حروب استعادة الدولة المصرية

حروب استعادة الدولة المصرية

910 مشاهدة
في ملعب بورسعيد 2012

"علينا أن نعير اهتمامًا أكبر لما نفعله في العالم، علينا أن نتساءل لماذا حصل لنا ما حصل؟" 
* نعوم تشومسكي

النظام يخاف

اتصل الرئيس بنفسه في مداخلة هاتفية، ليقدم حلولًا لموضوع شباب الألتراس. كنا نقول حتى وقت قريب إن النظام يجب أن يخاف لكننا -كشعب ونخبة- لم نقدم له أسبابًا كافية لذلك. الألتراس فعلوا.

النظام الجديد في مصر يحاول، في كل لحظة استعادة الدولة من الثورة، أو الهوجة أو موجة التمرد

لو أنّ النظام الذي يعتقل يوميًا ويقتل ويغتصب ويعتقل ويغتال الشباب كل يوم يعير اهتمامًا لأي ملفات مفتوحة. ملف مذبحة الألتراس في بورسعيد كان قادرًا على إعادة فتح هذه الملفات. النظام متورّط لا شك، وسيحاول أن يخترق الألتراس، لكنه أُنهك تمامًا وفشل فشلًا ذريعًا. 

استعادة الدولة

لأن المنتصر دومًا هو من يكتب التاريخ فقد سمى الإسبان حروب غزو الأندلس "الريكونكيستا"، وهي كلمة تعني حروب الاستعادة. لا أفهم كيف يمكن أن تستعيد أمة غازية بلدًا من أناس عاشوا فيه بالفعل ثمانمائة عام! النظام الجديد يحاول اليوم، في كل لحظة استعادة الدولة من الثورة، أو الهوجة أو موجة التمرد. أسموا ما حدث في "30 يونيو" بعدها في الإعلام الرسمي "تصحيح مسار ثورة يناير".

تثبيت دعائم السلطة، لا الحكم الرشيد، استعادة سيطرة الحاكم لا تحكيم الرأي العام. استراتيجيته في ذلك استراتيجية "الخلاص لأتباعي فقط"، التكريز بالأمن والاستقرار، الدولة كانت ستنهار ولحقناها ولله الحمد. كرر الرئيس في المداخلة كلمة الدولة أربع مرات للتأكيد على أن أي تمرد هو تمرد ضد الهيكل المقدس الذي يعيش بداخله ذلك الكائن المتمرد غير الراضي. أن تتمرد وتغني سبابًا منغمًا لأنك رأيت صديقك يموت ولم تستطع أن تفعل له شيئًا، ثم تطالب بإعدام الفاعل أمر يثير خواطر السلطة، لأن الحقيقة تعني المسؤولية، والمسؤولية تعني المحاسبة وقليل من المحاسبة موت محقق لمن يعرف جيدًا أن قليلًا منها سيكلفه ما لا يستطيع دفع ثمنه. بالمناسبة حتى اللحظة لم يُعرف من وراء قتل شباب الألتراس يومها ولم يُخصص أي تحقيق جاد حول الموضوع!

استراتيجيات العبث 

حين شكر الرئيس جهاز الشرطة في زيارته لأكاديمية الشرطة في تشرين الثاني/نوفمبر الماضي قائلًا: "لن أتحدث عن التجاوزات.. شكرًا جهاز الشرطة"، كان يعطي مزيدًا من الضوء الأخضر لتتحرك الداخلية بنفس الوتيرة نحو مزيد من القمع.

على بُعد رمية حجر، يرقد عرش يهتز، ورئيس يحذر: مصر لن تثور مرة أخرى.. مصر ليست تونس!

وبينما انفصل الخطاب الإعلامي عن الشارع تمامًا بقيت وسائل التواصل الاجتماعي تشكل إعلامًا بديلًا عن "وابل متواصل من الإلهاءات والمعلومات التافهة" كما يسميها تشومسكي، حاول النظام من خلالها تشتيت الانتباه عن نتائج تبنيه لخطاب الحرب على الإرهاب وتأثيره على الاقتصاد والسياحة -التي كانت تشكل مصدر دخله من العملة الصعبة- وعلى سمعته العالمية.

استراتيجيات الضوء الأخضر تلك هي التي ضحت بسمعته في مجال حقوق الإنسان والحريات. وجعلت من الدولة في النهاية مسخًا مشوهًا، بائسًا ممزوجًا بالسخرية من الفقير والغني والميسور.

العرش يهتز 

كما يفعل القمع غالبًا حين يكون بلا سقف يعيد رسم ديمغرافيته من جديد، ويعيد فرض التوحد والانسجام بين مكونات النسيج الواحد التي شتتها في البداية لتحقيق أغراضه. يبدأ التحرك في العادة إما لأن ثمن الحرية مدفوع بالفعل، وإما لأنه سيتم دفعه لا محالة، فلم يعد شيء يهم.

يتحول العصيان إلى مسألة وجود، يتجاوز مجرد رفض الواقع إلى القتال من أجل الحياة أو من أجل الموت بشرف. ستسمع هذه المعاني في قرع طبول الشباب، وفي سبابهم المنغم. ستسمعه في تحذير الرئيس المتكرر من غرق الدولة في 2011 إبان ثورتها لأجل العيش والحرية والكرامة.

الجملة التي كررها الرئيس مرتين، كانت التحذير من 2011 جديدة، الخوف من تمرد جديد يقود أبجدياته الألتراس. شباب دفعوا الثمن بالفعل، دفنوا أصحابهم، وأصيبوا، ويطالبون علنًا بإعدام المشير الذي جرت في عهده المذبحة.

هناك على بُعد رمية حجر، يرقد عرش يهتز، ورئيس يحذر: مصر لن تثور مرة أخرى.. مصر ليست تونس!

اقرأ/ي أيضًا:

أجواء الثورات.. عن الناس والسلطة

في الغباء كما لم يرد في كتب السياسة!