يوغا الضحك في تونس.. ملجأ العابسين والباحثين عن الأمل

يوغا الضحك في تونس.. ملجأ العابسين والباحثين عن الأمل

أصبحت يوغا الضحك ثقافية علاجية يتم اللجوء إليها للتداوي في أحيان كثيرة

 

يقول المثل الصيني إن "الضحك يجعلك أصغر بعشرة أعوام من عمرك الحقيقي، أما البكاء فيحيل سواد شعرك الى بياض". قد نضحك أحيانًا فرحًا وقد نضحك حزنًا وقد نضحك استهزاء. فالضحك في حياتنا اليوم أصبح فعلًا ميكانيكيًا. والكلّ يتحسّر دائمًا عن الضحكة الصادقة النابعة من القلب في ظلّ ما نشهده اليوم من ضغط وقلق بسبب أوضاعنا الخاصة والوضع العام للبلاد.

إن قيل لك "واجه مشاكلك بالضحك" أو "قد يغيّر الضحك مجرى حياتك" أو "اضحك فسترى الحياة في صورة أجمل"، فالأغلب أن تكون ردّة فعلك السخرية من هذا الكلام فعادة ما نواجه مشاكل الحياة بوجه عبوس يعلو الحزن محياه.

آمال النغموشي (أخصائية في يوغا الضحك) لـ"ألترا تونس": ليوغا الضحك فوائد صحية عديدة مثل تعزيز جهاز المناعة الذي يلعب دورًا هامًا في الدفاع عن الصحة ومكافحة العدوى والحساسية

لكن عديد الدراسات أثبتت أنّ للضحك عديد الفوائد الصحيّة والنفسيّة وأكّدت بعض التجارب أنّ يوغا الضحك غيّرت مجرى حياة عديد الأشخاص. فما هي يوغا الضحك؟ ماهي فوائدها العلاجيّة؟ وما مدى انتشار هذه الثقافة في المجتمع التونسي؟ أسئلة يطرحها "ألترا تونس" في هذا التقرير.

اقرأ/ي أيضًا: "الزردة" و"الوعدة".. احتفالات وطقوس لطلب الأمنيات

 

ولادة يوغا الضحك تعود إلى سنة 1995

 

توضح الدكتورة في علم النفس الاجتماعي وأخصائيّة يوغا الضحك آمال النغموشي لـ"ألترا تونس" هذا المفهوم  قائلة "مثلها مثل عديد الرياضات الأخرى، تلعب يوغا الضحك دورًا هامًا في علاج عديد الأمراض العصرية، كالاكتئاب والخمول والضغط النفسي، كما تساعد في تخفيف الألم والمعاناة عن مرضى السرطان خاصة بعد قيامهم بالجلسات الكيميائية وهي تندرج ضمن العلوم الجديدة مثل التنمية البشرية وعلوم الطاقة بمختلف تخصصاتها".

وعن تاريخ ومنبع هذه الرياضة، تقول النغموشي إنّ ولادة يوغا الضحك تعود إلى سنة 1995 حيث ابتكرها الدكتور الهندي مادان كأتاري من خلال مجموعة من الأبحاث التي أعدها حول تأثير الضحك على المرضى من ناحية تسريع شفائهم، لافتة إلى أن الهند تُعتبر الموطن الأصلي لـ "يوغا الضحك"، وقد انتشرت هذه الرياضة في 70 بلدًا من بينها تونس، مبينة أن لهذه الرياضة فوائد صحية عديدة مثل تعزيز جهاز المناعة الذي يلعب دورًا هامًا في الدفاع عن الصحة ومكافحة العدوى والحساسية.

لطفي قدارة (مدرب ليوغا الضحك) لـ"ألترا تونس": يوغا الضحك خليط بين تقنيات التنفّس والاسترخاء واليوغا التقليديّة

وتوضح أن عديد الدراسات النفسية والعصبية والمناعية أظهرت أن المشاعر السلبية مثل القلق والاكتئاب تضعف الجهاز المناعي للجسم وبالتالي تقلّل من مقاومة العدوى، مبينة أن الضحك يعمل على زيادة مضادات الجسم وذلك من خلال إفراز مادة الأندورفين وهو هرمون يفرزه الجهاز العصبي للتحكم في سيطرة الدماغ على الإجهاد ويساعد إفرازه على الشعور بالراحة والسعادة والتحسن.

وتؤكّد أخصائيّة يوغا الضحك، خلال حديثها لـ"ألترا تونس" أنّ هذه الرياضة أخذت في الانتشار شيئًا فشيئًا إلى أن أصبحت ثقافة علاجية يلجأ لها عديد الأشخاص للتداوي. وتستخدم يوغا الضحك مزيجًا من تمارين الضحك وتنظيم عملية التنفس، وذلك بهدف تدريب الحجاب الحاجز وعضلات البطن على التنفس بعمق، الأمر الذي يساهم في زيادة إمدادات صافي الأوكسجين لخلايا الجسم.

​​​​اقرأ/ي أيضًا: قصص اغتصاب الذكور.. مأساة تقوّض ثوابت المجتمع الذكوري

 

أسس لطفي قدارة نواة بولاية المنستير أصبحت تضم اليوم ستين شخصًا يجتمعون لممارسة يوغا الضحك

 

لطفي قدارة، شاب تونسي، اكتشف هذه الرياضة سنة 2012 خلال إحدى المحاضرات التي تتناول موضوع البدائل العلاجيّة كالعلاج بالموسيقى، العلاج بالطاقة، من ثمّ قام بدورات تدريبيّة جعلت منه "سفير الضحك في تونس" كما يقول. يتحدّث لطفي عن تجربته لـ"ألترا تونس" "لم أؤمن بهذا المفهوم إلّا عندما لاحظت أثره على نفسيّتي حيث كنت شخصًا عصبيًّا ودائم التشاؤم لكنّ يوغا الضحك غيّرت مزاجي وأصبحت أتمتّع ببرودة دم جعلتني أنظر للمشاكل والتعقيدات التي تعترضني من زاوية أخرى".

لطفي هو واحد من عديد "السفراء للضحك" الموجودين في عدد من الولايات التونسيّة والذين يسعون لنشر هذه الثقافة في المجتمع من خلال تركيز النوادي أو الحصص الدوريّة التي يتلاقى فيها الراغبون في تعديل مزاجهم للقيام بهذه الرياضة. وقد أسّس محدّثنا نواة بولاية المنستير انطلقت بمجموعة لم تتجاوز الخمسة أفراد وأصبحت اليوم تبلغ الستين شخصًا الذين يجتمعون سواء على حافّة البحر أو في بعض الحدائق الملائمة لهذا النشاط.  ويؤكّد مدرّب يوغا الضحك أنّ النساء هم أكثر مرتادي هذه الحصص. كما تقع استضافته من قبل عديد الطلبة سواء في الجامعات أو المبيتات لنشر هذه الثقافة في فئة الشباب، على حدّ قوله.

وعن مراحل حصص يوغا الضحك، يقول محدّثنا إنّها خليط بين تقنيات التنفّس والاسترخاء واليوغا التقليديّة مبينًا أنّ اغلب مرتادي هذه الحصص يعانون من مزاج سيء أو قلق أو نوم مضطرب. وقد ساعدت هذه التقنية عديد الأشخاص وغيّرت مجرى حياتهم، وفق محدثنا.

آمال النغموشي (أخصائية في يوغا الضحك) لـ"ألترا تونس": الضحك ضمن المجموعة يخلق شعوراً بالانتماء الاجتماعي

وحدثنا لطفي عن تجربة أحد المتقاعدين من سلك الطيران والذي كان يعاني من ظرف استثنائي جعله يتعاطى بعض الأدوية لكنّ حضوره في حصص اليوغا جعلته يستغني عن الأدوية ويلاحظ الأثر الإيجابي لهذا النشاط سواء على صحّته أو حتى على علاقته بعائلته. ويختم قدارة بالقول "لقد تعلّمنا في مراحل حياتنا أنّ الضحك بلا سبب هو قلّة أدب لذلك من الصعب أن نمارس هذا النشاط في العمل أو في وسائل النقل أو العمل لأنّ الأمر سيبدو غريبًا للجميع. ولكنّنا اليوم نحتاج إلى الضحك دون أن نربط الأمر بسبب معيّن لأنّ ذلك سيساهم في التقليل من نسبة الضغط الذي يعيشها المجتمع خاصّة وأنّ الضحك معد وينتشر بسهولة بين الناس".

من جهتها، تؤكّد الدكتورة آمال النغموشي أنّ "ما تلى الثورة التونسية من أحداث مختلفة ساهم نوعًا ما في نشر الاحتقان والكآبة، وهو ما دفع بالفاعل الاجتماعي في تونس إلى البحث عن مجالات جديدة للسعادة والترفيه عن النفس"، على حدّ تعبيرها، مبرزة أن الفاعل المثقف أصبح واعيًا بضرورة تجاوز أزمات الحاضر من خلال ممارسة نوع جديد من الرياضة التي لا تتطلب جهدًا كبيرًا وأيضًا لا تساهم في إهدار الوقت ومن هنا جاءت نوادي يوغا الضحك التي ساهمت في نشر هذه الثقافة بين عدد كبير من التونسيين، وفق تصريحاتها.

وتضيف محدّثتنا  أنّ الضحك ضمن المجموعة يخلق شعوراً بالانتماء الاجتماعي، ويشجع على الانفتاح على الآخر ويحد من الحواجز ويساعد في بناء صداقات جديدة، مشيرة إلى أن "يوغا الضحك تساهم في التوصل لاكتشاف الطاقة الإيجابية في الفرد والقدرة على استثمارها في التواصل مع الآخرين وفي تحقيق الذات وتوجيهها التوجيه السليم لبلوغ غاياتها سواء كانت مادية أو اجتماعية أو عاطفية أو صحية ونفسية".

"اضحكوا مع بعضكم البعض فالضحك عدوى والبسمة تغيرك وتغير الذين من حولك"، ولكن هل يستطيع التونسي اليوم أن يتحامل على نفسه وعلى مشاكله ليضحك دونما سبب؟ وهل من الممكن اليوم أن تنتشر ثقافة يوغا الضحك لتتغلغل في مجتمع أعياه الاكتئاب وتراجع مؤشّر السعادة فيه؟ ربّما.

 

اقرأ/ي أيضًا:

ابني متنمّر يعتدي على أصدقائه.. ماذا أفعل؟

جسد المرأة بين "البوركيني" و"البيكيني".. حرية اللباس في مواجهة المجتمع