أطباء تونسيون في المهجر.. ضرورة لا اختيار؟

أطباء تونسيون في المهجر.. ضرورة لا اختيار؟

نزيف هجرة الأطباء التونسيين إلى الخارج يتزامن مع انهيار المنظومة الصحية (صورة أرشيفية/فتحي بلعيد/أ.ف.ب)

 

كانت أواخر سنة 2010 مليئة بالأحداث في تونس إذ اندلعت فيها الاحتجاجات التي توسعت نحو أغلب مناطق البلاد. تعرفت، خلال تلك الفترة، على صديق جديد، غانم السليمي (32 سنة)، أضفته إلى قائمة أصدقائي في حسابي على فيسبوك عن طريق صديق مشترك. شاب بطول فارع وابتسامة دائمة كما أن شمس قفصة الحارة صبغت سمرة خفيفة على وجهه، اضطر إلى الانتقال إلى مدينة سوسة لدراسة الطب، تحصل على شهادة الدكتوراه ثم قرر خوض مناظرة طب الاختصاص.

عندما قابلت غانم، تحدث عن طموحات بالعمل في تونس وبتحقيق مستوى اجتماعي ومادي محترم إلى جانب تطلعات للحصول على شهادة للتدريس في كليات الطب، ولم تكن هذه الطموحات تضم فكرة الهجرة. لم يكن الوضع جيدًا وقتها، على عدة مستويات ومن ذلك مثلًا أن التكوين في جامعات الطب في تونس لا يضاهي الجامعات في الدول المتقدمة لكن لا تزال بعض الآمال للإصلاح. هذه الآمال جعلت غانم لا يكتفي بدكتوراه في الطب العام ليبدأ في مغامرة التحضير لطب الاختصاص.

تشهد تونس هجرة كثيفة للأطباء خلال السنوات الأخيرة بسبب مشاكل المنظومة الصحية وظروف العمل في المستشفيات وكذلك من أجل تحسين المستوى المادي

لكن بعد سنوات من تلك المحادثة، اتصلت بغانم لأجده ينتظر الحافلة في إحدى محطات باريس للذهاب للعمل بمستشفى في إحدى ضواحي العاصمة الفرنسية.

مضى على وصول غانم إلى باريس أكثر من 14 شهرًا بعد قرار صعب بالهجرة إلى فرنسا. كان قد اجتاز بنجاح مناظرة طب الاختصاص في تونس وأصبح طبيبًا مختصًا في التخدير والإنعاش ليخوض تدريبًا لمدة أربع سنوات توزعت بين ولايات تونس وسوسة لكنه قرر في أواخر عام 2017 الهجرة. أحلام كبيرة وطموحات عديدة كانت في أغلبها تندرج في إطار التحصيل العلمي، دفعته إلى صعود الطائرة مثل ألاف الاطباء الذي قرروا مغادرة تونس بعد تردي وضع القطاع الصحي.

اقرأ/ي أيضًا: تونس.. المنظومة الصحية تنهار والإصلاح الجذري مفقود

يعمل غانم اليوم بمستشفى يقع في أحد ضواحي باريس، مستشفى صغير لكنه مقارنة بإمكانيات المستشفيات التونسية يعتبر كبيرًا جدًا. لا يعتبر الوصول إلى فرنسا نهاية الطريق، فلا تزال أمامه مهمة الحصول على شهادة المعادلة التي تعتبر تحديًا صعبًا في فرنسا مقارنة بدول أخرى.

يقول غانم لـ"الترا تونس" إن الحصول على شهادة المعادلة هي المحدد الرئيسي في الترفيع من وضعه المادي والعملي، مشيرًا إلى أن الطبيب يحصل على راتب شهري يصل إلى 1267 يورو شهريًا دون شهادة معادلة لكن عمليات التعويض التي يقوم بها تجعله يجني شهريًا أكثر من 2000 يورو وهو مبلغ محترم وفق تأكيده. ويضيف أنه في حالة الحصول على شهادة معادلة، يرتفع الراتب الشهري للطبيب لأكثر من 3000 يورو.

غانم (طبيب تونسي هاجر إلى فرنسا): يتحصل الطبيب في فرنسا على راتب شهري يفوق 3000 يورو حين حصوله على شهادة المعادلة

ينهض غانم كل صباح من فراشه على الساعة السادسة، يتناول إفطاره، ثم يتوجه لمحطة النقل لانتظار الحافلة التي ستقله إلى المستشفى التي سيقضي فيها أكثر من 8 ساعات يوميًا. يصف غانم يومه بالروتيني لكن يستدرك قائلًا: "هناك الكثير من الكفاءات التونسية في باريس، نخصص عطلة نهاية الأسبوع لنلتقي لاحتساء القهوة ولعب الورق (الرامي) في أحد المقاهي العربية. ودائمًا ما يكون محور حديثنا عن تونس". وفي مقارنة وضعية الأطباء بين الدول الأوروبية، يرى غانم أن وضعية الأطباء في ألمانيا هي أفضل بكثير من وضعيتهم في فرنسا.

الوضع العام للقطاع الصحي في تونس دفع آلاف الأطباء إلى الهجرة إلى وجهات مختلفة من بينها ألمانيا التي يقصدها الأطباء التونسيون أيضًا. ماهر الفارحي أحد هؤلاء الأطباء الذين اختاروا الهجرة إلى ألمانيا عام 2015، قضى أكثر من سنة في دراسة اللغة الألمانية في مدينة ميونيخ قبل الالتحاق للعمل بإحدى مستشفياتها.

ليس صعبًا أن تفتش عن خبايا الأسباب التي دفعت ماهر إلى الهجرة، فهي لا تختلف كثيرًا عن دوافع غانم. فالوضع العام في تونس وتحديدًا على مستوى القطاع الصحي، وظروف عمل الطبيب ووضعيته المادية عدا عن عمليات الفساد المتواصلة، كلها أسباب منطقية جعلت ألاف الأطباء التونسيين يفضلون الهجرة.

وقفة احتجاجية للأطباء الشبان أمام وزارة الصحة في مارس/آذار 2018 احتجاجًا على ما اعتبروه عدم تنفيذ الوزارة لجملة من المطالب (ياسين القايدي/وكالة الاناضول)

بعد ثلاث سنوات قضاها في ألمانيا، يقول ماهر لـ"الترا تونس" إنه وجد في هذا البلد ما يفتش عنه، "في ألمانيا الجميع لديه تأمين صحي، لا يوجد ذلك الضغط المادي الذي يعاني منه المريض الذي ينتقل لا إراديًا إلى الطبيب. الجميع يحترم القانون، لا يُسمح بالزيارات مثلًا خارج أوقات الزيارة ولأكثر من شخص عدا عن وجود بنية تحتية هائلة وجميع الإمكانيات متوفرة للعمل براحة نفسية كبيرة".

اقرأ/ي أيضًا: في مستشفى سليانة.. غياب طب الاختصاص يعمّق أوجاع المرضى

لكن الأمور ليس جيدة بهذا القدر بالنسبة للأطباء التونسيين الذين يعانون من مشكل التأقلم بين البيئة الاجتماعية في كل من تونس وألمانيا، ولكن، في المقابل، يمكن للطبيب التونسي الحصول على شهادة المعادلة حال وصوله إلى ألمانيا.

ماهر، من جهته، فضّل خوض مناظرة طب الاختصاص في ألمانيا وهو بصدد التحضير لها، ويصل معدل رواتب الأطباء التونسيين في ألمانيا 10 أضعاف معدل رواتب زملائهم في تونس.

حول تطلعاته المستقبلية، يقول ماهر: "الحديث عن العودة إلى تونس على المدى القريب هو أمر شبه مستحيل بل وأستبعده حتى على المدى المتوسط، لكن العودة إلى تونس، في نهاية المطاف، هو أمر واجب تجاه وطني على اعتبار أنه لديّ طموحات في القيام باستثمار طبي".

ماهر (طبيب تونس هاجر إلى ألمانيا): لا أفكر في العودة إلى تونس على المدى القريب أو المتوسط لكن لديّ طموحات في الاستثمار الطبي على المدى البعيد

يقضي الطبيب في ألمانيا يوميًا 8 ساعات في العمل تتخلها راحة الغداء بنصف ساعة ما يجعل كامل الأسبوع مخصصًا للعمل وهو ما يزيد في قيمة عطلة نهاية الأسبوع التي أصبح ماهر يخطط لها بانتظام من أجل الخروج من ضغط العمل والغربة، ودائمًا ما تكون برفقة أصدقاء تونسيين.

دافعان رئيسيان يدفعان الكفاءات التونسية ومن بينهم الأطباء إلى الهجرة إلى البلدان الأوروبية والولايات المتحدة، هما التحصيل العلمي وتطوير الكفاءة من جهة أولى وتحسين المستوى المادي من جهة ثانية. ويتمتع الأطباء التونسيون بسمعة جيدة في أوروبا وخاصة في فرنسا وألمانيا، فهم في مناسبات عديدة يفوزون بالمراتب الأولى في نتائج المعادلة.

أسامة قمودي، أحد الأطباء التونسيين الذين هم بصدد استكمال بعض الإجراءات للهجرة إلى بلد أوروبي. ينتمي أسامة إلى الجمعية التونسية للأطباء الشبان التي لطالما حذرت من ظاهرة هجرة الأطباء غير أنه قرر الهجرة منذ عام 2012 وقد بدأ في الإجراءات الفعلية للسفر منذ 4 سنوات.

دافعان رئيسيان يدفعان الكفاءات التونسية ومنها الأطباء إلى الهجرة هما التحصيل العلمي وتطوير الكفاءة من جهة وتحسين المستوى المادي من جهة ثانية

في دراسته لوضع الأطباء في البلدان الأوروبية، يتحدث أسامة لـ"الترا تونس" قائلًا: "نفس المشكل الذي تعاني منه تونس هو ذاته الذي تعاني منه فرنسا فيما يتعلق بنقص الأطباء في المناطق الداخلية. لكن النقص في فرنسا يأتي من جنوح الفرنسيين إلى الشعب القصيرة في الدراسة ما يجعل عدد الأطباء الفرنسيين المتخرجين سنويًا محدود جدًا مقارنة بالأماكن الشاغرة".

تحاول بعض الدول الأوروبية احتكار بعض الاختصاصات للأطباء الحاملين لجنسياتها مثل طب العيون لكنها تتسامح مع الاختصاصات التي تحتوي الكثير من الضغط مثل اختصاص القلب والشرايين والتخدير وغيرها.

يعتقد صديقنا غانم أنه ما كان ليغادر تونس لو وجدت إرادة سياسية حقيقية وجديّة لإصلاح القطاع الصحي، لكنه يعتقد، في نفس الوقت، أنه على كل طبيب أن يحمل طموحات العودة إلى بلده من أجل الأجيال القادمة. طموح يشاركه فيه ماهر الفارحي الذي يرجو هو أيضًا إصلاح المنظومة الصحية في تونس.

في الأثناء وبين طموحات غانم وماهر، ينتظر أسامة القمودي وآخرون دورهم في الهجرة فيما يبقى القطاع الصحي العمومي يتذيل أولويات الحكومات المتعاقبة في تونس. وكانت قد بلغت نسبة ميزانية وزارة الصحة من الميزانية العامة لعام 2019 نسبة 5.04 في المائة فقط وذلك في مسلسل انخفاض مستمرّ طيلة السنوات الفارطة.

 

اقرأ/ي أيضًا:

تقرير دائرة المحاسبات: 10 خروقات خطيرة في مستشفى عزيزة عثمانة

نقص توفر الأدوية.. سياسة الموت البطيء في تونس؟