ألعاب الحظ في تونس.. باقية وتتمدد في صفوف الفقراء

ألعاب الحظ في تونس.. باقية وتتمدد في صفوف الفقراء

3073 مشاهدة
المليار هو غاية الجميع في برنامج دليلك ملك(يوتيوب)

عرفت مسابقات الحظّ التلفزيّة انتشارًا في تونس مطلع العقد الماضي، وتوسّعت تباعًا مع بروز قناتين خاصّتين خلال نفس الفترة، ليرتفع عددها بشكل لافت بعد عام 2011 خاصّة مع تحصّل عدد كبير من القنوات على رخص بثّ. وخلال مسار عقد ونصف من الزمن، عرفت برامج المسابقات طفرة عدديّة وإقبالًا جماهيريًّا متناميًا. نبحث في هذا المقال بعض دلالات بروز برامج المسابقات وعوامل شعبيتها المتزايدة.

عرفت برامج المسابقات في تونس طفرة عدديّة وإقبالًا جماهيريًّا متناميًا

اقرأ/ي أيضًا: البيار".. تسلية شباب تونس لمواجهة بطالتهم"

برامج المسابقات: ظروف البروز

عرفت تونس خلال عقد التسعينيات تغيّرات في الاقتصاد السياسيّ للدولة تزامنت مع صعود عالميّ للسياسات النيوليبراليّة، ما أدى إلى تبدلات اجتماعيّة ساهمت في إنضاج ظروف نجاح برامج المسابقات التلفزيّة الربحيّة. حيث حدثت موجة خصخصة لعدد واسع من الشركات العموميّة، وطفرات سنويّة في عدد المتخرّجين من الجامعات. كما برزت ظواهر مستجدة، مثل مدارس التعليم الخاصّة، والهجرة غير القانونيّة في اتجاه أوروبا، وارتفاع نسب المعطّلين عن العمل وخاصّة في صفوف حاملي الشهادات الجامعيّة.

وقد انحصرت المسابقات التلفزيّة خلال فترة التسعينيات وما قبلها في برامج ترفيهيّة محدودة وموجّهة للأطفال في الغالب. ويعود ذلك إلى سياسة إعلاميّة صيغت زمن حكم الرئيس الراحل الحبيب بورقيبة الذي رأى في وسائل الإعلام وسيلة لتثقيف عموم الشعب، رغم أنّه استعملها لأغراض أخرى مثل تكريس تمجيد شخصه (حيث كانت الاحتفالات بعيد ميلاده مثلًا تبثّ على مدى شهر كامل).

كما كان المشهد التلفزيّ محصورًا في قناة واحدة تملكها الدولة، قبل أن يقرر زين العابدين بن علي عام 1994 بث قناة ثانية تعنى بالشباب، أو بالأحرى لمحاولة احتوائه. وفي بداية العقد الماضي، جرت محاولة ناجحة لتحديث الإعلام دون السماح بانفتاح فعليّ. حيث بدأت شركة "كاكتوس" للإنتاج (التي يمتلك بلحسن الطرابلسي، صهر بن علي، 51% من أسهمها ويمتلك الجزء المتبقي الإعلامي سامي الفهري) في بثّ برامجها على شاشة القناة الرسميّة (قناة "تونس 7" حينها). وانحصر إنتاج الشركة في البرامج الترفيهيّة.

من "آخر قرار" إلى "دليلك ملك":

بدأ بثّ برنامج "آخر قرار" في عام 2003، وهو أوّل مسابقة ربحيّة متلفزة في تونس. ويقوم البرنامج على طرح أسئلة في الثقافة العامّة يجيب عليها المتسابق في سبيل الفوز، وهو مقتبس من برنامج عالمي ومشابه لمسابقة "من سيربح المليون"، واستمرّ بثّه لموسمين ناجحين. لكن نخبويّة البرنامج من حيث طبيعة المتسابقين، حيث يجب أن يكون المتسابق حاملًا لحدّ أدنى من الثقافة، دفعت الفهري إلى مزيد من "دمقرطة" الربح وتوسيعه ليحوي فئات اجتماعيّة أخرى، فأطلق عام 2005 برنامج "دليلك ملك" (وهو النسخة التونسية من برنامج "صفقة أو لا صفقة"، الذي عرض في بلدان عربيّة وأجنبيّة أخرى بأسماء مختلفة).

وعلى عكس البرنامج الأوّل، لا تتطلّب المشاركة في البرنامج أي مستوى ثقافيّ، إذ يقوم أساسًا على الاستعراض والغرائبيّة. فلئن كانت المشاركة في "آخر قرار" تستوجب منافسة بين المتسابقين قوامها الاستحقاق على أساس الثقافة، فإنّ المشاركة في "دليلك ملك" تقوم على الشبه الجسمانيّ بين المتنافسين وبين شخصيّات عامّة عالميّة أو وطنيّة، أو امتلاكهم سمات أو طبائع غريبة، أو تصنّعها.

وفيما يتضمّن الأوّل مسار تطوّر عقلانيّ، حيث يعتمد تواصل اللّعبة على الإجابة عن الأسئلة بطريقة صحيحة، يتضمّن الثاني مسار تطور اعتباطيّ، حيث تتواصل اللّعبة في جميع الأحوال وتعتمد النتيجة النهائيّة على الصدفة المحضة. ولزيادة "دمقرطة" المسابقة أكثر، صار يقسّم المبلغ النهائيّ بين المتنافس الحاضر في الاستوديو وشخص يشارك عبر إرسال رسالة نصيّة عبر الهواتف النقّالة إلى البرنامج.

ولم تنحصر برامج المسابقات الربحيّة في البرنامجين السابقين، فقد تمدّدت الفكرة لتشمل عددًا كبيرًا من القنوات التلفزيّة. حيث تنظّم جميع البرامج الترفيهيّة تقريبًا مسابقات لربح سيارة أو عقار منزليّ، وفي حالات أخرى جوائز مثل رحلات ومبالغ ماليّة. كما يقوم برنامج "داري ديكو"، على إرسال المشاهدين الراغبين في المشاركة رسائل نصيّة، وتحدّد القرعة الفائز الذي سيرمّم البرنامج منزله ويغيّر ديكوره في إطار ما يعرف بـ"تلفزيون الواقع".

اقرأ/ي أيضًا:"أمور جدية" في تونس.. هشاشة الإعلام الهجين

لماذا تحظى برامج المسابقات بشعبيّة متزايدة؟

ينبغي الإشارة إلى أنّ هذا النوع من المسابقات ليس ظاهرة تونسيّة فقط، بل يمكن اعتبار ظهورها في تونس امتدادًا لظاهرة معولمة. فأينما ولّيت وجهك اليوم، ترى مسابقات الحظّ، ولا يقتصر الرهان على البرامج الترفيهيّة، بل يبتلع كافّة المجالات تقريبًا، من الرياضة إلى السياسة (على سبيل المثال، شملت الرهانات الإلكترونيّة الانتخابات الرئاسيّة الأمريكيّة واستفتاء خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبيّ). وتكفي الملاحظة بالعين المجرّدة لتحديد انتماءات الفائزين الطبقيّة، حيث ينحدر أغلبهم من طبقات فقيرة أو متوسّطة.

يشرح الباحثان جانز باكرت ومارك لاتر في بحث لهما بعنوان "لماذا يلعب الفقراء اليانصيب؟" الشعبيّة المتناميّة للمسابقات الربحيّة في صفوف الطبقات الاجتماعيّة الدنيا. ويشير الباحثان إلى وجود مقاربتين عامّتين لتفسير ذلك: تتناول المقاربة الأولى المسألة من زاوية الاختيار الشخصي للأفراد، وتتناولها الثانية من زاوية السياق الاجتماعيّ.

تعتبر المشاركة في المسابقات التلفزية طريقة لتوجيه الإحباط والتوتر الناتجين عن المتطلبات غير المتحققة التي يفرضها المجتمع الحديث

وتنظر النظريّات الفردانيّة إلى المشاركة في الرهان إمّا كقرار استثمار عقلانيّ أو كقرار منحاز إدراكيًّا ونابع عن فهم خاطئ لإحصاءات الرهان (أي نسب الفوز المئوية). حيث ينظر بعض الاقتصاديّين إلى المسألة على أنّها استراتيجيّة عقلانيّة تستخدمها الطبقات الوسطى وخاصّة الفئة الدنيا منها من أجل تحصيل ثروة، إذ تعتبر كلفة المشاركة معقولة بالنسبة لمن يفتقد وسائل مراكمة ثروة كبيرة. لكن يرى بعض المختصين في علم النفس الإدراكيّ والاقتصاديّين السلوكيّين أنّ المسألة ناتجة عن تقدير خاطئ للاحتمالات، أو لانحياز إدراكي أو استدلال خاطئ، حيث يبالغ المشاركون في الرهانات في تقدير احتمال الفوز المنخفض جدًّا ويعقدون حولها تقييمات مفرطة التفاؤل. ويُربط ذلك بالطبقة الاجتماعيّة من خلال افتراض أنّ الجهل بالخصائص الإحصائيّة للمسابقات ومحدوديّة القدرات الإدراكيّة منتشرة في صفوف الطبقات الدنيا أكثر من انتشارها لدى الطبقات العليا.

أمّا النظريّات السياقيّة، فتنقسم بدورها إلى ثلاثة تيارات. يفسّر التيار الأوّل المسألة بناءً على عوامل اجتماعيّة بنيويّة، ويبني الثاني تفسيره على عوامل ثقافيّة، فيما يؤسّس الثالث تفسيره على عامل التأثير داخل الشبكات الاجتماعيّة.

يفترض المنظّرون للطرح الأوّل ارتباط بعض العوامل، على غرار انخفاض المستوى التعليميّ وتدهور المكانة الاجتماعيّة الاقتصاديّة، بمستويات مرتفعة من التوتّر يمكن أن تؤدي إلى أنماط سلوكيّة تعويضيّة، ويُمثّل القمار أحد تلك الأنماط. حيث تعتبر المشاركة في المسابقات التلفزيّة الربحيّة (وهي ضرب من ضروب القمار)، وخاصّة المشاركة المستمرّة من خلال الإرساليّات القصيرة مثلاً، طريقة لتوجيه الإحباط والتوتّر الناتجين عن المتطلّبات غير المتحقّقة التي تفرضها المجتمعات الحديثة على الفرد. كما أنّها تعوّض رتابة روتين العمل اليوميّ، وتحافظ على الأمل في النجاح الماديّ. وبهذا المعنى، يؤدّي القمار وظيفة تنفيسيّة، ويوفّر للمرء منفذًا للتخلّص من الشعور بالحرمان وعدم الرضا عن مكانته الاجتماعيّة.

ويرى المنظّرون للطّرح للثانيّ أنّ ميل الشرائح الاجتماعيّة الدنيا المتزايد نحو مسابقات الحظّ، ناتج عن ثقافة تُعلي من الاعتقاد في النصيب والحظّ، على حساب العمل والإنجازات الشخصيّة، حيث يضعون قيم العمل والكدح والمثابرة، في مقابل ما يمثّله القمار من إضاعة للوقت والمال، وإضرار بالتعقّل وبالعقلانيّة الواقعيّة.

ويرى أصحاب هذه القراءة أنّ "عنصر الحظّ يوفّر مهربًا من عقلانيّة الثقافة، حيث يسمح القمار للمرء بالتعويل على النصيب". كما يشير البحث إلى أنّ من نقاط الجذب المركزيّة للألعاب الربحيّة هو المساواة في فرص الربح بين الجميع بصرف النظر عن كفاءتهم وتعليمهم، وطبقتهم وخلفيّاتهم. ذلك بالضبط ما يجعل إقبال الناس من الشريحة الاجتماعيّة الدنيا أكثر ارتفاعًا من إقبال غيرهم عليها، فهم يجدون في توزيعها المتساوي لفرص الربح عنصر إغراء، لأنّ فرص نجاحهم في الحالات التي يعتمد النجاح فيها على الاستحقاق والكفاءة أقلّ بكثير.

أمّا الطرح الأخير، فيركّز في تفسيره للظّاهرة على أثر الشبكات الاجتماعيّة. كما تنتشر في بعض الأحياء التونسيّة مقاهي يرتادها المهتمّون بلعب "البروموسبور" (وهي مسابقة رهان رياضي محليّة تنظّمها الدولة)، وهي أماكن يُلاحظ فيها أنّ الرهان يساهم، بوصفه نشاطًا مشتركًا، في تمتين العلاقات وخلق فضاء لتبادل الخبرات والأفكار. كما يساهم التفاعل بين المهتمّين بالرهان في تأسيس نوع من الهويّة الجماعيّة، حيث يغدو الكسب في بعض الحالات مسألة ثانويّة أمام الأثر الاجتماعيّ النابع من الانتماء إلى مجموعة. ومن المستبعد في تلك الحالات أن تحدّ الخسارة من إمكانيّة الرهان مستقبلًا، إذ يهدّد التوقّف عن المشاركة انتماء الفرد إلى المجموعة وتماسكها.

في المحصّلة تبقى المحطات التلفزيّة، إضافة إلى شركات الاتصالات، والجهات المنظّمة الأخرى الرابح الأكبر من المسابقات. حيث ترفّع كلّ فترة في كلفة الرسائل القصيرة، وتطلب في أحيان كثيرة من المشاركين إرسال أكثر من إرسالية للإجابة على سلسلة من الأسئلة. كما ترتفع، إضافة إلى مداخيل الرسائل، مداخل الإشهار لديها. وتمنح في المقابل جزءًا صغيرًا منها إلى فائز لتصنع منه نموذجًا يقتدي به بقية المشاركين الحالمين بتكوين ثروة سهلة، دون ذكرٍ طبعًا لفرصهم شبه المعدومة في الفوز.

اقرأ/ي أيضًا:

الصعود المستمر لفيفا ألتيمت تيم

البرامج الغنائية في العالم العربي.. حرب أخرى