19-نوفمبر-2023
زيتون معرض تشكيلي تونسي فلسطين

لوحة للرسام أسامة الطرودي ضمن معرض "زيتون" المقام بتونس دعمًا لفلسطين (رمزي العياري/ الترا تونس)

 

تصدير: "لو يعرف الزيتون غارسه لتحوّل الزيت إلى دمع.."

(الشاعر الفلسطيني محمود درويش)


الفنون التشكيلية أو الفنون البصرية الحديثة في جوهرها وفي جينات نسغها الأول، ليست ترفًا وارتخاءً وجمالًا ساذجًا سطحيًا وترصيعًا لا يحمل المعنى.. وإنما هي سيرورة كهذه الحياة التي نعيش، محايثة لها في كامل أطوارها وتقلباتها وأحوالها، تحمل في طياتها فعل المقاومة، مقاومة كل تجليات الرداءة ومقاومة القبح والعنف ومقاومة التلاشي وكل أشكال الهيمنة. هي فنون ضديدة للإبادة التي يمكن أن يتعرض لها الإنسان على كوكب الأرض بدوزنات عالية الجودة من الحب والطاقة والحلم والمغامرة والشعر والدراما. 

نزلت الفنون جميعها للقتال بشجاعة الأحرار مع القضية الفلسطينية العادلة، ومن بين الفنون جميعها كان هناك حضور نوعيّ للرسامين والمصورين والفنانين التشكيليين

هي فنون عتيدة رغم ظاهرها الهادئ، تسعى جاهدة إلى تناول "الحقيقة" كما تتناولها الفلسفة والتاريخ والميثولوجيا والأديان.. إنها لغة العالم التي تتوجه نحو المستقبل في تهيام غامر منفصل عن حركة الزمن وعابر لكل الحدود المرسومة على جغرافيا الأرض، إنها اللغة التي نقول بها أنفسنا ونداوي بها الجراح والأعطاب التي قد تصيب الروح جرّاء ما يحدث حولها من خوارق مركبة من الإساءة، إنها اللغة التي تتيح لنا أن نحيا بهاء المصير على هذه الأرض، وأيضًا هي اللغة الجَمَّاعَةُ الوحيدة التي ابتدعها الإنسان ليحارب بها المجهول الغامض ضمن رحلة الوجود، إيمانًا بمقدرتها العالية على الكشف والرؤيا، ومن ثمة التيه في أرض المعنى بحثًا عن اليقين الشامل.

إذا اتفقنا أن الفنون التشكيلية هي في قلب ساحة المقاومة وتقود لواءً لا يهزم أبدًا عندما يشرع في البحث عن الوجه الدري للحقيقة، فإنها بذلك تكون قد منحت قيمة "الحرية" بُعدًا جديدًا لا تقدمه ضفاف أخرى، كما تذهب الفنون التشكيلية جادة إلى دقّ أوتاد عظيمة لسماء التخييل تحت رؤوس البشر في حركة خالصة حتى يتمكن الإنسان الأعزل ضمن دوائر الكون اللامتناهي من رؤية الغيب، والارتفاع إلى ما فوق قدرة حواس الإنسان، وهو ما تفعله الصوفية منذ الأزل ويسميه الشيخ الرئيس ابن سينا "الإشراق"، ونسميه نحن بالإيمان بالّامحدودية أو الذهاب إلى نقطة الغيب ضمن فهم فلسفي مختلف بأنها لا تحمل نهاية ضمن هندستها الوراثية.

 

عنوان المعرض "زيتون" هي كلمة مشحونة بالدلالات لعل أهمها دلالة البقاء على قيد الحياة (رمزي العياري/ الترا تونس)

 

مع اتضاح صورة ذاك الكمّ من الدحر والقسوة والكراهية للشعب الفلسطيني أمام أنظار كل العالم من قبل مستعمر إسرائيلي غاشم يريد الاستحواذ على الأرض والسماء والماء والهواء من دون وجه حق، بكل رعونة وصفاقة وبربرية وخيانة للتاريخ والأديان السماوية جميعها.. نزلت الفنون جميعها للقتال بشجاعة الأحرار مع القضية الفلسطينية العادلة ودفاعًا عن شعب عريق سلب حقه ضمن مؤامرات سياسية معلومة ومكشوفة نهاية القرن التاسع عشر وطيلة القرن العشرين جعلت منه شتاتًا مهجرًا من أرضه ومنكلًا به من قبل آلة العسكر وجحيم الحصار والحواجز التي حولت ما تبقى من المدن الفلسطينية إلى سجون بلا جدران، ومن بين الفنون جميعها كان هناك حضور نوعيّ للرسامين والمصورين والفنانين التشكيليين في كل بقاع العالم الذين كانوا في واجهة الدفاع عن فلسطين.

وفي تونس، وضمن سياق ما ذكرنا، يحتضن حاليًا فضاء "الهادي التركي" للثقافة والفنون بحي المهرجان بالعاصمة تونس، والذي تديره باقتدار السيدة سميرة التركي ترجمان ابنة الفنان الرسام الكبير الراحل الهادي التركي، معرض "زيتون" للثنائي "أسماء غيلوفي" و"أسامة الطرودي" الذي تابع "الترا تونس" فعالياته ويتواصل من 15 إلى 30 نوفمبر/ تشرين الثاني 2023.

 

فلسطين تحولت في رسومات أسماء غيلوفي إلى تيمة سماوية تطل على الكوكب من عل بوجه صاف نقي كصباح وليد (رمزي العياري/ الترا تونس)

 

وكما يوحى عنوان المعرض فإن "زيتون" كلمة مشحونة بالدلالات لعل أهمها دلالة البقاء على قيد الحياة وهو ما تؤكده الرسامة "أسماء غيلوفي" عبر مقطع شعري يمكن اعتباره فاتحة المعرض أو أرض المعاني التي تقيم فوقها الألوان حيث تقول:

"زيتون هي الحياة.

صامدة كالجذع.. خضراء كطفولة صاخبة..

مُلِحّةٌ.. خالصة.. تتغنى بما في النفس من روح..

فتُنبت الشعر سكينة..

وتخلق من الفن اكتفاء..

حتى يراد بالفكر عزمًا.. وبالتعبير انضمامًا..

وبالإنجاز شهادة وبيانًا.."

فضاء "الهادي التركي" للثقافة والفنون بالعاصمة تونس، يحتضن معرض "زيتون" للثنائي "أسماء غيلوفي" و"أسامة الطرودي" من 15 إلى 30 نوفمبر 2023

وأيضًا عبر كلمة "زيتون"، نجد دلالة المشترك بين تونس وفلسطين، فالزيتون رمز للبلدين والشعبين، ثمة خيوط لا مرئية تخيط تاريخنا، لنا الجذور نفسها، وتجمعنا دائرة الأسطورة نفسها، بل توحدنا وتجعل منها واحدًا رغم بعاد الجغرافيا.

 

جعلت الرسامة أسماء غيلوفي خريطة فلسطين شفافة في محيط غائم، في تطابق رمزي مع شعر محمود درويش القائل إن "فلسطين هي أم البدايات وأم النهايات.." (رمزي العياري/ الترا تونس)

 

لم تكتف الرسامة أسماء غيلوفي بالشعر بل جعلته مبتدأ لخبر جمالي بصري هو التالي: بأن جعلت خريطة فلسطين شفافة في محيط غائم ومن ثمة جعلتها سماء عالية لثماني خرائط لمدن شهيرة: روما، باريس، برلين، أوتاوا، مدريد، لندن، بروكسال، بالتيمور.. في تطابق رمزي مع شعر محمود درويش القائل إن "فلسطين هي أم البدايات وأم النهايات.."، فمع اللوحات الجغرافية الشفافة للفنانة التونسية الغيلوفي، نفهم أن كل مكان في العالم فيه شيء روحيّ من فلسطين.

كلمة "زيتون" التي جاءت عنوانًا للمعرض، هي دلالة المشترك بين تونس وفلسطين، فالزيتون رمز للبلدين والشعبين

وفي قراءة أخرى للوحات الثماني للرسامة، نلاحظ أن فلسطين تحولت إلى تيمة سماوية تطل على الكوكب من عل بوجه صاف نقي كصباح وليد، تنبثق تحت عيون البشر المتطلعين إليها كقمر فضي.. والتيمة السماوية هي خارج الزمان والمكان، أي في مناطق الخلود حذو الأبدية.

أما الرسام التونسي "أسامة الطرودي"، الذي حازت لوحاته أغلب أجنحة معرض "زيتون" برواق الهادي التركي بالعاصمة تونس، فقد سكنته فلسطين منذ القديم مرورًا بأجداده، فتحولت إلى حالة داخلية يقيم داخلها ولا يغادرها، ثم سرعان ما تحولت إلى حالة إيحائية تدفع نوع الفن والإبداع جرّاء ما حدث من ألم في السابق وتجدده طيلة الأسابيع المنقضية في غزة وما جاورها.

ذهب الرسام أسامة الطرودي إلى استعمال ملامح من الخط العربي للإشارة إلى أسماء مدن فلسطينية والتذكير بالمجازر التي تتعرض لها، والمعاناة اليومية للناجين من القصف

لقد التقطت فرشاة الطرودي كل الدمار وكل الرصاص وكل الأزيز وكل الدوي وكل الدماء ورائحة الدمار.. فتفجرت ألوانًا وأشكالًا وظلالًا وانكسارات ومعاناة أثث بها جميع لوحاته التي وردت بأحجام مختلفة.

 

تتراءى فلسطين من خلال أعمال الرسام أسامة الطرودي بين اللون وإيقاعه وبين الواقع والممكن وبين الحقيقي والمزيف

 

أعمال "أسامة الطرودي" تشبه الرسوم العجلى على جدران المخيمات وشوارع المدن الفلسطينية بخلفية بيضاء وشقوق وخربشات وآثار الرصاص فيما يشبه الغرافيتي الثائر على كل ما هو كلاسيكي ونمطي وهادئ، لكنها في الوقت نفسه أعمال ذات نظام جمالي مدروس وآسر، فقد ذهب الرسام إلى استعمال ملامح من الخط العربي للإشارة إلى المدن الفلسطينية: القدس، غزة، خان يونس، بئر السبع.. والتذكير بها وبما يحدث داخلها من مجازر والمعاناة اليومية للناجين من القصف الاسرائيلي الصهيوني المدمّر.

أعمال أسامة الطرودي تشبه الرسوم العجلى على جدران المخيمات وشوارع المدن الفلسطينية بخلفية بيضاء وشقوق وخربشات وآثار الرصاص فيما يشبه الغرافيتي الثائر على كل ما هو كلاسيكي ونمطي وهادئ

لم تكن فرشاة الطرودي فرشاة بسيطة تنحى نحو المباشرتية، بل كانت تقول الأشياء بالإيماء والإيحاء في حركة حية ومفاجئة كطبيعة وإيقاع الأحداث ذاتها (طوفان الأقصى كفعل مقاوم نفذه أبناء الأرض وأشاد به أحرار العالم، وترويع المدنيين الفلسطينيين العزّل كردة فعل من جهة المستعمر الإسرائيلي ندد به العالم بأسره) بأسلوب يقوم على تخييل المتلقى وتحريضه على التفكير والثورة والانضمام إلى صف فلسطين كل فلسطين، حيث تصبح اللوحات جسرًا يربط بين الآن وهنا والمستقبل.

تتراءى فلسطين من خلال أعمال الرسام أسامة الطرودي بين اللون وإيقاعه وبين الواقع والممكن وبين الحقيقي والمزيف، ضمن توق أبدي إلى التحرر من ربقة المستعمر الغاشم المستبد، والذهاب إلى تيار الحياة السليم.

 

لم تكن فرشاة أسامة الطرودي فرشاة بسيطة تنحى نحو المباشرتية، بل كانت تقول الأشياء بالإيماء والإيحاء (رمزي العياري/ الترا تونس)

 

تشتغل أعمال الرسام أسامة الطرودي ضمن أكوان الحقوق والقيم الإنسانية العليا التي يراها مهدورة ومسفوحة أمام أنظار العالم بالعودة إلى الحرب على غزة ومحاولة إزاحتها من على الوجود إلى درجة أنه حمل إلى المعرض بعض لوحاته القديمة وقام بكسرها إلى نصفين وبعد ذاك رتقها بأسلوب خاص، وهو موقف من الرسام وشكل من أشكال الاحتجاج والمعارضة الثقافية بأسلوب جمالي فريد.

معرض "زيتون" المقام بتونس والذي سيذهب جزء من عائداته إلى دعم الشعب الفلسطيني الشقيق، هو تأكيد صارخ أن المقاومة الثقافية والفنية والجمالية البصرية مستمرة في أكثر من مكان، وهي ترسل إشارات واضحة إلى كل أحرار العالم أن تونس لن تلين ولن تحيد عن موقفها تجاه القضية الفلسطينية العادلة.