21 جوان: عن احتفاء الحضارات في أطول أيام السنة أو

21 جوان: عن احتفاء الحضارات في أطول أيام السنة أو "الانقلاب الشمسي"

عديد الثقافات تحتفي بأول أيام الصيف وأطول أيام السنة (Lehtikuva/ أ ف ب)

 

لا زلت أذكر في صباي يوم اصطحبني جدي إلى الحقل، كان الفجر قد بزغ وتسللت أشعة الشمس إلى الأراضي المتسعة، كنا نمتطي عربة يجرّها خيل وقد تمسّك أفراد العائلة كلّ بمكانه، نعبر طريق السبخة حتى بلغنا الرمال الصفراء الذهبية، فقد كانت حقولنا في الساحل على شواطئ البحر قبل أن تتحول إلى نزل وملاه.

ما إن لامست قدماي الرمال الذهبية حتى اكتوت بحرارتها فابتسم جدي الذي كان يصحبنا وقال: "ستستوي الشمس بعد قليل في كبد السماء وتلتهب الأرض بأشعتها، فلا تعرّض نفسك للاحتراق، فاليوم أشدّ علينا من لهيب النار.. إنه الانقلاب الشمسي. ولا تسارع إلى الغطس في المياه الباردة عند اشتداد الحرّ، فقد تصاب بصدمة، بل تدرّج في ولوج البحر".

الـ 21 من شهر جوان تتعامد فيه الشمس مع خط الاستواء، وقد أطلق عليه "الانقلاب الشمسي" كما يعرف باسم "الانقلاب الصيفي" لكونه أول أيام الصيف وأطول أيام السنة

كانت تلك الكلمات ترنّ في أذنيّ وكأن الفلك يسبح في ذهن جدي وقد فقه من علومه بخبرة سنين في عالم الزراعة.. وكان يعلم أن التقسيم السنوي للفصول يؤتي أكله في علوم الفلاحة، فطالما كنا نسمعه يستنجد بالانقلاب الشتوي والصيفي مع الاعتدال الربيعي والخريفي لكي تستجيب له الأرض بما تجود من فواكه وخضار وغلال، كما يعدّد الليالي ويسمّيها بمسميات فلاحية وتقويمات قمرية كانت هي منارته في خدمة الأرض.

الحادي والعشرون من شهر جوان/ يونيو تتعامد فيه الشمس مع خط الاستواء، وقد أطلق عليه "الانقلاب الشمسي" باعتباره ظاهرة وصول الشمس إلى أقصى نقطتي ارتفاع وانخفاض في قوس المسار اليومي لحركتها الموسمية. كما يعرف باسم "الانقلاب الصيفي" لكونه أول أيام الصيف وأطول أيام السنة.

اقرأ/ي أيضًا: يتزامن مع يوم 20 جوان.. ماذا تعرف عن الانقلاب الصيفي؟ (صور)

كانت لهذه التقييدات الزمنية رمزيتها في العمق الحضاري والثقافي لمجتمعنا، وكنا ننهل من تراثنا اللامادي حكايا أجدادنا، فاندفعنا إلى محاولة فهمها وتكوين منظومة معرفية متكاملة حولها تضم نمط العيش والأعراف والتقاليد.

يحدث الانقلاب الصيفي في نصف الكرة الأرضية الشمالي حيث تكون الشمس في أعلى ارتفاع لها ظهرًا فوق الأفق. وتكون عمودية على مدار السرطان وهو خط دائرة عرض 3 و23 درجة شمال خط الاستواء.

وتتحرك الشمس ابتداءً من يوم 22 جوان/ يونيو جنوبًا رويدًا رويدًا خلال الصيف إلى أن تصبح عمودية على خط الاستواء، وعندما تكون أشعة الشمس عمودية على مدار السرطان أي في 21 جوان/ يونيو، يقال "إن الصيف قد بدأ في نصف الكرة الشمالي، وبالتالي يكون بداية فصل الشتاء في نصف الكرة الجنوبي، وعندما تكون الشمس عمودية على مدار الجدي في 21 ديسمبر/ كانون الأول، يقال إن الشتاء قد بدأ في نصف الكرة الأرضية الشمالي، ويكون الانقلاب صيفيًا لدى نصف الكرة الأرضية الجنوبي".

عندما تكون أشعة الشمس عمودية على مدار السرطان أي في 21 جوان، يقال "إن الصيف قد بدأ في نصف الكرة الشمالي، وبالتالي يكون بداية فصل الشتاء في نصف الكرة الجنوبي

هذا التعريف الفلكي للانقلاب الصيفي الذي يقدمه المعهد الوطني للرصد الجوي يتم تحيينه والإعلان عن توقيت دخوله سنويًا، ففي سنة 2020 حدث الانقلاب الصيفي تحديدًا عند الساعة العاشرة مساءً و43 دقيقة بالتوقيت المحلي.

ونشير إلى أن الجمعية العامة للأمم المتحدة أعلنت يوم 21 جوان/ يونيو يومًا دوليًا للاحتفال بالانقلاب الشمسي تجسيدًا لوحدة التراث الثقافي البشري.

ولمزيد من فهم تراثنا اللامادي المتعلق بهذا القياس الزمني، التقينا محمد البنزرتي وهو سبعيني ممّن يحفظ الذاكرة الشعبية، فقال لـ"الترا تونس": "يعتبر حلول الصيف إيذانًا ببدء موسم الأفراح والمهرجانات والسهرات الليلية والتخييم العائلي على الشواطئ العذراء الممتدة على طول الشريط الساحلي، كانت عائلات بأسرها تشد الرحال في هذه الفترة إلى البحر لتبقى شهرًا كاملًا حتى حلول 25 جويلية/ يوليو، تاريخ الاحتفالات بأوسّو الذي كان يؤذن خروجه بانصراف فصل الصيف وعودتنا إلى الحياة الطبيعية".

محمد البنزرتي (70 سنة) لـ"الترا تونس": منا من يصوم في مثل هذا اليوم اعتقادًا منه أن الأجر يتضاعف بحكم أنه أطول يوم في السنة، في حين يرى آخرون أن الاحتفاء بحركة الشمس من الوثنية والضلال

وأضاف البنزرتي: "كانت هناك بعض الأسئلة المبهمة التي ترافق حركة الشمس وطول النهار والليل، ونجد لها إجابات أسطورية أو خرافية في بعض الأحيان، فكلما ذكر الانقلاب الصيفي أو الشتوي اقترن معهما التفكير في حركة الكون وشكل الأرض وتعلقنا بأساطير الليل البهيم الذي قد يبقى أشهرًا في مناطق من العالم أو النهار الذي يستمرّ طويلًا، ونقارن هذه الظواهر بما نعيشه في هذه النقطة من الكون".

اقرأ/ي أيضًا: "النعوشة" أو "أم الذراري".. طائر الموت في الموروث الشعبي التونسي

وقال البنزرتي: "ومنا من يصوم في مثل هذا اليوم 21 جوان/ يونيو اعتقادًا منه أن الأجر يتضاعف بحكم أنه أطول يوم في السنة، في حين يرى آخرون أن الاحتفاء بحركة الشمس من الوثنية والضلال، باعتبار أنهم يحتفون بإشعال النار في هذه المناسبة".

وقال أحد الفلاحين التقليديين عبد الحميد الصحراوي، وهو من الذين حافظوا على خدمة الأرض بالوراثة عن الأجداد وامتهن الزراعة بالطرق التقليدية، لـ"الترا تونس" إن "هذه التقييدات الزمنية الفلكية هي أساس العمل الزراعي في تونس، فكنا لا ننثني عن الاستئناس بحركة القمر والشمس وتعداد الفصول بحسابها لكي نتم أعمالنا الفلاحية، فمع حلول فصل الصيف، كنا نحافظ على أنواع مخصوصة من الزراعات والغراسات وقطف الثمار، كما كانت لنا طرق مخصوصة في التصرف في المياه وإدارة وسائل فعالة للسقي، كما نحافظ على محاصيلنا من هبوب الرياح الساخنة وانتشار أنواع مختلفة من الحشرات المضرة بالنباتات، كما نهتم بصيانة البذور الأصيلة ونحفظها للمواسم القادمة ونحرص على عدم تلف المحصول".

عبد الحميد الصحراوي (فلاح تقليدي)  لـ"الترا تونس": التقييدات الزمنية الفلكية هي أساس العمل الزراعي في تونس، كنا لا ننثني عن الاستئناس بحركة القمر والشمس وتعداد الفصول بحسابها لكي نتم أعمالنا الفلاحية

بحوث قليلة على الشبكة العنكبوتية تكشف لنا الآثار الثقافية والروحية للانقلاب الصيفي فنجدها في مختلف الحضارات عبر الأزمنة والأمكنة المختلفة "فالشمس لا تزال قائمة" هو المعنى ذاته الذي أطلقه قدماء المصريين كناية عن حجم الشمس الكبير الثابت في الأفق، ومهرجانات النار في جبال البيريني لا تزال شاهدة على تراثهم في حفظ الذاكرة الشعبية، كما أن الانقلاب الصيفي يشير إلى بداية العد التنازلي للألعاب الأولمبية في اليونان في حين تبقى رقصة الشمس هي الأبرز لسكان أمريكا الأصليين احتفاءً بالانقلاب الصيفي، أما أهالي منطقة ستونهنج فيحتشدون لمتابعة لحظات شروق الشمس في الصباح، والترحيب بقدوم فصل الصيف.


من احتفالات أهالي منطقة ستونهنج بتاريخ 21 جوان/ يونيو 2021 (Getty/ Finnbarr Webster)

 

اقرأ/ي أيضًا:

حدوة الحصان والخرزة الزرقاء والخُمسة.. عن أشهر أساطير طرد النحس في تونس

الملح "ربح" والفحم "بياض".. ميراث التخلّف في تونس