2025.. سنة الصّعود إلى الهاوية الشّاهقة!
31 ديسمبر 2025
مقال رأي
قُبيل نهاية العام الجاري، بحث الرّئيس التونسي، قيس سعيّد، عن تفويض شعبيّ لمشروع هُلاميّ، والحال أنّه يحوز على الصّلاحيّات كافّة، بشكل لم يسبقه إليه أيّ رئيس، منذ استقلال البلاد، عام 1956. كما إنّ خصومه السّياسيّين استُنزفوا تمامًا بالسّجون والمنافي والملاحقات القضائيّة والتّضيّيقات، ناهيك عن انقسامهم الحادّ بشأن سُبل الخروج من حكم الرّجل الواحد وتحديد المسؤوليّات في فترة 2011-2021، إلى جانب الجدل القديم المتجدّد بشأن ما إذا كان يجب التّحرّك فُرادى أو جماعات. وحتّى الاتّحاد العامّ التّونسيّ للشّغل، أحد الأعمدة التّقليديّة بالسّاحة التّونسيّة، رمى بالمنديل، وخرج من صِدامه مع سعيّد مُثخنًا بجراح، تتحمّل معظمَها قيادتُه الحالية.
لجأ سعيّد للعبة الشّارع، فصنع لنفسه رواية أنّ الشّعب يقف وراءه، انطلاقًا من مسيرة السّابع عشر من الشّهر الجاري، وهي قراءة خاطئة مُضلّلة. فلو كان تجييش الجماهير فعّالًا لكان نفع النّهضة، الّتي دفعت بعشرات الآلاف من أنصارها، في السّابع والعشرين من فيفري/شباط عام 2021، فيما فُسّر لاحقًا بأنّه كان بداية النّهاية للحركة. ومجرّد أن يفكّر الحاكم أو المشارك في الحكم بالبحث عن دعم شعبيّ -خاصّة خارج الزّمن الانتخابيّ- هو في حدّ ذاته دليل تخبّط بل وشكّ حيال مشروعيّته.
لجأ سعيّد للعبة الشّارع، فصنع لنفسه رواية أنّ الشّعب يقف وراءه، انطلاقًا من مسيرة 17 ديسمبر 2025، وهي قراءة خاطئة مُضلّلة.. فبمجرّد أن يفكّر الحاكم بالبحث عن دعم شعبيّ -خاصّة خارج الزّمن الانتخابيّ- هو دليل تخبّط بل وشكّ حيال مشروعيّته
وإذا ما كانت المشروعيّة تٌقاس بأعداد المتظاهرين بالفعل، فالأسلم القول إنّ "الخميس العظيم" الّذي شهدته قابس، في أكتوبر/تشرين الأوّل الماضي، أكسب مطلبَ "تفكيك الوحدات" بالمجمع الكيمائيّ دعمًا شعبيًّا لا يُمكن تجاهله. لكنّ الملفّ لا يزال يُراوح مكانه، بالرّغم من مواصلة مئات النّاشطين الضّغط من أجل انتزاع حقّهم في بيئة نظيفة وحياة كريمة في مدينة بات العيش فيها بمثابة الكابوس. ولا شكّ أنّ "الخميس العظيم" كان أهمّ حدث في تونس على الإطلاق، خلال السّنة الّتي نستعدّ لرحيلها.
والبحث عن المشروعيّة هو إقرار ضمنيّ بغياب المُنجَز ومن قبله المشروع. فقد كان عام 2025 عام "الصّفر فاصل إنجاز". وتُؤكّد معظم المؤشّرات الاقتصاديّة والاجتماعيّة دخول البلاد مرحلة مُقلقة من أزمتها المركّبة. فلئن انخفضت نسبة التّضخّم من 10.3%، بداية عام 2023، إلى 4.9%، نهاية الشّهر المنقضي، إلّا إنّها تبقى مرتفعة فيما يتعلّق بالسّلع الغذائيّة، إذ تتجاوز حاجز 11%.
اقرأ/ي أيضًا: لماذا يبحث قيس سعيّد عن "تفويض شعبي"؟
كما إنّ نسبة البطالة خلال الثّلاثي الثّاني من العام الجاري بلغت 15.3%، مع اقترابها من 30% في فئة الشّبّان.
وذكر تقرير للبنك الدّوليّ، الصّيف الماضي، أنّ نسبة الفقر في تونس بلغت نحو 29%، مع توقّعات باستمرار المنحى التّصاعديّ في الدّول غير النّفطيّة بالمنطقة.
والأخطر من حديث الأرقام، على أهمّيته، تعاظمُ أزمة الثّقة والطّمأنينة بين التّونسيّين والتّصدّع المجتمعيّ الّذي نرى تمظهراته في تشنّج الخطاب الرّسميّ والهجمات العنيفة على شبكات التّواصل الاجتماعيّ.
حتّى المشاريع الّتي بشّرت بها سلطة الأمر الواقع لسنوات، بقيت بعد انتهاء عام 2025، مجرّد تصميم هندسيّ على ورق، كالمدينة الطّبّيّة بالقيروان والملعب الأولمبي بالمنزه
لم يكن مفاجئًا أن يكون عامًا مليئًا بـ"المؤامرات الّتي تُحاك بالغرف المظلمة" و"الخونة" و"المرتزقة،" في خطاب رسميّ عنيف تتلقّفه أوساط مُناصرة للرّئيس، قيس سعيّد، فتُضيف عليه تارة بشحنة رهيبة من الشّتائم والاتّهامات، وتارة بقصص وروايات من نسج خيالها. لكنّ كلّ ذلك لا يدفع عن سلطة الأمر الواقع حقيقة أنّ تونس تعيش أزمة خطيرة.
ولعلّ الحكم بإعدام المواطن صابر شوشان على خلفيّة "إهانته رئيس الدّولة" كان أخطر تلك المحطّات، إذ ساهم ذلك الحكم المفزع في تضخيم هالة الخوف من السّلطة. ولم يحل إطلاق سراح شوشان دون تعاظم هذا الشّعور لدى كثير من التّونسيّين. فتردّي وضع الحرّيّات والحقوق في البلاد، بدا كمحنة أكثر من أيّ وقت مضى يعيشها السّياسيّ والحقوقيّ والنّاشط تمامًا مثلما يعيشها المواطن العاديّ.
وكانت 2025 سنة المحاكمات الكبرى بامتياز، إذ بات الحدث الأهمّ ما تصنعه المحاكم بأهمّ اللّاعبين السّياسيّين والحقوقيّين في البلاد، مع أحكام قاسية تُذكّرنا بتلك الصّادرة عن المحاكم الدّوليّة الخاصّة، وسط انتقادات حادّة مع منظّمات محلّيّة وإقليميّة ودوليّة حيال "تطويع القضاء لتركيع المعارضة" بشتّى أشكالها ومظاهرها.
ونُغلق قوس 2025 دون أن تستكمل سلطة الأمر الواقع بناء المؤسّسات الّتي نصّ عليها الدّستور الّذي خطّته بنفسها، وفي مقدّمتها المحكمة الدّستوريّة. وحتّى المشاريع الّتي بشّرت بها لسنوات بقيت مجرّد تصميم هندسيّ على ورق، كالمدينة الطّبّيّة بالقيروان والملعب الأولمبي بالمنزه.
نُغلق قوس 2025 دون أن تستكمل سلطة الأمر الواقع بناء المؤسّسات الّتي نصّ عليها الدّستور الّذي خطّته بنفسها، وفي مقدّمتها المحكمة الدّستوريّة.. كما تبدو الدّيبلوماسيّة التّونسيّة تائهة بين الملفّات، لا صوت لها ولا موقف
ومع التّوتّر الإقليميّ والدّوليّ، تبدو الدّيبلوماسيّة التّونسيّة تائهة بين الملفّات، لا صوت لها ولا موقف، حتّى داخل الأطر التّقليديّة الّتي تتلخّص فيها سياسة الدّولة الخارجيّة. ولئن يُؤكّد الخطاب الرّسميّ نيّة التّوجّه إلى تنويع الشّراكات خارج الأطر التّقليديّة – الغربيّة، تحديدًا -، فإنّ الوقائع تُشير إلى الكثير من الحذر، مع استمرار الدّعم الأمريكيّ، خاصّة فيما يتعلّق بالتّعاون العسكريّ، إلى جانب استمرار التّبعيّة التّجاريّة للاتّحاد الأوروبيّ.
ولا يزال الشّغور قائمًا في كثير من المواقع، بل إنّ السّفارتين التّونسيّتين بسويسرا وروسيا مازالتا بلا سفير منذ أكثر من عامين.
وإذا كان عام 2025 صعبًا بكلّ المقاييس، واصل فيه سعيّد، وبالسّرعة القصوى، الصّعود إلى هاوية شاهقة، فإنّ كلّ المؤشّرات تُنبئ بمزيد الحفر عميقًا، عام 2026، في قاع لا أحد يعلم كيف يمكن الخروج منه. سيُواصل الرّئيس التّونسيّ شيطنته لـ"الآخر"، من جهة، وإعادة إنتاج سرديّة "الشّعب يُريد" الّتي نسجها من خياله، بينما ستتدحرج البلاد أكثر فأكثر نحو مزيد من المتاعب.
- المقالات المنشورة في هذا القسم تُعبر عن رأي كاتبها فقط ولا تعبّر بالضرورة عن رأي "ألترا صوت"
الكلمات المفتاحية

أين استقلال القضاء في تونس؟
لا يمكن لقاضٍ أن يكون مستقلًا ومساره المهني بيد السلطة السياسية. وبالتالي لا يمكن لنا أن نثق في نزاهة العمل القضائي ولا في وجود محاكمة عادلة وبالخصوص في المحاكمات التي تستهدف الفاعلين في المجال العام

ماذا تحتاج المعارضة.. نوستالجيا دستورية أم تجسير الثقة مع الشارع الاجتماعي؟
"منذ 2011 استغرقت النخب السياسية سلطة ومعارضة في أولوية "التأسيس" و"إعادة التأسيس الدستوري".. هذا الهاجس أظهر ولا يزال، اتجاهًا سائدًا في النخبة منعزلًا في برج عاجي، يبدو منشغلًا أساسًا بكيفية تقاسم السلطة.."

التلميذ التونسي وتأزم الحياة الثقافية والرياضية داخل المدرسة
مذكرات العمل التي صدرت عن المندوبين الجهويين للتربية، والتي أقرّت منع هذه الاحتفاليات التلمذية المعروفة بـ"الدخلة" و"الكراكاج" وما شابه ذلك، منعًا باتًا بل واعتبارها مظاهر إخلال يعاقب عليها القانون.. قد خلقت جدلًا على منصات شبكات التواصل الاجتماعي وعلى الصفحات التلمذية المنشغلة بالشأن التربوي التونسي بين رافض ومؤيد

مؤتمر اتحاد الشغل.. إنقاذ المنظمة أم مزيد تفاقم أزمتها؟
كان الصراع داخل اتحاد الشغل منذ ماي 2025، على الأقل، بين توجه يعتبر الأولوية خوض معركة مع السلطة في سياق رفض السلطة التفاوض وتعطيل تنفيذ الاتفاقات مقابل توجه آخر يعتبر الأولوية ترتيب البيت الداخلي وإنجاز مؤتمر قبل أوانه (تاريخ المؤتمر مفترض يكون بداية سنة 2027) وتجديد القيادة

بعد سطو مسلح… نقابة التاكسي تطالب بتركيب كاميرات داخل السيارات
دعت النقابة الأساسية للتاكسي الفردي الجهات المعنية إلى الإسراع بفرض تركيب كاميرات مراقبة داخل جميع سيارات الأجرة، على غرار وسائل النقل العمومي الحديثة، بهدف الحدّ من الجريمة وتأمين الحماية الضرورية للسائقين والحرفاء. كما شددت على أهمية تدخل وزارة العدل لمراجعة العقوبات وتسليط أشدّ الجزاءات على المتورطين في جرائم السطو

طقس تونس.. سحب عابرة وارتفاع في درجات الحرارة
أفاد المعهد الوطني للرصد الجوي، يوم الأربعاء 18 فيفري 2026، بأنّ طقس تونس سيكون مميّزًا بسحب عابرة بأغلب المناطق وتكون الريح من القطاع الجنوبي ضعيفة فمعتدلة، ثمّ تتقوّى تدريجيًا لتصبح قوية نسبيًا قرب السواحل

"خرق للقانون".. وزارة المرأة: نحذر مؤسسات الطفولة من نشر صور الأطفال
ذكّرت وزارة الأسرة والمرأة والطفولة وكبار السنّ القائمين على إدارة مؤسسات الطفولة الخاصة، يوم الثلاثاء 17 فيفري 2026 من محاضن ورياض أطفال ومحاضن مدرسية ونوادي، أنّه يمنع منعًا باتًا نشر صور الأطفال عبر المواقع والمنصات وصفحات التواصل الاجتماعي على شبكة الإنترنت

رابطة حقوق الإنسان: غياب الحوار الاجتماعي يهدد القدرة الشرائية وكرامة المواطنين
قالت الرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان، في بيان لها، يوم الثلاثاء 17 فيفري 2026 إنّ “غياب سياسة اقتصادية واجتماعية تشاركية يفاقم الأزمة المعيشية للمواطنين”، معبّرة عن “قلق بالغ، ونحن على بعد ساعات من دخول شهر رمضان
