أزمة الصيادلة مع صندوق التأمين على المرض.. عود على بدء

أزمة الصيادلة مع صندوق التأمين على المرض.. عود على بدء

تفاوض معلّق والمواطن أول الضحايا (Getty)

 

تبلغ نسبة معاملات الصيدليات مع الصندوق الوطني للتأمين على المرض "الكنام" حوالي 35 في المائة، لكن عدم التزام الصندوق بآجال الخلاص لفائدة أصحاب الصيدليات أدّى إلى مشاكل عديدة منذ سنوات، وهو ما بات يهدد بعض الصيدليات بالإفلاس أو بعدم قدرتها على التزود بالأدوية أو بالعجز عن دفع المستحقات المالية للمزودين. وأكدت نقابة أصحاب الصيدليات الخاصة، في هذا الإطار، أنّ حوالي 70 في المائة من الصيادلة تقارب قيمة ديونهم لدى "الكنام" حوالي 50 مليون دينار.  

وانطلقت الأزمة بين الطرفين منذ سنة 2014 حول عدّة نقاط خلافية أهمّها تتعلّق بمدّة التمديد في الاتفاقية القائمة بين الطرفين ودور اللجان المشتركة، وآجال الخلاص وبعض حالات رفض الخلاص، إلى جانب مسألة التزود بالأدوية الخصوصية. ورغم التفاوض السنوي بين الطرفين إلاّ أنّ الأزمة تتجدد بانتهاء مدّة كل اتفاقية ممضاة بين الطرفين.

أكدت نقابة أصحاب الصيدليات الخاصة أنّ حوالي 70 في المائة من الصيادلة تقارب قيمة ديونهم لدى "الكنام" حوالي 50 مليون دينار

وقد دعا المكتب الوطني للنقابة التونسية لأصحاب الصيدليات الخاصة، في بيان منتصف شهر أوت/أغسطس 2019، الهيئة الوطنية لعقد اجتماع للتحضير لجلسة عامة خارقة للعادة لاتخاذ القرارات اللازمة للدفاع عن حقوق الصيادلة. وأكدت النقابة تمسكها بتفعيل الاتفاق الممضى في 14 فيفري/شباط الماضي وملحقاته، الذي تم بمقتضاه تجديد الاتفاقية القطاعية مع "الكنام" مقابل حزمة من الإجراءات لصالح القطاع، تهدف إلى تخفيف العبء المالي الذي كان يتحمله جراء التأخير الكبير في خلاص مستحقات الصيادلة لدى الصندوق على أن يقع تفعيلها بصفة تدريجية وفي آجال محددة.

وأعرب مكتب النقابة، في الأثناء، عن رفضه القطعي لـ"سياسة المماطلة" التي تمارسها الحكومة وكذلك الصندوق الوطني للتأمين على المرض ودعاهما للإيفاء بتعهداتهما، مطالبًا وزارة الصحة بالقيام بدورها في دعم المطالب المهنية المشروعة للمهنة والمساهمة في إيجاد الحلول الكفيلة بالنهوض بالقطاع حتى يقوم بدوره على أحسن وجه لصالح صحة المواطن.

اقرأ/ي أيضًا: عدم دفع موظفي الصناديق الاجتماعية لمساهماتهم.. امتياز عمّق أزمة الصناديق

مسلسل اتفاقيات وقتية لم ينه الأزمة

اُمضيت في أوت/أغسطس 2015 مذكرة تفاهم بين الصندوق الوطني للتأمين على المرض والنقابة التونسية لأصحاب الصيدليات الخاصة نصت على تمديد الاتفاقية القائمة بين الطرفين لفترة أولى مدتها 3 سنوات، ليتم الرجوع فيما بعد إلى المرحلة الاعتيادية ومدتها 6 سنوات. واُتفق وقتها على تكوين لجنة لتعمل مدّة 6 أشهر لإيجاد الإطار القانوني لتمكين المواطنين من التزود بالأدوية الخصوصية داخل الصيدليات، ولكن مع ذلك تواصلت الأزمة بين الصندوق والصيادلة نتيجة عدم خلاص مستحقات أغلبهم في الآجال المحدّدة ليعقد الطرفان عدّة جلسات للتفاوض من جديد.

وفي أكتوبر/تشرين الأول 2016، قرّرت نقابة الصيادلة إيقاف التعاقد مع "الكنام" بسبب عدم تسديد المستحقات المالية، وأكدت أنّه تمّ اتخاذ القرار بعد  تفاوض طويل مع الصندوق دون التوصل إلى حلّ، لاسيما وقد أشار المسؤولون على "الكنام" إلى أنّ الصندوق يعيش أزمة مالية. لكنّ تدخل وزارة الشؤون الاجتماعية  وفتح باب التفاوض من جديد مع كافة الهياكل النقابية المتدخلة أفضى إلى إيقاف قرار تعليق العمل بالاتفاقية مع "الكنام"، ومواصلة تباحث الإشكاليات العالقة على أمل إيجاد حلّ نهائي خاصة فيما تعلّق بمستحقات الصيادلة وتقسيطها على دفعات.

تتعدد الاتفاقيات الوقتية بين نقابة الصيادلة والصندوق الوطني للتأمين على المرض وآخر اتفاقية ينتهي أجل نفاذها بداية عام 2020

ولاحقًا في فيفري/شباط 2019، اُمضيت الاتفاقية القطاعية المنظمة للعلاقة التعاقدية بين "الكنام" والنقابة أصحاب الصيدليات الخاصة في مقرّ وزارة الشؤون الاجتماعية، تم بمقتضاها إعادة العمل بتوفير الأدوية للمضمونين الاجتماعيين المدرجين بمنظومة "طبيب العائلة". ولكن أبرمت الاتفاقية لفترة انتقالية لمدّة سنة واحدة إلى غاية يوم 21 جانفي/يناير 2020، وتلزم الطرفين المتعاقدين بمواصلة التفاوض والتشاور قصد الوصول إلى إبرام اتفاقية قارة تمتد على ست سنوات.

وقد نصّت الاتفاقية على العودة إلى العمل بصيغة الطرف الدافع وبالمنظومات العلاجية الثلاث للصندوق الوطني للتأمين على المرض، وإقرار آجال لخلاص الصيادلة في غضون 80 يومًا علاوة على إقرار نظام للإشعار للإدارة العامة لـ"الكنام" ووزارة الشؤون الاجتماعية للتدخل في حال وجود صعوبات عدم خلاص الصيدلي، التي يمكن أن تصل إلى 70 يومًا، بغاية تفادي إشكالية تجاوز آجال الخلاص المقدّرة بـ 80 يومًا واتخاذ الاجراءات اللازمة في الغرض.

وتنزلت الاتفاقية الاستثنائية تلك في إطار الشروع في التقييم الشامل لمنظومة التأمين على المرض بمختلف منظومات العلاج الخاصة بها والعلاقات التعاقدية، على أن ينتهي التقييم نصف المرحلي في شهر أوت/أغسطس 2019 وذلك لتنظيم العمل مع الصيادلة والالتزام بآجال الخلاص والمساهمة في التقليص من الاشكاليات الحاصلة.

اقرأ/ي أيضًا: الصحة العمومية في تونس.. تدهور مستمرّ ودعوة للإنقاذ قبل فوات الأوان

الصيادلة: نحن بحاجة لقانون وليس مجرد اتفاقيات

محمّد أمين الرحالي، أحد أصحاب الصيدليات، أفاد لـ"ألترا تونس" أنّ أزمة الصيادلة مع "الكنام" طالت مدّتها بسبب أزمة الصندوق في حدّ ذاته مضيفًا أنّ الصندوق يعاني إفلاسًا حادًا على غرار الصناديق الاجتماعية، ولكن ذلك المشكل عمّق مشاكل أغلب الصيادلة المتعاقدين مع الصندوق بسبب عدم دفع مستحقاتهم، بل العديد من الصيادلة باتوا غير قادرين على التزود بالأدوية بسبب ديونهم لدى الصندوق، وفق تأكيده.

وقال محدّثنا إنّ "المرحلة اليوم تتطلب قانونًا فعليًا ينظم العلاقة بين الطرفين وليس مجرّد اتفاقيات تجدد كلّ فترة" مضيفًا أنّ العديد من الصيادلة ينتظرون نتائج التقييم الذي من المفترض أنّ تصدر نتائجه قبل موفى شهر أوت/أغسطس الجاري، إضافة إلى انتظار المفاوضات التي ستنطلق هذه الفترة لإيجاد حلول لكلّ نقاط الخلاف وليس فقط مشكل دفع المستحقات، وذلك قبل بلوغ شهر جانفي/كانون الثاني المقبل ونهاية آجال الاتفاقية الممضاة، حتى لا يلجأ الصيادلة من جديد إلى إيقاف التعاقد مع الصندوق، وفق قوله.

محمد أمين الرحالي (صاحب صيدلية): المرحلة اليوم تتطلب قانونًا فعليًا ينظم العلاقة بين الطرفين وليس مجرّد اتفاقيات تجدد كلّ فترة

يذكر أنّ 370 ألف منخرط في منظومة "طبيب العائلة" يتعلّق مصير علاجهم وحصولهم على الأدوية بالاتفاقية بين الطرفين، غير أن "الكنام" يعاني منذ سنوات من أزمة مالية متفاقمة بسبب تأخر الصناديق الاجتماعية تحويل مساهمات منخرطيه للصندوق في الآجال المحددّة. وهو ما أدّى بالضرورة وبالتتابع إلى تراكم ديون "الكنام" لدى منخرطيها من صيدليات ومستشفيات وأطباء ومصحات.

وبحساب الأرقام، ناهزت قيمة عجز "الكنام" حوالي 2.5 مليون دينار تتراكم في شكل ديون متخلّدة لدى الصناديق الاجتماعية، فيما تبلغ ديون "الكنام" نفسها لفائدة الصيدلية المركزية والمستشفيات حوالي الـ800 مليون دينار عدا عن ديون أخرى بذمة الصندوق تصل إلى 200 مليون دينار.

وفي ذات السياق، أكد وليد بوبكر، الكاتب العام المساعد للنقابة التونسية لأصحاب الصيدليات الخاصة، أنّ "الصيادلة باتوا غير قادرين على تحمّل أعباء تلك الديون رغم كلّ الاتفاقيات الممضاة سابقًا". وأضاف، في تصريح لـ"ألترا تونس"، أنّ اتفاقية 14 فيفري/شباط تعلّقت أساسًا بالعودة إلى العمل مع "الكنام" لمدّة سنة إلى جانب الاتفاق على دفع مستحقات الصيادلة في مدّة 80 يومًا.

وليد بوبكر (نقابة أصحاب  الصيادلة لخاصة):  أغلب الصيادلة اليوم في حالة استياء كبير جراء عدم الإيفاء بكل الوعود خاصة ممن يعانون أزمة مالية بسبب ديونهم وعدم قدرتهم على تسديد أقساط القروض

وقال محدثنا في هذا الجانب: " تعهدت الدولة بمساعدتنا وتقاسم الأعباء المالية ومساعدة الصيادلة، لكن هناك تلكأ كبير وعدم التزام الحكومة بكلّ ما تعهدت به" مؤكدًا أن أغلب الصيادلة اليوم في حالة استياء كبير جراء عدم الإيفاء بكل الوعود خاصة ممن يعانون أزمة مالية بسبب ديونهم وعدم قدرتهم على تسديد أقساط القروض التي اضطروا لها لدفع مستحقات المزودين.  

وأشار الكاتب العام المساعد للنقابة التونسية لأصحاب الصيدليات الخاصة إلى أنّ النقابة راسلت جميع الأطراف المعنية للتسريع في فتح باب التفاوض من جديد وتنفيذ قرارات اتفاق فيفري/شباط الماضي حتى لا يقع اللجوء إلى تعليق الاتفاق من جديد، ما سينعكس بالسلب على جميع الأطراف بما في ذلك المواطن، وفق تأكيده.

 

اقرأ/ي أيضًا:

آخر حصون التضامن الاجتماعي مهددة بالانهيار!؟

توريث الوظائف: الأقربون أولى بالوظيفة!