17 ديسمبر.. من عيد ثورة الحرية إلى عيد "أنصار الرئيس"
17 ديسمبر 2025
مقال رأي
تطوي الثورة التونسية التي اندلعت في 17 ديسمبر/كانون الأول 2010، وألهمت الشعوب العربية على الانتفاض ضد أنظمة القهر والاستبداد، عامها الخامس عشر في مناخ لم يعد يطرح السؤال حول تحقيق أهدافها كما كان يُطرح دومًا في أفق المنجز الاقتصادي والاجتماعي الذي كان عنوانه حادثة إضرام محمد البوعزيزي النار في جسده، بل بات يسائل الحسرة حول ما كان يُقدَّم أنه "المنجز الوحيد للثورة": حرية التعبير.
كانت هذه الحرية الجواب الجاهز عن سؤال غالبًا ما يكون ساخرًا: "ماذا كسبنا بالثورة؟ لم نكسب إلا حرية التعبير؟". لم تكن هذه إجابة تحقّر الحرية في ذاتها بقدر ما كانت تستدعي مطالبة بـ"وأما بعد". غير أنّه تبيّن أنّ الحرية التي كان يُفترض أن تكون الحدّ الأدنى المضمون باتت بدورها مختطَفة من جديد، بعناوين جديدة، مع نظام جعل البلاد تغادر نادي الدول الديمقراطية أو القريبة منها، وجعل "الديمقراطية" نفسها موضع شكّ لدى الجمهور. كانت عودة خفيّة للمقايضة: التضحية بالديمقراطية من أجل "أحلام الشعب العظيم".
تطوي الثورة التونسية التي اندلعت ذات 17 ديسمبر 2010، وألهمت الشعوب العربية على الانتفاضة على أنظمة القهر والاستبداد، عامها 15 في مناخ لم يعد يطرح السؤال حول تحقيق أهدافها فقط بل بات يسائل الحسرة حول ما كان يُقدّم أنه المنجز الوحيد للثورة: حرية التعبير
وفي خضمّ ذلك، تحوّل عيد الثورة من مناسبة ممزوجة بين الاحتفاء والاحتجاج إلى عيد لأنصار الرئيس لدعم "القيادة". يكشف هذا التحوّل عن الانزياح العميق الذي شهدته البلاد، إذ بات "الأنصار" يحتفون بالسلطة ويعيدون إلى التونسيين صورًا كانوا يظنون أنهم طووها. هي صور تشبه، ظاهريًا، أجواء 7 نوفمبر/تشرين الثاني: الكثير من صور الرئيس والكثير من شعارات مساندة السلطة، ولكن أيضًا الكثير من صور المواطنين البسطاء الذين تحكي وجوههم متاعب الزمن، ويظنّون أن "المتآمرين" سرقوا قوتهم، كما تريد السلطة أن توهمهم. من الأجواء "النوفمبرية" إلى أجواء "ديسمبرية" مستحدثة، لم يشهدها السابع عشر من ديسمبر/كانون الأول في سنوات انتقال ديمقراطي متعثّر. تعثّر كان منفذًا للانقضاض على الثورة: فالانقضاض على الحرية هو بالضرورة انقضاض على الثورة.
وتأتي ذكرى هذا العام مع زيادة في عدد المعتقلين السياسيين، وهو نموّ لا تفوّت السلطة فرصة تأمينه. وتكمن المرارة في أنّ ذكرى هذا العام تحلّ وقامتان في تاريخ النضال الديمقراطي على مدى عقود في السجن: العياشي الهمامي وأحمد نجيب الشابي. العياشي، قامة النضال الحقوقي الذي عرفته ساحات المواجهة ضد الاستبداد منذ الفترة التلمذية زمن بورقيبة، ثم قاد مجهود المشترك الديمقراطي في تجربة 18 أكتوبر/تشرين الأول، وانغمس في التصدي لمحاكمات الحوض المنجمي سنة 2008، وظلّ عنوانًا صارمًا في الانحياز الحقوقي دون تردّد. والآخر هو أحمد نجيب الشابي، الذي عرف الاعتقال في المحاكمات السياسية منذ السبعينيات زمن بورقيبة، وكان عنوانًا ثابتًا في المعارضة الديمقراطية.
تحوّل عيد الثورة من مناسبة ممزوجة بين الاحتفاء والاحتجاج، إلى عيد لأنصار الرئيس لدعم هذا التحوّل، ويكشف عن الانزياح العميق الذي شهدته البلاد إذ بات الأنصار يحتفون بالسلطة ليعيدوا للتونسيين صورًا كانوا يظنون طيّها
ربما لا يستدعي الرجوع إلى اتهامهما السخيف بالانضمام إلى "تنظيم إرهابي" الوقوف عنده إلا من باب السخرية في زمن صناعة العبث، غير أنّ إلحاقهما بالسجون في محاكمة سياسية شهد الجميع حجم انتهاكاتها وخروقاتها، يكشف عن عمق الردّة التي تشهدها تونس. إنها أكثر من مجرّد عودة إلى الوراء: إنها النكبة.
اقرأ أيضًا: في نهاية سياسة ما بعد الثورة والديناميكية السياسية الجديدة في تونس
اختارت هذه السلطة بوضوح أن تعادي الحرية، وأن تقيّد أنصارها، وأن تجعل كلّ صاحب صوت حرّ يشعر، واقعًا لا مجازًا، أنه يغامر بحريته لمجرّد قول معارض في منشور على "فيسبوك"، أو على الأقل لا يشعر بالارتياح الذي كان يرافق معارضته، وأحيانًا "هجومه" الشديد، على من سبق من الرؤساء.
ومن المفارقات التي بات يكتشفها كثيرون نعيمٌ لم يكن ظاهرًا: لم يتورّط المنصف المرزوقي ولا الباجي قائد السبسي في إدخال أي معارض أو مواطن إلى السجن بسبب موقف أو رأي. الآن، وبالمعاينة، بات بعض "حديث الأصدقاء" في المقاهي يُتجنّب أن يكون الصوت فيه مرتفعًا. نجحت السلطة في نشر ترهيب شبيه بما انتشر في صفوف قضاةٍ مطالبين بالنطق بالعدل، في وقت نُزعت فيه ضمانات استقلاليتهم وأُمسكت مساراتهم المهنية بيد السلطة السياسية نفسها.
تأتي ذكرى هذا العام مع زيادة في عدد المعتقلين السياسيين وهو النموّ الذي لا تفوّت السلطة الفرصة على تأمينه. والمرارة أنه تحلّ ذكرى هذا العام وقامتين في تاريخ النضال الديمقراطي في السجن: العياشي الهمامي وأحمد نجيب الشابي
في النهاية، حوّل الرئيس تاريخ 17 ديسمبر/كانون الأول إلى عيد للثورة ويوم عطلة بدل تاريخ 14 جانفي/يناير، وكانت تلك مناكفة؛ غير أنّ المعضلة، في العمق، ليست في هذا التاريخ أو ذاك. فهي ثورة بيوم اندلاعها وثورة بيوم سقوط رأس النظام، وقد أصاب دستور الثورة (دستور 2014) حين أغلق قوس الجدل حول التاريخ بتزمينها كثورة "سبعطاش – أربعطاش".
المعضلة أنّ الرئيس لم يغيّر مجرّد تاريخ شكلي، بل غيّر مسار البلاد بما يعاكس أهداف الثورة: من بلد ديمقراطي ما يزال يشقّ طريقه رغم المصاعب، إلى بلد يغلق قوس الديمقراطية ويعيد إنتاج السلطوية بصيغة شعبوية. ومن ثمّ تحوّل يوم عيد الثورة إلى يوم لأنصار الرئيس، تُرفع فيه صوره وتُردَّد شعاراته. بات 17 ديسمبر/كانون الأول، بعيون أنصار السلطة، أشبه بـ7 نوفمبر/تشرين الثاني، لكنه سيظلّ دومًا، بعيون أنصار الحرية، عنوان مطلبية سيبقى النضال من أجلها دائمًا: الحرية والكرامة.
- المقالات المنشورة في هذا القسم تُعبر عن رأي كاتبها فقط ولا تعبّر بالضرورة عن رأي "ألترا صوت"
الكلمات المفتاحية

الوحدة في مواجهة الاستبداد.. الممكن وغير الممكن تونسيًا
"صورة تشبيه الرئيس قيس سعيّد بالرئيس السابق زين العابدين بن علي التي استأثرت بالنقاش إثر آخر مسيرات المعارضة بدا من المهمّ رفعها.."

الانسحاب من "الكان".. أكبر من مجرّد إخفاق رياضيّ
"لا يُرتقَب أيّ تحسّن على المدى القريب والمتوسّط، على الأقلّ، أمام تراكم المشاكل المحيطة بالرّياضة وتعاظمها.."

في معنى التفویض واحتكار المشھد تونسيًا
"إن مفھوم "التفویض" ھو درجة أكثر تقدمًا داخل نسق الخطاب الشعبوي الذي یعتبر أن الشعب ھو فاعل سیاسي موحد یفوضه ضد النخب.."

2025.. سنة الصّعود إلى الهاوية الشّاهقة!
"البحث عن المشروعيّة هو إقرار ضمنيّ بغياب المُنجَز ومن قبله المشروع. فقد كان عام 2025 عام "الصّفر فاصل إنجاز".. وإذا ما كانت المشروعيّة تٌقاس بأعداد المتظاهرين بالفعل، فالأسلم القول إنّ "الخميس العظيم" الّذي شهدته قابس، في أكتوبر 2025، أكسب مطلبَ "تفكيك الوحدات" بالمجمع الكيمائيّ دعمًا شعبيًّا لا يُمكن تجاهله. لكنّ الملفّ لا يزال يُراوح مكانه!

تأجيل جميع مقابلات كرة اليد المبرمجة نهاية الأسبوع في تونس
أعلن المكتب الجامعي للجامعة التونسية لكرة اليد، يوم الأربعاء 21 جانفي/يناير 2026 عن تأجيل جميع المقابلات التي كانت مبرمجة نهاية هذا الأسبوع، بمختلف الأصناف والاختصاصات، وذلك نظرًا لتواصل التقلبات الجوية وما نتج عنها من أضرار، فضلًا عن تعذّر استغلال عدد من القاعات الرياضية. وأكدت الجامعة أنه سيتم لاحقًا تحديد المواعيد الجديدة لإجراء هذه المقابلات

جبهة الخلاص: عدم استباق التقلبات المناخية وغياب الاستعداد لها يعدّ تقصيرًا غير مبرّر
جبهة الخلاص الوطني: "التقلّبات المناخية ولئن كانت قوّة قاهرة لا يمكن دفعها، فإنّ تطوّر وسائل الرّصد وتبادل المعلومات يجعلان عدم الاستباق وغياب الاستعداد النّاجز والملائم تقصيرًا غير قابل للتّبرير".

تعليق الجلسات القضائية في عدة محاكم تونسية بسبب سوء الأحوال الجوية
قرر عدد من الفروع الجهوية للمحامين في تونس تعليق جميع الجلسات بمحاكم الاستئناف والمحاكم الابتدائية على مستوى عدة ولايات، وذلك يوم الأربعاء 21 جانفي 2026، نظرًا لسوء الأحوال الجوية التي تشهدها البلاد، وفقهم

تعرّف على الطرق المقطوعة بسبب الأمطار في تونس
أصدرت الإدارة العامة للحرس الوطني، يوم الأربعاء 21 جانفي 2026، بلاغًا تحذيريًا محينًا، دعت من خلاله كافة مستعملي الطريق إلى توخي الحذر، على خلفية تسجيل انقطاعات في حركة المرور بعدد من الطرقات، وذلك نتيجة التقلبات الجوية الأخيرة وما نجم عنها من تراكم لمياه الأمطار وفيضان بعض الأودية
