وكذلك في إصدار قانون للجماعات المحليّة يعكس مبدأ اللامركزية، ويُعطي هذه الجماعات المنتخبة مباشرة، صلاحيات تكفل لها القيام بمهامها وفق مبدأ التدبير الحرّ. ولذلك من المنتظر أن تكون المعركة حامية حول هذا القانون المفصليّ من زاوية تأكيد طيّ صفحة استفراد السلطة المركزية بتسيير الشأن المحليّ في البلاد، وكذلك من زاوية تكريس حقيقي لمعاني التنمية والتوازن بين الجهات، وهي إحدى عناوين الثورة التونسية التي انطلقت من المناطق الداخلية المهمّشة.

 

اقرأ/ي أيضًا:

الإجابة ليست تونس!

تعديل وزاري في تونس.. حكومة "الحرب على الفساد" بجنود ابن علي!