أمين الزين.. قصة تونسي عانق الموت من أجل حلمه

أمين الزين.. قصة تونسي عانق الموت من أجل حلمه

القبة الإيكولوجية هي البناية الأولى من نوعها في الشمال الغربي

 

أمين الزين، شاب تونسي أصيل ولاية سليانة، يعشق أرضها وجبلها، يهوى التخييم في الطبيعة، يعانق سماءها ويستلهم الصمود من جبال السرج وبرقو، أمين متحصّل على شهادة عليا لم يخنع للبطالة وبادر ببعث مشروع القبة الإيكولوجية للتشجيع على السياحة في منطقة الصدقة التي لم نكن لنسمع عنها لولا استماتته في الدفاع عن حلمه.

اقرأ/ي أيضًا: "أنا أسكر.. إذًا أنا موجود": من الدوام إلى الحانة

الحلم سلاح للمقاومة

أمين الزين الذي ألف دروب الجبال وألفته، لم يتوان عن تحويل الفكرة التي ما انفكت تنمو في رأسه وهو يشحن روحه بخضرة المكان إلى حقيقة، وبعد تلقيه لتكوين في السياحة الإيكولوجية والمشاريع الصديقة للبيئة سعى إلى تجسيد فكرة القبة الإيكولوجية في منطقة الصدقة التابعة لولاية سليانة.

والقبة الإيكولوجية هي البناية الأولى من نوعها في الشمال الغربي، وما كانت الفكرة لتتحوّل إلى حقيقة لولا دعم جمعية "مغامرون"، إذ يشير أمين الزين في حديثه مع "ألترا تونس" إلى أنّها تقاسمه نفس الفكرة التي تم تجسيدها في إطار مشروع "السياحة البيئية عامل في التنمية الريفية"، وهو مشروع مموّل من الصندوق الفرنسي للبيئة العالمية ومؤسّسة "مافا".

أمين الزين باعث القبة الإيكولوجية بولاية سليانة

تجري رياح التعقيدات الإدارية بما لا تشتهي سفن الأحلام، وبات باعث المشروع الإيكولوجي أمين الزين محلّ مضايقات من السلطات المحلية والجهوية

والبناية وحدة إقامة شيّدها شباب متطوّعون بالتربة البيضاء والتبن والرمل وأكياس معبأة بالتراب، في إطار الحفاظ على الطبيعة ومكوناتها الإيكولوجية المتنوعة، وهي مجاورة لجبل السرج ومغارة "عين الذهب"،  وهو ما من شأنه أن يجذب إليها السيّاح.

والقبّة التي تمتاز بشكلها الدائري، مؤثثة بمنتوجات صوفية يدوية على غرار "المرقوم" و"الكليم" وتضمّ جناحًا لأوان طينية صنعتها حرفيات الجهة، وفي ذلك رسالة بأن هذه القبة من سليانة وإليها تعود.

التعقيدات الإدارية

ونظرا لتفرّده، أقبل الزوار على القبة الإيكولوجية، واتسعت دائرة الأمل في نظر أمين الزين الذي يحلم بأن يحوّل منطقة الصدقة التي نشأ بها إلى فضاء سياحي وإيكولوجي يؤمه الزوار من كل أصقاع العالم.

ولكن تجري رياح التعقيدات الإدارية بما لا تشتهي سفن الأحلام، وبات باعث المشروع الإيكولوجي محلّ مضايقات من السلطات المحلية والجهوية التي طلبت منه الالتزام بكراسات الشروط المنظمة للقطاع السياحي وبلغ الأمر بها حدّ الحيلولة دون وصول السياح إلى مكان القبّة الإيكولوجية بتعلّة غياب مسلك معبد، وفق قوله.

البيروقراطية والمماطلة ولامبالاة السلط الجهوية كانت عنوان رحلة المحاولات التي أقدم عليها أمين الزين لينقض حلمه ومشروعه

ورغم تواتر التضييقات، خاصة وأن قطاع السياحة الإيكولوجية في تونس حديث ولا يوجد قانون ينظمه، فإن أمين الزين ظلّ متشبثًا بالحلم سلاحًا في مقاومة التعقيدات الإدارية والقانونية، ولم يستلسم، ولكن السلطات الجهوية في سليانة أمعنت في فرض شروط تعجيزية لكي يفرّط في حلمه.

ومن بين الشروط، استصدار ترخيص من المصالح الراجعة بالنظر لوزارة السياحة أو وزارة شؤون الشباب والرياضة يسبقها وجود طريق معبّدة تصل مناطق ولاية سليانة و"القبة الإيكولوجية" ، وهو ما اعتبره أمين الزين في لحظة ما تمهيدًا لغلق المشروع فاعتراه اليأس وأقدم على الانتحار في مقر ولاية سليانة بعد أن صار موت حلمه يقينًا.

اقرأ/ي أيضًا: النسيج اليدوي.. يوفى مال اليد وتبقى صنعة الجد

بناية القبة الإيكولوجية وحدة إقامة شيّدها شباب متطوّعون بالتربة البيضاء والتبن والرمل وأكياس معبأة بالتراب

هل كان لا بد للزين من محاولة الانتحار؟

البيروقراطية والمماطلة ولامبالاة السلط الجهوية كانت عنوان رحلة المحاولات التي أقدم عليها أمين الزين لينقض حلمه ومشروعه، غير أن إرادته خارت أمام برود المسؤولين، وهو دفعه إلى تناول مادة سامة، وهي تجربة تهرّب محدّثنا من الخوض في تفاصيلها.

وقضية أمين الزين لاقت مساندة كبيرة من المجتمع المدني وهواة التخييم وأحباء الطبيعة وعضو مجلس نواب الشعب ياسين العياري، وفق حديثه لـ"ألترا تونس"، وقد عجّت صفحات التواصل الاجتماعي بالتدوينات المساندة لباعث مشروع القبة الإيكولوجية والمندّدة بممارسات السلط الجهوية.

وبعد أيام من محاولته الانتحار، زار والي سليانة علي سعيد القبة الإيكولوجية بصدقة من عمادة البحيرين التابعة لمعتمدية برقو للنظر في الوضعية القانونية للمشروع وحلحلة المشاكل التي تعترضه، وذلك بحضور معتمد برقو، ورئيس البلدية، والمدير الجهوي للصحة، والمندوب الجهوي للسياحة وممثلين عن الحماية المدنية وعن الأمن والحرس الوطنيين، وفق ما ورد على الصفحة الرسمية بولاية سليانة بتاريخ العاشر من شهر جانفي/ كانون الثاني 2019.

وإثر تحسّن حالته الصحّية، التقى أمين الزين بوزير السياحة روني الطرابلسي بمعية عضو مجلس نواب الشعب ياسين العياري، وأفضى اللقاء الذي تطرّق إلى مجال السياحة الإيكولوجية في ولاية سليانة، إلى التنسيق مع المصالح الحكومية المعنية لإعادة فتح مشروع القبّة الإيكولوجية في أقرب الآجال، وفق حديث الزين لـ"ألترا تونس".

أمين الزين لـ"ألترا تونس": الشباب الذي يواجه تعقيدات إدارية لن يتلقى دعمًا من الحكومة.. ويجب أن نتشبث بأحلامنا إلى آخر رمق

وفي الثامن عشر من شهر جانفي/ كانون الثاني الجاري، انعقدت جلسة عمل بإشراف المعتمد الأوّل للنظر في إقامة مركز تخييم سياحي ببرقو لفائدة أمين الزين وذلك بحضور معتمد برقو، وممثلين عن وزارة السياحة والمندوب الجهوي للسياحة بسليانة، وممثلين عن المصالح الأمنية المعنية، وفق ما أوردته الصفحة الرسمية لمعتمدية برقو.

وإثر الاجتماع، دُعي أمين الزين إلى الشروع في تكوين الملف القانوني للمشروع وتقديمه إلى وزارة السياحة للحصول على التراخيص اللازمة لبعث المشروع ، وفي الأثناء مكّنت السلط الجهوية الزين من ترخيص مؤقت لتسيير مشروعه في انتظار استكمال الملفّ مع العلم وأن وزارة السياحة أرسلت متفقدين إلى القبة الإيكولوجية للنظر في تصنيفه إلى منزل ضيافة أو مخيم سياحي، حسب تصريحات محدثنا.

وعن رسالته إلى الشباب الذين يواجهون تعقيدات إدارية في طريقهم إلى تحقيق أحلامهم، يقول أمين الزين وهو يرحّب بزوار "قبّة الزين"، إنهم لن يتلقوا الدعم من الحكومة، قبل أن يتدارك طاردًا نبرة التشاؤم "يجب أن نتشبث بأحلامنا إلى آخر رمق".

مما لا شكّ فيه أن أمين الزين ليس الشاب التونسي الوحيد الذي واجه تعقيدات بيروقراطية وإدارية في محاولة منه لطرد شبح البطالة وبعث مشروع خاص، ولكن يبدو أن قصّته عرفت كل هذا الاهتمام لأنه عانق الموت من أجل حلمه، فهل كانت السلط لتتحرّك لو لم يحاول الانتحار؟

 

اقرأ/ي أيضًا:

"الحرقة" في تونس: بين انتشارها كثقافة شبابية جديدة.. وظاهرة "الفراريزم"

لعبة "البلانات".. الإدمان الخفيّ من أجل الربح السريع